الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

توجيه حديث التَّحديث عن بني إسرائيل

الحمد لله وحده، والصَّلاة والسَّلام على من لا نبيَّ بعده.

وبعد: فقد ثبت بما لا مجال فيه للشَّكِّ أو الارتياب أنَّ أهل الكتاب قد حرَّفوا كتُبهم تحريفًا حقيقيًّا بما تعنيه الكلمة من معنى التَّحريف بالخروج بلفظه ومعناه عن كلام ومُرادِ الله تعالى؛ لذلك لم يجُز للمسلم أن يعتمِد على كتُبهم في شيءٍ لحصول التَّحريف فيه مع صعوبة الوقوف على ما أدخلوه وألحقوه بكتُبهم من كذبٍ وتكذيبٍ؛ ‌فعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال: "يا معشرَ المسلمينَ، كيف تسألونَ أهلَ الكتابِ عن شيء، وكتابُكم الَّذي أَنزل الله على نبيِّكم  أحدثُ الأخبار بالله، ‌محضًا ‌لم ‌يُشَب، وقد حدَّثكم الله أنَّ أهل الكتابِ قد بدَّلوا من كتُب الله، وغيَّروا فكتبوا بأيديهم؟ قالوا: هو من عند الله؛ ليشتروا بذلك ثمنًا قليلًا، أوَلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مُسَألتِهم، فلا واللهِ ما رأينَا رجلًا منهم يَسألُكم عن الَّذي أُنزِل عليكم" [1] من هُنا كان البُعد عن مُطالعة كتب أهل الكتب أسلمَ للدِّين، وأثبت للعقيدة.

توجيه جواز التَّحديث عن بني إسرائيل

وأمَّا ما ورد من جَواز النَّقل والتَّحديث عن بني إسرائيل في نحو قول النَّبيِّ ﷺ: «بلِّغوا عنِّي ولو آية، ‌وحدِّثوا ‌عن بني إسرائيل ولا حرجَ، ومَن كذَبَ عليَّ مُتعمِّدًا فليتبوَّأ مَقعدَه من النَّار» [2] فإنَّه محمولٌ على ما كان في القَصص والمواعظ وما يحمِل على الاتِّعاظ والاعتبار، ولا يُرادُ به النُّصوصُ الَّتي تتناول الشَّريعة، أو تُقرِّر العقيدة؛ قال الطِّيبيُّ رحمه الله: "ولا ‌مُنافاة ‌بين إذنه هُنا، ونهيِه في خبرٍ آخر عن التَّحديث، وفي آخر عن النَّظر في كتُبهم؛ لأنَّه أراد هنا التَّحديث بقصَصهم؛ نحو قتلِ أنفسِهم لتوبتهم، وبالنَّهي العملَ بالأحكام لنَسخِها بشرعِه، أو النَّهي في صدر الإسلام قبل استقرار الأحكام الدِّينيَّة والقواعد الإسلاميَّة، فلمَّا استقرَّت أُذِن لأَمن المحذور" [3] وقال ابن حجرٍ رحمه الله: "أي لا ضِيقَ عليكم في الحديث عنهم، لأنَّه كان تقدَّم منه  الزَّجر عن الأخذ عنهم والنَّظر في كتبهم، ثمَّ حصل التَّوسُّع في ذلك، وكأنَّ النَّهي وقع قبل استقرار الأحكام الإسلاميَّة والقواعد الدِّينيَّة خشية الفتنة، ثمَّ لـمَّا زالَ المحذورُ وقع الإذن في ذلك؛ لما في سماع الأخبار الَّتي كانت في زمانهم مِن الاعتبار" [4]

توجيه النَّهي عن التَّحديث عن بني إسرائيل

فالنَّهي عن التَّحديث عن بني إسرائيل موجَّهًا لما ورد عنهم ممَّا يُخالِف الشَّرع؛ لأنَّ التَّحديث به يُروِّج له وينشره، ممَّا يجعله لبعضهم فتنةً، فكان النَّهي من باب إماتة الباطل بالسُّكوت عنه، وهجرِ ترديد الكذب لئلَّا يستقرَّ في العقول، وأمَّا الإذن فيتوجَّه لما جاء عندهم موافِقًا لما عندنا في شريعتنا؛ فيجوزُ التَّحديثُ به لموافقته الحقَّ الَّذي عندنا، لا لمجرَّد مجيئِه عند أهل الكتاب، وأمَّا التَّوقُّف عن التَّصديق والتَّكذيب فيتوجَّه لما لم يَرِد فيه نصٌّ في شريعتنا ممَّا لا يتوقَّف عليه تشريع أو أحكام عمليَّة أو اعتقاديَّة؛ لأنَّ سُكوتَ الشَّرع عنها دليلٌ على عدم توقُّف صحَّة الدِّين عليها؛ فالشَّريعة كاملةٌ، والدِّين تمامٌ؛ قال تعالى: {... ٱلۡيَوۡمَ ‌أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗا ...} [المائدة: 3]

تقسيم الإسرائيليَّات

وما ورد عن بني إسرائيل ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

الأوَّل: ما وَافق ديننَا، وتعاضَدَ مع شريعتنا، وتَوافقَ مع العقيدة:

وهذا فيه التَّحديث باتِّفاق العلماءِ؛ لأنَّه من الحقِّ الَّذي عندنا، وأقرَّه دينُنا، ويكون التَّحديث به من مُنطلَق ثُبوتِه في شرعنا، لا مِن مُنطلَق الاكتفاء بأنَّه ممَّا ورد في كتب أهل الكتاب؛ للاعتزاز بثَوابت الدِّين الواردة في نصوص الشَّرع؛ فإنَّ ثُبوته في شرعنا كافٍ في الاستدلال والعمل، والتَّأكيد على صِحَّة ما ورد عنهم؛ لموافقته ما ورد في شرعنا، وهذا ما يُؤيِّده هذا الحديث؛ وقال الشَّافعيُّ رحمه الله: "مِن المعلوم أنَّ النَّبيَّ لا يُجِيز التَّحدُّث بالكذِب؛ فالمعنى: حدِّثوا عن بني إسرائيل بما لا تعلمون كذِبه، وأمَّا ما تُجوِّزونه فلا حرج عليكم في التَّحدُّث به عنهم، وهو نظير قوله: «إذا حدَّثكم أهل الكتاب فلا تُصدِّقوهم ولا تُكذِّبوهم» ولم يرد الإذنُ ولا المنعُ من التَّحدُّث بما يُقطَع بصدقِه" [5]

الثَّاني: ما خالف ديننا، وتنافر مع شريعتنا، وتناقض مع العقيدة:

وهذا لا يجوز التَّحديث به باتِّفاق؛ لأنَّه من الباطل والزَّيف الَّذي جاءت الشَّريعة بردِّه ودحضه، وفي نشره على النَّاس ترويجٌ للكذب، وتحديثُ النَّاسِ بما يُشتِّت عقيدتَهم، ويصرِف عن الحقِّ قلوبَهم، بل يحرِص العلماءُ على نشر صحيح الدِّين، وتقرير صريح الملَّة بالحقِّ والدَّليل؛ لئلَّا تكونَ فتنةٌ للنَّاس، فلا يجوزُ الكذبُ على بني إسرائيل والتَّحامُل عليهم بوضع نُصوصٍ مكذوبةٍ عليهم، ولكن يكون الرَّدُّ على ما ورد في كتُبهم دون زيادة؛ قال الإمام الخطَّابيُّ رحمه الله: "ليس معناه إباحة الكذِب في أخبار بني إسرائيل، ورفع الحرج عمَّن نقل عنهم الكذِبَ، ولكنَّ معناه الرُّخصة في الحديث عنهم على معنى البلاغ، وإن لم يتحقَّق صحَّة ذلك بنقل الإسناد، وذلك لأنَّه أمرٌ قد تعذَّر في أخبارهم لبُعد المسافة وطُولِ المدَّة، ووقوع الفَترَة بين زماني النُّبوَّة" [6]

الثَّالث: ما سكت عنه دينُنا من الأمور الَّتي لا يتوقَّف عليه عملٌ أو تشريعٌ:

ومثال ذلك القَصص، والمواعِظ، وأخبار الأمم وما حصَل للسَّابقين ممَّا لم يُذكر في نصوص الشَّريعة الغرَّاء، فيقِفُ منه المسلمُ موقفًا وسطًا بين التَّصديق والتَّكذيب، وهذا هو المعنيُّ بجواز التَّحديث فيه عن بني إسرائيل دون التَّصديق لاحتماليَّة كذِبه، ودون التَّكذيب لاحتماليَّة صِدقه؛ وفي الحديث أنَّ النَّبيَّ: «ما حدَّثكم أهلُ الكتاب ‌فلا ‌تُصدِّقوهم ولا تُكذِّبوهم، وقولوا: آمنا بالله ورسله، فإن كان باطلًا لم تُصدِّقوه، وإن كان حقًّا لم تُكذِّبوه» [7]

النَّهي الشَّديد عن النَّظر في كتب الملاحدة والمشركين

وإذا كان هذا كلُّه فيما يتعلَّق بالنَّظر في كتب أهل الكتاب فإنَّ النَّظر في كتب غيرهم من أصحاب الأديان الأرضيَّة الوضعيَّة البشريَّة الأثيمةِ الَّتي تتعارض مع الأديان السَّماويَّة من باب أَولى؛ لانتشار الكذِب والكفر في جَنبَاتها، والفتنة حاصِلةٌ بمجرَّد الاطِّلاع والنَّظر، فالبُعد عنها أسلمُ للدِّين، وأحفظُ للعقيدة، وأسعدُ للنَّفس من التَّشتُّت الَّذي قد يؤدِّي بالمرء في نهاية الأمر إلى الكُفر والانسلاخِ من الإسلام إلى دينٍ أو مذهبٍ مُنحرِفٍ عن هَدي السَّماء.

القراءة في كتب المذاهب والأديان

وممَّا يُعطَف على ذلك القِراءةُ ومُطالَعةُ كتُب المذاهب الإسلاميَّة المتعدِّدة، وما نتجَ عن المبتدِعة والمنحرِفين، [8] وما كان في باب الجِدال والمناظرة وتقرير الشُّبهات؛ فكلُّ إنسان يدينُ لله تعالى بعقيدةٍ عقَد عليها قلبَه، واقتنع بها عقلُه، ومُطالَعة الكتب الَّتي تُقرِّر للعقائد الأخرى وتُنظِّر لها من الخطورة بمكانٍ؛ لأنَّها تُحدِث في نفس المرء كثيرًا من الأسئلة المصحوبة بالشَّكِّ والرِّيبة والتَّردُّد في كثير من مسائل دينه وثوابت عقيدته، وقد يؤول به الأمر في النِّهاية إلى كثرة التَّنقُّل بين المذاهب والفرق الإسلاميَّة؛ لأنَّ كلَّ مدرسة تُحسِن سَبكَ ما لديها مِن مسائلَ تجِذِب القارئَ إليها، من أجل هذا كان البُعدُ عن مُطالعة كُتُب الآخَرين أيًّا كان وصفُهم ومُسمَّاهم من إجراءات السَّلامة الفكريَّة والعقائديَّة؛ حفاظًا على المرء من التَّشتُّت والانجراف في صحراءِ التِّيه الموصِّلة إلى الضَّلالة أو الكفر؛ فإنَّ مُطالعةَ الاختلافاتِ الحاصلةِ بين الفِرَق والمذهب الإسلاميَّة لغير مُتسلِّحٍ بالعلم والمعرفة يجعل المرء في شكٍّ عظيمٍ يتزايدُ ولا ينتهي إلَّا بالخروج من رِبقَة الدِّين إلى فضاء الانحرافات المؤدِّية به إلى الكفر والضَّياع، فكان البُعدُ عن مُطالعة كتُب الاختلافِ أولى وأحقَّ؛ حِفاظًا على الفِكر والقلبِ مِن التَّردُّد  والرِّيبة.

المقصود بالنَّهي عن النَّظر في كتب في المذاهب والأديان

إنَّ المقصودَ بالنَّهي عن مُطالعة كتُب أهل الكتاب والكفرة من كلِّ دين والفرق والمذاهب المتناقضة= عوامُّ النَّاس ممَّن لا يملِكون من أدواتِ العلمِ، وأسلحةِ المعرفةِ، وثوابتِ اليقينِ ما يحُول بينهم وبين التَّأثُّر بما يُطالعونه من موادٍّ فكريَّة، فإنَّ الشُّبهة خاطِفةٌ للعقل والقلب، ولا سلَامة منها إلَّا بالاعتصام بالعلم والتَّسلُّح بالإيمان، وهذا لا يتحقُّق للعامَّة من النَّاس، من هُنا كانت السَّلامةُ حاصلةً في إغلاق أبواب الفُضول والتَّوسُّع في الاطِّلاع المعرفيِّ في حقِّهم؛ فلا يصحُّ لمن يجهل أصول العقيدة المعرفيَّة النَّظريَّة أن يقرأ في الكتُب الَّتي تُروِّج للكفر والوثنيَّة أو البدعة والزَّندقة لأنَّه كحاطِب ليلٍ يجمعُ الحطَب وفيه أفعى تقتُله ولا تنفعُه، فلا يملِك من أدوات كشفِ الحقائقِ ما يجعلُه قادِرًا على مُواجهةِ شُبهات الآخرين الَّتي يُلصِقونها بالإسلام؛ فتثبت تلك المعاني في عقله وتُحفَرُ في قلبه لعدم وجود ما يكفي من العلم والإيمان لردِّها ودحضها، فينتُج عن هذا التَّأثُّر بها والدَّعوةُ إليها، وهذا عين ما يحصُل في دنيا النَّاس عبر عُيون وسائل التَّواصل المختلفة، حيث يخرج علينا بين الفينة وأختها من عوامِّ المسلمين في الدِّين - وإن كان من عِليَة القومِ في علومٍ أخرى - يُشكِّك في ثوابت الدِّين وقطعيَّات الشَّريعة من خلال مُطالعته الفرديَّة - دون مُعلِّم عليمٍ يُبصِّره بما خفِيَ عليه من المعنى، ويُوقِّفه على صحيح المبنى - لكتب الشَّريعة وغيرِها من كتُب الآخرين، فحصَل له مِن اللَّبس والخلل في الفهم ما كان سببًا في انحراف فكره، وتحوُّله إلى خِنجرٍ مسمومٍ يُطعَن به الدَّينُ عن طريق التَّرويج لفكره ودعوة النَّاس إليه ممَّا يُربك المجتمع الَّذي يتحوَّل إلى مَفتُونٍ به مخدوعٍ بطرحه العقيم السَّقيم لجهله بالحقِّ، أو مُجادلٍ مُناظرٍ يعمل على تفنيد شُبهاته الَّتي يَبثُّ سُمَّها في المجتمع كالأفعى، فيَضِيع المفتونُ الجاهلُ، وتَهلَك أوقاتُ المجادِل العالِم، والأمَّة أَولى بهذه الأوقات لتترقَّى في مدارج التَّقدُّم والازدهار، لكنَّ دخولَ غيرِ المختصِّ في هذه المجلات العلميَّة والمعرفيَّة يُكلِّف الأمَّة من الجهود والطَّاقات ما لا يُقدِّره هؤلاء؛ "ولا يجوزُ نظرٌ في كتب أهل الكتاب نصًّا؛ لأنَّه  غضِب حين رأى مع عمرَ صحيفةً من التَّوراة وقال: «أفي شكٍّ أنت يا ابن الخطَّاب؟» ولا النَّظرُ في كتب أهل بدع، ولا النَّظرُ في كُتبٍ مُشتمِلَة على حقٍّ وباطل، ولا روايتها؛ لما في ذلك من ضرر إفساد العقائد، ويتَّجه جواز نظر في كتب أهل البدع لمن كان مُتضلِّعًا من الكتاب والسُّنة مع شدَّة تثبُّتٍ، وصَلابةِ دينٍ، وجودةِ فطنةٍ، وقوَّةِ ذكاءٍ واقتدار على استخراج الأدلَّة للرَّدِّ عليهم، وكشف أسرارهم، وهتك أستارهم؛ لئلَّا يغترَّ أهل الجهالة بتمويهاتهم الفاسدةِ؛ فتختلَّ عقائدُهم الجامدةُ، وقد فعله أئمَّةٌ من خِيار المسلمين، وألزموا أهلَها بما لم يُفصِحوا عنه جوابًا، وكذلك نظروا في التَّوراة، واستخرجوا منها ذكر نبينا من محلات" [9]

العلماء والباحثون في المذاهب والأديان

وأمَّا العلماءُ المعنيُّون بدراسة كتب المخالفين للعقيدة الإسلاميَّة الصَّحيحة فاطِّلاعهم على تلك الكتابات ونظرُهم فيها من الواجب عليهم؛ حفاظًا على الإسلام من سِهام المغرِضين الأفَّاكين الَّذين يتأوَّلون النُّصوص الإسلاميَّة ويُطوِّعونها لتُوافِق هواهم المنحرِف، مع تقرير عقائدهم بطريقة المخادعة والمراوغة ليدُسُّوا السُّمَّ في العسل بُغيَة إضلال المسلمين، وحملهم على الكفر بالإسلام بكلِّ وسيلةٍ ممكنةٍ، من هنا وجب على العلماء والباحثين في العلوم الشَّرعيَّة المتعلِّقة بمجال المذاهب والأديان والفِرق المعاصرة أن يتعمَّقوا في دراسة كتب الآخَرين بهدف نقدِها، وبيان زيفها، والردِّ على الشُّبهات المثارةِ على السَّاحات الدَّعويَّة والإعلاميَّة والمجتمعيَّة لدحضها وإظهار كذبها؛ لئلَّا يُخدع بها نفرٌ من قومنا، و: {وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ‌ٱلۡعُلۡيَا} [التوبة: 40] و: {حَتَّىٰ ‌لَا ‌تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِ} [البقرة: 193] وتقصير العلماء في هذا الجانب ممَّا يفتح باب شرٍّ على الأمَّة الإسلاميَّة حيث يتمكَّن المرجِفون من أهل الضَّلالة وأصحاب الغواية من إيقاع المجتمعِ كلِّه في شَرَك الشُّبهات الَّتي يبذلون في سبيل ترويجها ونشرها الغالي والنفيس؛ بهدف إضلال المسلمين؛ قال تعالى: {وَدَّ كَثِيرٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِكُمۡ كُفَّارًا حَسَدٗا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡحَقُّۖ} [البقرة: 109] وقال تعالى: {وَقَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامِنُواْ بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ‌وَجۡهَ ‌ٱلنَّهَارِ وَٱكۡفُرُوٓاْ ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ} [آل عمران: 72] فهم يستعملون كلَّ طريق للوصول إلى هدفٍ واحدٍ وهو زحزحةُ المسلم عن الإسلام من خلال تشكيكه في دينه بالشُّبهات تارةً، وبالشَّهوات تارةً أخرى؛ فهم رعاةُ الفتنة في العالم كلِّه، يُخطِّطون، ويبتكرون، ويُنفقون، ويُنفِّذون، ويُجنِّدون بالمال كلِّ من يخدِم هدفهم الخبيثَ، ويُلبِّي رغباتِهم وأطماعهم في تفتيت شمل المسلمين، وتمزيق وحدتهم، وبثِّ السُّموم في عقولهم لإحداث حالة من عدم التَّوازن المعرفيِّ والإيمانيِّ ينتُج عنها تشكيكٌ في العقيدة، وتلبيسٌ في العبادة؛ من هُنا وجب على العلماء التَّصدُّر لهذه الهجمات المسعورة الَّتي يُروَّج لها من خلال المطالعة لما تخطُّه شمائلُهم الخبيثةُ من شُبهات، والاستماعِ لما يُقرِّرونه في منصَّاتهم من انحرافات؛ بهدف إبطال مفعولها، وردِّ السِّهام الآثمةِ الَّتي خرجت من الطَّاعنين إلى صدورهم مرَّة أخرى، فالقراءة والمطالعة والنَّظر في حقِّ العلماء من جملة الأمانة الَّتي تحتِّمها عليهم مكانتهم في الأمَّة الميمونة العريقة؛ وإنَّما جاز لهم ولم يجز لغيرهم؛ لاكتمال أدوات البحث والتَّنقيب والمعرفة لديهم بما يتحقَّق معه المقصود من الرَّدِّ والمواجهة دون الافتتان بما يُطالعونه فيها من موادِّ الكذب؛ يقول ابن حجر العسقلانيُّ رحمه الله مقرِّرًا هذا البيان: "والَّذي يظهر أنَّ كراهية ذلك للتَّنزيه لا للتَّحريم، والأولى في هذه المسألة التَّفرقة بين من لم يتمكَّن ‌ويَصِر ‌من الرَّاسخين في الإيمان فلا يجوز له النَّظر في شيء من ذلك، بخلاف الرَّاسخ فيجوزُ له ولاسيَّما عند الاحتياج إلى الرَّدِّ على المخالف، ويدلُّ على ذلك نقلُ الأئمَّة قديمًا وحديثًا من التَّوراة، وإلزامهم اليهود بالتَّصديق بمحمَّد بما يستخرجونه من كتابهم، ولولا اعتقادُهم جواز النَّظر فيه لما فعلوه وتَواردُوا عليه" [10]

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله