من أسرار الذِّكر الحكيم
السُّؤال:
ما الوجه الوجيه في اختلاف الصِّفات الواردة مع كلمة: (رسول) في سورة الدُّخان؟
وللجواب أقول:
إنَّ الكلمة القرآنيَّة تُوضع في موضعها المناسب بل الأنسب؛ فالحكيم لا يخلو قوله من حكمة، والمسلم يُسلِّم بها ظهرت أم لم تظهر، ويُمكن بيان وجه البيان في مواضع سورة الدُّخان من خلال ما يلي:
الآية الأولى:
قوله تعالى: {أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكۡرَىٰ وَقَدۡ جَآءَهُمۡ رَسُولٞ مُّبِينٞ} [الدخان: 13] وتأتي في سِياق نزول العذاب على المشركين بسبب تكذيبهم وعنادهم، فيُسلِّي الله تعالى نبيِّه ومن معه من المؤمنين ببيان ما يحلُّ بالكفَّار من سُنن الهلاك بنزول دخانٍ مبين (ظاهرٌ وواضحٌ وكثييفٌ) يعمُّ النَّاس، فيهلعون ويهرعون إلى الإيمان وطلب الكشف والسَّلامة، لكن أنَّى لهم! أي كيف يكون لهم الاتِّعاظ والتَّذكُّر والاستفاقة وقد جاءهم رسول مبينٌ في مكانته وصدقه ودعوته ورسالته فكذَّبوا به؟! والمقصود بالنَّاس= مشركو مكَّة، وبالرَّسول= محمَّدٌ .
والمناسبة بين وصف الرَّسول ب: (مبين) ووصف العذاب ب: (مبين) الظُّهور والوضوح وقوَّة الحضور في كلٍّ؛ فكما يظهر أمر العذاب (الدُّخان) فيراه النَّاس بعيونهم، فكذلك ظهرت أمارات النُّبوَّة ودلائل الرِّسالة كإعجازٍ لكلِّ مكذِّبٍ عنيدٍ مازال يطعن في الرِّسالة أو الرَّسول.
الآية الثَّانية:
قوله تعالى: {وَلَقَدۡ فَتَنَّا قَبۡلَهُمۡ قَوۡمَ فِرۡعَوۡنَ وَجَآءَهُمۡ رَسُولٞ كَرِيمٌ} [الدخان: 17] وتأتي في سِياق تسلية النَّبيِّ ﷺ بأنَّ تكذيب الأقوام للأنبياء والمرسلين حاصلٌ في الأمم السَّابقة وليس مشركو مكَّة ومكذِّبو هذه الأمَّة بدعًا في عالم التَّكذيب، ثمَّ ذكر الله تعالى مثالًا على ذلك يتناسب مع سياق السُّور الزُّخرف والدُّخان والجاثية وهو مثال بني إسرائيل مع أنبيائهم عليهم السَّلام عامَّةً، وخصَّ منهم قوم فرعون مع نبيِّ الله موسى عليه السَّلام، ونسبهم لفرعون نسبة موافقةٍ واتِّباع؛ قال تعالى: {إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ فَٱتَّبَعُوٓاْ أَمۡرَ فِرۡعَوۡنَۖ وَمَآ أَمۡرُ فِرۡعَوۡنَ بِرَشِيدٖ} [هود: 97] فأكثرهم على طريقته ومنهجه؛ قال: {فَٱسۡتَخَفَّ قَوۡمَهُۥ فَأَطَاعُوهُۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ} [الزخرف: 54]
والمناسبة بين وصف الرَّسول ب: (كريم) في هذا الموضع أنَّه لـمَّا ورد في سياق المقابلة بين فرعون وموسى عليه السَّلام ونسب القوم إلى فرعون ممَّا يُظنُّ معه الكرامة لفرعون بهذا الانتساب وصف النَّبيَّ موسى عليه السَّلام بالكرامة على الله تعالى؛ فهو كريمٌ عند الله تعالى وإن هان عند قومه فاتَّبعوا فرعون؛ قال تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ ءَاذَوۡاْ مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْۚ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهٗا} [الأحزاب: 69] وفي الآية معنى الشَّرف والسِّيادة بالإيمان والصَّلاح والعمل، وليس بالمعصية والكفر؛ فلا كرامة لكافر.
فائدة: وقد ورد وصف الرسول بهذا الوصف في ثلاثة مواضع:
الموضع الأوَّل: في قوله سبحانه وتعالى: {وَلَقَدۡ فَتَنَّا قَبۡلَهُمۡ قَوۡمَ فِرۡعَوۡنَ وَجَآءَهُمۡ رَسُولٞ كَرِيمٌ} [الدخان: 17] والمقصود به موسى عليه السَّلام.
الموضع الثَّاني: في قوله تعالى: {إِنَّهُۥ لَقَوۡلُ رَسُولٖ كَرِيمٖ ٤٠ وَمَا هُوَ بِقَوۡلِ شَاعِرٖۚ قَلِيلٗا مَّا تُؤۡمِنُونَ} [الحاقة: 40-41] والمقصود به محمَّدٌ ﷺ.
الموضع الثَّالث: في قوله تعالى: {إِنَّهُۥ لَقَوۡلُ رَسُولٖ كَرِيمٖ * ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلۡعَرۡشِ مَكِينٖ} [التكوير: 19-20] والمقصود به جبريل عليه السَّلام.
الآية الثَّالثة:
قوله تعالى: {أَنۡ أَدُّوٓاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِۖ إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ} [الدخان: 18] ومازال سياق الحديث عن نبيِّ الله موسى متَّصلًا، حيث اتَّخذت الآيات بداية ذكر قوم موسى عليه السَّلام مسلكًا لبيان بعض المواقف التي حصلت بين موسى عليه السَّلام وقومه؛ للتَّأكيد على ما لقيه من قومه من عنتٍ وعنادٍ وكبرٍ وإعراضٍ عن الحقِّ تسليةً لقلب نبيِّه محمَّد ﷺ فإنَّ هذا يُساعد على الصَّبر والتَّحمُّل، وقد لقي موسى عليه السَّلام من قومه من الصُّدود والإعراض ألوانًا وأشكالًا.
وفي هذا السِّياق يطلب موسى عليه السَّلام من قومه متمثَّلًا في فرعون وملئه أن يُخلُّوا بينه وبين بني إسرائيل بعد أن سامهم فرعون سوء العذاب؛ قال تعالى: {وَإِذۡ نَجَّيۡنَٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ} [البقرة: 49] ولـمَّا كان العذاب والتَّضييق عليهم والاستعباد لفرعون يحول بينهم وبين الاستجابة لأمر نبيِّ الله موسى عليه السَّلام وآيس من إيمان فرعون والملأ الأعلى من قومه طلب أن يتركوا له بني إسرائيل؛ قال : {حَقِيقٌ عَلَىٰٓ أَن لَّآ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ قَدۡ جِئۡتُكُم بِبَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ فَأَرۡسِلۡ مَعِيَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ} [الأعراف: 105] وقال تعالى: {فَأۡتِيَاهُ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرۡسِلۡ مَعَنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَلَا تُعَذِّبۡهُمۡۖ قَدۡ جِئۡنَٰكَ بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكَۖ وَٱلسَّلَٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلۡهُدَىٰٓ} [طه: 47]
والمناسبة بين وصف الرَّسول موسى عليه السَّلام بـ: (أمين) في هذا الموضع أنَّه لمَّا طلب من فرعون وملئه الذين كفروا أن يسلِّموا إليه بني إسرائيل ناسب أن يذكِّرهم بصفةٍ من صفاته التي تتناسب مع الطَّلب، فكانت صفة الأمانة هي الأنسب؛ فهو أمين عليهم فلا يضيِّعهم، وأمينٌ على وحي السَّماء ولابدَّ أن يبلِّغه للنَّاس، فلا وجه للحيلولة بينه وبين أداء هذه الأمانة التي اؤتمن عليه من قِبل الله تعالى، كما أنَّ كلمة: {أَدُّوا إِلَيَّ} يُناسبها كلمة: {رَسُولٌ أَمِينٌ} فالأداء يحتاج إلى أمانةٍ تسلُّمًا وتسليمًا.
وبالمناسبة فقد وردت الآيةٌ التَّاليةُ بوصف: (مبين) وهو وصفٌ لسلطانِ الرِّسالة بقوَّة البرهان والحجَّة، وهو مناسبٌ لسياق الكبر والتَّعالي؛ فإذا كانوا يُقابلون رسالة موسى بالإعراض والتَّكبر فإنَّ سُلطان الرِّسالة يغلبهم بقوَّة الحجَّة، ووضوح الدِّلالة، وتمام التَّأثير والبلوغ، ونُلاحظ أنَّ الوصف بالمبين يرد مع الشَّيء المتعلِّق بالحسِّ والرُّؤية كالعذاب أو الرِّسالة والنُّبوَّة؛ لقوَّة الحجَّة ووضوح الدِّين.
وبذلك يظهر التَّناسب البديع بين سياقات الآيات في هذه المواضع بما يبين عن وجهٍ من وجوه إعجاز النَّصِّ القرآنيِّ، ولا أدَّعي أنِّي حصرتُ أوجُهها، لكنَّها محاولةٌ تدبُّريَّةٌ أرجو أن تكون مقبولةً عند الله تعالى.