المعصية وأثرها على الفرد والمجتمع
إنَّ المتابع لسنَّة الله تعالى في إهلاك العصاة في كلِّ زمان ومكان يرى بجلاء أنَّ العقوبة التي فرضها عليهم لا يُطيقها النَّاس، فلا هي خفيفة يتحمَّلونها، ولا يسيرة يردونها، بل تأتي بغتة وبدون توقُّع في توقيتها ونوعها؛ وتعالوا بنا نستعرض طرفًا من ذلك:
أوَّلًا: قوم هود وعقوبتهم
لقد بيَّن الله تعالى في كتابه أنَّ عادًا قوم هود عليه السَّلام مخلوقات عظيمة حيث مُنحوا قوَّة كبيرة مكَّنتهم من الأرض حيث زادهم الله بسطة في الجسم فكان طول أقصرهم ستِّين ذراعًا؛ فبنوا حضارة عظيمة، من قصور مُشيَّدة منيعة؛ كأنَّهم يخلدون فيها ولا يموتون، حتى ذكرهم القرآن بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: 6: 8] ومن جبروتهم كانوا يبطشون بغيرهم ظلمًا وعدونًا، وازداد كفرهم فعبدوا الأوثان والأصنام من دون الله، ولمَّا قهروا أهل الأرض تمادوا فقالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: 15] متناسين قدرة من خلقهم عليهم، وكانوا يسكنون الأحقاف باليمن بين حضرموت وعمان، وكان رد الله تعالى على هذه المقولة الخبيثة التي امتلأت كبرا وعتوا: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: 15]
كيف عاقبهم الله تعالى؟!
ولمَّا أراد الله عذابهم منع عنهم المطر؛ فأجدبت الأرض ومات الزرع - وهم قوم أهل زرع وحرث وماشية؛ كما قال تعالى: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الشعراء: 133، 134] - فأصبحوا يترقَّبون المطر، وفي يوم سيقت إليهم سحابة كبيرة؛ فلما رأوها ﴿قَالُواْ هَٰذَا عَارِضٞ مُّمۡطِرُنَاۚ﴾ [الأحقاف: 24] ولم تكن على نحو ما ظنوا؛ حيث كانت محملة برياح شديدة فيها عذابهم، فأرسل الله عليهم ريحًا صرصرًا أي شديدة البرودة عالية الصوت سلطت عليهم سبع ليال وثمانية أيَّام متتابعات في أيام مشؤومات عليهم؛ فتختلع الناس من أماكنهم فترمي بهم على رؤوسهم فتدق أعناقهم وتفصل الرَّأس عن الجسد، ثم يدخل الهواء إلى جوفه، فتتركهم كالنخل المقتلع من أصله؛ وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (23) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25) وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأحقاف: 21: 26]
سنَّة الله الجارية في إهلاك المتكبِّرين
وهذا من علامات قدرة الله عليهم أن جعل عقابهم من جنس عملهم؛ فلمَّا رأوا أنَّهم أعظم قوَّة على وجه الأرض فأهلكهم الله بأبسط مخلوقاته (الرِّياح) ومن عظيم وصفه لتلك الرِّياح أن قال سبحانه: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: 25] وقال جلَّ وعزَّ: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الصف: 42] ومثل هذا هو ما حصل في الصِّين؛ فقد خرج كبيرهم وقال: (ليس هناك قوَّة مهما بلغت تقدر على إيقاف نمو الصِّين الاقتصاديِّ) فعاقبهم الله والعالم أجمع بعقوبة من جنس ما برعوا فيه، وهو جرثومة لا تُرى بالعين المجرَّدة؛ في زمن التَّقدُّم التُّكنولوجيِّ والبيولوجيِّ، ولمَّا تكبَّر فرعون وقال: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: 24] وقال: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: 51، 52] فعاقبه الله بنقيض ما زعم وافترى؛ فجعله سافلًا تحت الماء الذي زعم أنَّه يجري من تحته بقدرته، فأجراه الله من فوقه بقهره وأمره.
العبرة والعظة من تلك القصَّة
فانهارت حضارتهم، وضاعت ممالكهم، ولم يبق منهم أحد إلَّا عمَّه الهلاك، وناله العذاب؛ قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 139] وقال تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: 8] ورحلوا لكن بقيت العبرة من قصَّتهم تذكرها الأيَّام واللَّيالي: (لا تغترُّوا بنعم الله تعالى، واعرفوا قدركم، ولا تتكبَّروا لئلَّا يصيبكم مثل ما أصابهم) ﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: 89]
ثانيًا: قوم صالح وعقوبتهم
ثمود هم قوم نبيِّ الله صالح عليه السَّلام، وهم عرب ويسمون بأصحاب الحجر؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الحجر: 80] كانوا يسكنون في منطقة الحجر تقع شمال غرب المدينة المنوَّرة بأرض الحجاز وتعرف مساكنهم اليوم بمدائن صالح، وقد برعوا في النَّحت والمعمار؛ فكانوا ينحتون من الجبال بيوتًا؛ قال تعالى: ﴿وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخۡرَ بِٱلۡوَادِ﴾ [الفجر: 9] وكانوا بعد قوم عاد فلم يعتبروا بفعال الله بهم، بل ساروا على نهجهم واقتفوا أثرهم، فأفسدوا في الأرض وعصوا الرُّسل وتكبَّروا على الخلق، وأرسل الله إليهم نبيًّا منهم وهو صالح عليه السَّلام، فدعاهم إلى التَّوحيد والإيمان، فعاندوه وكذبوه؛ قال تعالى: ﴿أَءُلۡقِيَ ٱلذِّكۡرُ عَلَيۡهِ مِنۢ بَيۡنِنَا بَلۡ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٞ﴾ [القمر: 25] وطالبوه بالآيات البيِّنات الدَّالَّة على صدقه؛ فطلبوا أن يُخرِج لهم ناقة من الصَّخر؛ فاستجاب الله لطلبهم؛ فانشقَّ الجبل وخرج من بين أحشائه ناقة ضخمة تعدل عشر نُوق في الحجم، وأمرهم الله تعالى أن يتركوا لها الماء يومًا كاملًا لتشرب فيه، وهم في اليوم التَّالي، وفي يومها تدرُّ حليبًا يكفيهم جميعًا للشَّراب؛ قال تعالى: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: 155] وحذَّرهم نبيُّهم عليه السَّلام من التَّعدِّي عليها أو إيذائها فهي ناقة الله؛ قال تعالى: ﴿وَ يَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ [هود: 64] ولمَّا رأوا أنَّ الأمور تسير على غير مرادهم خطَّطوا لقتل النَّاقة على الرَّغم من تحذير نبيِّهم عليه السَّلام لهم، فاتَّفقوا على عقرها، وبالفعل عقروها؛ قال تعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ [القمر: 29] فتوعَّدهم صالح عليه السَّلام بأنَّ العذاب نازل عليهم في خلال ثلاثة أيَّام؛ قال تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: 65] ففكَّروا في التَّخلُّص من نبيِّ الله صالح عليه السَّلام ومن معه؛ فأوحى الله إلى نبيِّه عليه السَّلام ومن معه بالخروج لينجِّيهم من العذاب؛ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [هود: 66]
كيف عذب الله قوم صالح عليه السَّلام؟!
لما خالفوا أمر رسولهم عليه السَّلام وذبحوا النَّاقة، أنزل الله عليهم عذابه؛ حيث وُعِدوا بالعذاب بعد ثلاثة أيَّام فأصبحوا في اليوم الأوَّل وقد اصفرَّت وجوههم، وفي الثَّاني احمرَّت، وفي الثَّالث اسودَّت، ثمَّ أرسل عليهم في اليوم الرَّابع صيحة مدمِّرة؛ حيث صاح فيهم جبريل عليه السَّلام صيحة واحدة فبادوا جميعًا وأصبحوا كالزَّرع اليابس الذي يطعمه الإبل والمواشي؛ قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر: 31] وارتجفت الأرض من تحت أقدامهم؛ قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾ [الشمس: 14] فلمَّا وقع بهم العذاب لم يتمكَّنوا من الهروب ولا الدِّفاع عن أنفسهم؛ قال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ [الذاريات: 45].
العبرة والعظة من تلك القصَّة
وقد ضرب الله لنا مثلًا بعاد وثمود لنتبيَّن فعله بهم؛ فقال تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [الذاريات: 38] فليتَّعظ النَّاس بمثل هذا قبل أن يتَّعظوا بوقوع ذلك بهم؛ فلا كرامة للمعاقبين؛ لأنَّه ما استحقَّ العقوبة إلَّا من وجبت عليه؛ فربُّك رحيم ودود يُمهِل ويُؤجِّل العقوبات عن مستحقِّيها إلى أن يتمادَوا في غيِّهم - غير مبالين بصنيعهم على الرَّغم من كثرة الرَّسائل - أتاهم العذاب؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: 24]
ولو شاء الله أن يُلحق أمَّة محمَّد ﷺ ببقيَّة الأمم لفعل؛ لكنَّه تفضَّل على هذه الأمَّة المرحومة ألَّا يهلكها بسَنةٍ عامَّةٍ، فلا يعمُّها الهلاك، بل يقع الهلاك الفرديُّ لبعض أفراد الأمَّة نظير ما قدَّموا من ذنوب ومعاصي.
إنَّ السِّمات العامَّة للمعاقبة الإلهيَّة تتمثَّل في الآتي:
1 - تأخيرها إلى أجل رجاء العودة؛ فتوبة العباد أحبُّ إلى الله من معاقبتهم؛ ولنضرب لذلك بمثال؛ لو أنَّ عند ولد عاقٍّ فإنَّك تتمنَّى هدايته واستقامته، ولا تعاقبه إلَّا حين يفيض بك الكيل، ويبلغ الهمُّ منك مبلغًا عظيمًا، ولله المثل الأعلى، وهو القائل: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 27]" وقال: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: 147] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر: 45]
2 - حصولها بغتة بدون سابق إنذار غالبًا؛ لأنَّ المعاقبة بالمباغتة لا تمكِّنهم من الرُّجوع والعودة؛ لتجاوزهم ميقات الاستقامة الزَّمنيِّ، فلا يقبل منهم إيمان، ولا تسمع لهم دعاء؛ قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ [الأنعام: 158] وقال سبحانه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: 44] وقال جلَّ وعلا: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأعراف: 95] وقال سبحانه: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: 55]
3 - شدَّة المعاقبة وقوَّة الانتقام؛ فإنَّ الله يعذِّب حين يغضب؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران: 4] وقال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: 102] وقال تعالى: ﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: 16] وقال النَّبيُّ ﷺ: "إنَّ الله ليُملي للظَّالم حتى إذا أخذه لم يُفلته" وإنَّما يُغلِّظ الله العقوبة على المعاقبين رجاء أن يتَّعظ بهم مَن سواهم؛ قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [يونس: 92] وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: 103] وقال سبحانه: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفرقان: 37] وقال جلَّ وعزَّ: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: 35] وقال: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [الذاريات: 36] وقال جلَّ وعلا: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: 15]
4 - إنجاء طائفة من النَّاس كانت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؛ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: 165]
5 - تنوُّع وسائل العقوبة مع اتِّفاق سببها؛ قال تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: 40]
6 - دلالة العقوبة على قدرة الله تعالى على خلقه؛ قال تعالى: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 17] وقال جلَّ وعزَّ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: 65]
7 - لا يقع العذاب على قوم لم تبلغهم النُّذر ولم يأتهم الرُّسل؛ إمعانًا في إقامة الحجَّة على العباد، ولكون هدايتهم هي المقصد، فإذا عصوا رسلهم استحقُّوا العقوبة بجدارة؛ قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15) وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: 15، 16]
أسباب وقوع العذاب:
1 - كثرة الخبث؛ ففي الحديث قال النَّبيُّ ﷺ: "ويل للعرب من شرٍّ قد اقترب؛ فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه" فقالت زينب بنت جحش رضي الله عنها: "أنهلك وفينا الصالحون؟" قال ﷺ: "نعم، إذا كثر الخبث".
2 - معصية الله ومخالفة أمره، ومحاربة رسله؛ قال تعالى: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف: 77، 78] وقال: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: 166] وقال سبحانه: ﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الذاريات: 44] وقال: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ [الحاقة: 10]
أساليب الوقاية من عذاب الله:
1 - الاستغفار وطلب العفو والصَّفح والتَّجاوز؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: 33]
2 - التوبة والرجوع إليه سبحانه؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ [الأنعام: 42]
3 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: 165]