الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

موضوع وثمرة وفضل علم المتشابهات

موضوع العلم يعنى به: المسائل التي يحويها هذا العلم ويتحدَّث فيها ويبحثها، وبمجرَّد النَّظر في مسائل هذا العلم الشَّريف يظهر لكلِّ ذي عينين بصيرتين أنَّ موضوع علم المتشابهات هو الآيات القرآنيَّة من ناحية ما تشابهت ألفاظـه وتعدَّدت مـواضعـه، فهو يُعنـى بالبحث في آيات وكلمات القرآن العظيم؛ ليجمع ما تشابه من المواضع وتكرَّر في مكان واحد على سبيل الجمع والحصر والاستقصاء؛ قال محقِّق درَّة التَّنزيل: "وموضوع هذا العلم هو الآيات القرآنيَّة باعتبار ما فيها من تشابه لفظيٍّ. ونتعرف به على تلك الظَّاهرة العجيبة التي امتاز بها القرآن الكريم في تكرير بعض آياته في عِدَّة مواضع بالكلمات المتَّفقة، أو وتقديمًا وتأخيرًا، وذكرًا وحذفًا... إلى غير ذلك من الأنواع... ممَّا قد يظنُّه بعض قصار النَّظر تكرارًا خاليًا عن فوائد وأسرار، فالمتشابه اللَّفظيُّ في الآيات القرآنيَّة على هذا النَّحو لون من ألوان الإعجاز في القرآن" [1]

علم المتشابهات من أفضل العلوم:

ثمَّ اعلم - أدام الله بهجتك، وحرس مهجتك - أنَّ علم المتشابهات من أفضل العلوم الشَّرعيَّة؛ لتعلُّقه بكلام ربِّ البريـَّة، وكلُّ ما تعلَّق بالملكِ الرَّحمن يكون له من الشَّرف أعلى مكان، فهو علم يُساعد في بناء شخصيَّة طالب القرآن العلميَّة، فهو طريق مـن طـرق التَّثبيت، وسبيل مـن سبل التَّأكيد، وبه يُقاس حفـظ الحفَّاظ، ويُقدَّم من أتقنه على من أهمله، ويكمن فضله في تعلُّق طالبه بالقرآن الكريم دائمًا وتفكُّره فيه، وهذا أمر قد يصل بالقارئ إلى الثَّمرة المرجوَّة من القرآن العظيم ألا وهي تدبُّر المعاني بعد إتقان المباني، وهذا غاية ما يتمنَّاه المؤمن؛ لأنَّه يسـوقه إلى العمل الصَّالح بعد العلم النَّافع، فهـو بهـذا من العلوم النَّافعة التي يستفيـد منها الباحث، فلا يضيع وقت بُذل في تعلُّمه والبحث عن مكنوناته، كما أنَّ المنشغل به منشغل بالحقِّ، وهذا فضل عظيم، وخير عميم؛ فالنَّفس إن لم تشغلها بالحقِّ شغلتك بغيره:

ومن الفوائد التي تعود على الدَّارس لعلم المتشابهات:

1 - يقع على فوائد في إحدى المتشابهتين ليست في الأخرى من تقديم أو تأخير أو زيادة؛ فالحكيم لا يخلو قوله وفعله من حكمة، لكنَّها لا تظهر إلَّا للباحث المدقِّق، والحاذق المحقِّق.

2 - يتعلَّم طرقًا جديدة في إفحام الخصم وقت المناظرة؛ فالله تعالى قد تصرَّف في الكلام، وأتى به على ضروب؛ ليعلم العرب عجزهم عن الإتيان بمثله في كافَّة صوره ومواقعه؛ سواء في الابتداء، أو في التَّكرير، وهو مع هذا التَّصرُّف في اللَّفظ بريء من الإسراف والتَّقتير، فتجد القرآن الكريم قد احتفظ بالمعنى في صورة كاملة لا ينقص منها شيء ويعتبر عنصرًا أصليًا فيه، ولم يزد شيئًا يعتبر دخيلًا فيه وغريبًا عنه؛ قال الله تعالى: {الٓرۚ كِتَٰبٌ ‌أُحۡكِمَتۡ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتۡ مِن لَّدُنۡ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود: 1]

3 - يملأ النَّفس إيمانًا بعظمة الله تعالى وقدرته على عباده؛ وذلك حين يقف الإنسان في تفسير هذا النَّوع من الآيات على دقائق الأسلوب البيانيِّ للقرآن الكريم، ويعلم أنَّه أكبر دليل محسوس على أنَّ القرآن وحيٌ من عند الله تعالى، لا عمل للبشر فيه؛ قال الله تعالى: {وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ ‌لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا} [النساء: 82]

4 - يُحصِّل الفائدة العظمى التي كانت سببًا في التَّأليف في هذا العلم؛ وهي الحفاظ على القرآن الكريم من أن يقع اللَّحن والخطأ في كلماته بالتَّداخل والخلط والانتقال من موضع إلى آخر؛ فالمتشابهات بوابة المتاهات، فكان في تعلُّمه التَّيسير على حفظة كتاب الله عزَّ وجلَّ، وهو من علوم القرآن التي تخدمه وتحافظ عليه وتبرز كثيرًا من وجوه إعجازه وأسراره .

5 - يؤمن عن قناعة ومشاهدة بأنَّه ما من كلمة في القرآن الكريم إلَّا واختيرت اختيارًا فيه وجه من وجوه الإعجاز، وأنَّها هي الأولى بالاستعمال من غيرها ممَّا هو في معناها، وبذلك يتعرَّف على أسلوب القرآن الكريم بطابعه الخاصِّ الذي يسلكه في اختيار ألفاظه وتراكيبه، ولذا فإنَّ هذا العلم هو أساس للدِّراسات اللَّفظيَّة في القرآن الكريم.

6 - يتيقَّن أنَّ الآيات المتشابهة في القرآن الكريم مترابطة الأجزاء والجمل مع تنويع الأسلوب في الاستعمالات القرآنيَّة من تكرار، وإيجاز وإطناب، وتقديم وتأخير، وحذف وزيادة، وتعريف وتنكير، وفي قضيَّة واحدة وموضوع واحد فالآيات لا تتصادم، والمعاني لا تختلف.

7 - يردُّ على بعض المشكِّكين والملحدين الذين يطعنون في القرآن الكريم من خلال ما تشابه أو تماثل أو تكرَّر من ألفاظ القرآن العظيم وآياته، مدَّعين أن ما به من المتشابه اللَّفظيِّ غير مفهوم، أو تكرار لا هدف له، وهذه فرية بلا مرية، وشبهه يُغني فسادها عن إفسادها، وبطلانها عن إبطالها، ولقد كان هذا السَّبب من جملة الأسباب التي حدت بالعلماء السَّابقين إلى التَّأليف في هذا الفنِّ الشَّريف من فنون العلم المتعلِّقة بالقرآن الكريم.


(1) درَّة التَّنزيل وغرَّة التَّأويل، للخطيب الإسكافيِّ، تح: محمد مصطفى آيدين، (1/56).

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله