الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

فوائد وعبر من قطار السفر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

وبعد: إن المطلع على نظم سير قطارات السكك الحديدية يرى أنها تعتمد ثلاث محطات:

الأولى: محطات الانطلاق: وهي تلك المحطات التي ينطلق منها القطار في بداية رحلته متجها إلى محطة الوصول المحددة له في خط سيره، وهي واحدة لكن السائقين هم الذين يختلفون على القطار.

الثانية: محطات المرور: وهي تلك المحطات التي يمر عليها القطار أثناء رحلته، وتُحتسب من بعد محطة الانطلاق مباشرة، وتنتهي بالمحطة المتقدمة على محطة الوصول، ويختلف الناس في النزول في تلك المحطات تبعا لأهدافهم.

الثالثة: محطات الوصول: وهي تلك المحطات التي تنتهي عندها الرحلة، ويتوقف فيها سير القطار، وبها ينزل كل الركاب، وإن لم تكن هي المحطة المقصودة لهم.

فأما محطات الانطلاق فهي ولادتك، وحياتك الأولى، فحاول أن تغتنم اللحظات فيها؛ فإن القوة وقت الاندفاع أقوى من القوة وقت السير.

وأما محطات المرور فهي مراحل تطور حياتك؛ من دراسة، وعمل، وزواج، وإنجاب، ومرض، ونحو هذا، وليس شرطا أن تتم تلك المراحل كلها؛ بل قد تفارق أهلك في أي مرحلة من تلك المراحل؛ فالموت ليس له سن معينة.

وأما محطات الوصول فهي التي تشير إلى نهاية الأجل، وحلول النهايات لبني آدم.

ثم اعلم يا صديقي: أن من المتفق عليه أن محطات المرور لا تكون مكانا للتخزين، بل هي مكان للراحة المؤقتة التي يُستأنف العمل بعدها، أما مكان التخزين فهو محطات الوصول التي تتحول في اليوم التالي إلى محطات للانطلاق إن أصبح القطار سليما من العيوب، قادرا على المواصلة.

والمراد من هذا: أن المرء إذا أحسن في حياته بدأت بعد موته حياته الحقيقية المليئة بالنعيم، والسعادة الأبدية.

أصناف الناس في القطار:

والناس فيه ينقسمون إلى أقسام مختلفة بحيثيات مختلفة:

فمن حيث الهدف: تراهم متباينين تباينا ظاهرا؛ وذلك بسبب اختلاف محطات نزولهم، فليس من يبدأ بهم القطار في محطته الأولى هم من يصل بهم إلى محطته الأخيرة.

ومن حيث السلوك: فهم على أشكال متنوعة بتنوع أشخاصهم وبيئاتهم؛ فمنهم النائم، ومنهم القارئ للكتابات الإعلامية، المطالع للأخبار الصحفية، ومنهم التالي للقرآن المتصفح للمصحف الشريف، ومنهم الذي يوجه نظره لمتابعة الغادي والرائح مع اختلاف نياتهم، وتنوع نظرتهم تبعا لأهدافها، ومنهم من يضع سماعة في أذنه ولا ينزعها حتى يصل، ومنهم من يخرج هاتفه ويتصفح وسائل التواصل حتى يصل، ومنهم من يحضر معه المسليات التي تهون عليه سفره لاسيما إن طالت الرحلة.

ومن حيث الأجر المدفوع: فمختلفون؛ فالهدف محدد الأجر، وأصحاب الهدف الواحد بينهم اختلاف يحدده محطة الانطلاق؛ فإن اتفق الهدف ومحطة الانطلاق اتفق الأجر، ومنه نتعلم أن المتفقين في الحوار على أهداف ثابتة، ومحاور واضحة، ومنطلقين من معايير واحدة لم يحدث بينهم اختلاف - ولو افتعل - فإن اختلفت المشارب وقع الاختلاف وإن لم يرد.

ومن حيث الحالة والوضع: فمختلفون؛ فمنهم الجالس على كرسيه طول سفرته = وهذا جالس بالاختيار، ومنهم الواقف على رجليه طول رحلته = وهو واقف بالاضطرار، ومنهم من يجلس ابتداء ثم يقف لعارض من نخوة وشهامة لإجلاس غيره من العجزة أو من في حكمهم = وهذا واقف بالخيار، ومنهم من يقف ابتداء ثم يجلس لفراغ المحل المنشغل بنزول صاحبه في محطته، أو أن يكون من أصحاب الأعذار فيقام له = وهذا جالس بالأدوار.

ومن حيث الغاية من الهدف: فمختلفون؛ فمنهم المتجه لدراسته أو عمله، ومنهم المتوجه لصلة أقاربه ورحمه، ومنهم المتجه لمؤسسة لإنهاء ورقه، ومنهم المتجه للتنزه والترفه، وقد يحقق غايته، وقد يسبقه القدر ويدركه اﻷجل قبل بلوغ هدفه، أو بعده، لكن قبل تحقق غايته.

ومن حيث الأمانة في المعاملة: فمتباينون؛ فمنهم الأمين في تحديد محطتي الانطلاق والوصول وعليهما يتحدد الأجر المدفوع، ومنهم الخائن في التحديد، أو المتهرب من الدفع.

ومن حيث الغاية من التواجد: فمختلفون؛ فمنهم السائق، ومنهم المحصل للأجر، ومنهم الراكب، ومنهم البائع والمستفيد، ومنهم المتسول الفقير، ومنهم صاحب الشرطة المكلف بالحماية والمتابعة، ومنهم الفني المكلف بإصلاح الأعطال إن وقعت.

أما محطات القطار لاسيما المركزية وعرباته فلا تكاد تخلو من الناس، ولعل هذا هو ما يجمعهم ويتفقون عليه، فالناظر إلى المحطات والعربات - لاسيما في المتجهة من وإلى الوجه البحري - يرى المحطات ممتلئة، وعربات القطارات مزدحمة، حتى إن الناس ربما يجلسون على الأرض والأرفف.

ويتفقون أيضا في حالتهم المادية = فغالب من يعتمدون القطارات كوسيلة لسفرهم هم الفقراء وأصحاب الطبقة الكادحة؛ وذلك لانخفاض أجره، وارتفاع أجر ما سواه، وأكثر الشرائح المجتمعية فيه هم الطلاب والعاملون؛ فأما الطلاب فلقلة ذات أيديهم، وفقر ذويهم، وأما العاملون فلضعف الراتب في مقابلة ما يلزمون بإنفاقه، وعدم قدرتهم على دفع أجر السيارات، فاعتمادهم للقطار ليس اختيارا مطلقا، وإنما اجبروا عليه، فالقطار ليس وسيلة للتنزه أو الترفيه، وبعضها سيء بما لا يُطاق.

ومن الفوائد: أني وقفت مع صديق لي في إحدى محطات انتظار المواصلات العامة، فمل من كثرة الانتظار، وقلة السيارات؛ فتركني وتقدم إلى المحطة التالية، وبقيت منتظرا، فلما أبعد صاحبي جاءت سيارة بها مقعدان شاغران؛ فركبت، وركب آخر، ومرت السيارة على صديقي فرأيته وهو يعاني من جهد السير، وطول الطريق، فتعلمت من هذا الموقف أمورا منها: [لكل أجل كتاب - الصابر رابح على كل أحواله - من ملَّ الصبر حُرِم التوفيق - إذا ضاق الأمر اتسع، وإذا اشتد الظلام دل على انبلاج الفجر - من تعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه- لحوق الندم غالبا للمتعجل في اتخاذ قراره].

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله