طرق نقل العلم الشَّريف
العلم المنقول عبر العصور يخضع لطريقة من طريقتين:
الأولى: الرواية: وهي تلك الطريقة التي يعتمد فيها الرواة على الحفظ، والتحديث الشفهي بمسائل العلم، وتبقى متواترة بالسماع، والإسماع من أول السند إلى منتهاه، وهذه الخصيصة مما تميز بها المتقدمون من الأجيال الأولى؛ لقوة قريحتهم، وتوقد ذاكرتهم، وانعدام أسباب الفتنة، والمعصية، مع قلة وسائل الكتابة، والمشقة المترتبة عليها، فكانوا يعتمدون على الذاكرة في حفظ المرويات، ومن ثم روايتها، ولأن الذاكرة قد تخون أصحابها، فقد كانت الرواية للمرويات تنتظم في سلك من سلكين:
الأول: الرواية باللفظ: وهي التي يتحرى فيها الراوي الموافقة التامة للنص المروي؛ لكون النص مرادا بلفظه، ومعناه؛ كروايات القرآن الكريم؛ فالنص المقدس متعبد بلفظه، ومعناه، ولا يجوز أن يروى بالمعنى، بل يجب نقله بلفظه المتواتر، دون زيادة، أو نقصان، لأنه من التحريف المنهي عنه.
الثاني: الرواية بالمعنى: وهي التي يعمد فيها الراوي إلى تأدية معاني النص بألفاظ من عنده موافقة للمعنى، دون التقييد بالألفاظ المروية؛ لصعوبة حفظها، فالضبط الدقيق مطلب عزيز لا يتقنه إلا القلة، مع العجز عن إدراك النص بألفاظه؛ كأن ينساه، أو يتردد فيه، وشرطها أن يكون الراوي عالما بالألفاظ، ومدلولاتها، ومقاصدها، خبيرا بما تحيل إليه من المعاني، بصيرا بمقادير التفاوت بينها، مبينا أنه يروي بالمعنى، مع كون الرواية باللفظ أولى من الرواية بالمعنى لاسيما فيما كانت روايته باللفظ أبلغ، وآكد في الاستدلال.
الثانية: الكتابة: وهي تلك الطريقة التي يعمد فيها أصحابها إلى نقل المعلومات، والمسائل العلمية عن طريق خطها، وتسطيرها في المؤلفات، والأبحاث التي تعتمد وحدة موضوعية، وتشتمل على بيان نصوص، ونقولات، وأفكار، وآراء، وهذه الطريقة لها صورتان:
الأولى: المخطوط: وهي تلك الكتابات التي خطها مؤلفوها، أو خطت بين أيديهم، أو على نسخة مما أقروها، لكنها ما زالت حبيسة الأيام، والمكتبات، ولم تخرج إلى نور المعرفة، ولم تقع في يد العلماء؛ لكونها مخطوطة لا يتمكن القراء من فك رموزها، ولا قراءة سطورها؛ لاختلاف خطها عن خط زمانهم، فهي بحاجة ماسة إلى تحقيق ييسر قراءتها، واطلاع المثقفين عليها، وهذا التحقيق يهدف إلى الوصول بالمخطوطة التي مر عليها الزمان إلى أقرب صورة ارتضاها المؤلف لها، مع كتابتها بالخطوط الحديثة، وخضوعها لقواعد الإملاء، وعلامات الترقيم.
الثانية: المطبوع: وهي كل مخطوطة حققت على قانون التحقيق، ثم خضعت لوسيلة من وسائل الطباعة الحديثة، ثم خرجت لجماهير القراء في ثوب كتاب قشيب يسهل قراءته، ومطالعته، والتحقق مما فيه من مسائل، وكذلك كل إبرازة نهائية للمخطوط، وكل مبيَّضة للمخطوطات، وكل مؤلَّف خرج بعد كتابته، وإقرار مؤلِّفه له.
وما أكثر تلك المؤلفات التي تم طبعها في العصر الحديث بعد توفر وسائل الطباعة الحديث من الأوراق، والأحبار، والمكينات المتطورة في مجال النسخ، والطباعة، بخلاف النسخ قديما فقد كان الوراقون يجهدون في نسخ الكتاب بسبب قلة وسائل النسخ، مع صعوبتها، وعد توفر الآلات، بل كان يدويا؛ يعتمد على النساخ أنفسهم، وهو نقل ما في الكتاب إلى الأوراق.
سبب عدم تحقيق كثير من المخطوطات
ولما كان النسخ من الأعمال الشاقة التي يبذل فيها النساخ مجهودا كبيرا مع كونه من المهن التي امتُهنت لجلب عصب الحياة، وقوام المعيشة، كان بعض النساخ يتعجل في الكتابة بما لا يتمكن معه القارئ من الاستفادة من تلك المخطوطات، مما أدى إلى بقاء كثير من المخطوطات حبيسة أدراج المكتبات العامة، والخاصة حتى عفى عليها الزمان، وأكل، وشرب، ومنهم من كان لا يُكلِّف نفسه شراء الأوراق الجيدة، والأحبار القوية، مما أدى إلى عدم بقاء المخطوط كثيرا فسرعان ما تؤثر فيه عوامل الزمن، من تلف، وتآكل، واختفاء النص بسبب رداءة الأوراق، والأحبار التي كتب بها النص المخطوط، إلى آخر ذلك من الأمور التي أدت إلى ضياع المخطوطات عبر التاريخ.
ولما كانت الأمم تُقاس قوتها بقوة العلم فيها توجهت أنظار العلماء إلى ضرورة تضافر الجهود لإحياء تلك المخطوطات من قبورها بعد ما ساهم في وأدها كثير من أبناء الأمة، فقام كثير من أهل العلم بالبحث عن تلك المخطوطات في المكتبات واقتنوها، وعكفوا على تحقيقها، وإبرازها للناس؛ للاستفادة من خبرة السابقين، وعلمهم، ولنبدأ من حيث انتهوا، لا من حيث بدءوا.
من فوائد تحقيق المخطوطات
وقد أفاد تحقيق تلك المخطوطات الحياة العلمية، وأثرى الحياة الثقافية، وربط المحدثين بالقُدَّامى من العلماء، مما أدى إلى انضباط المسائل، وإمكانية الاستدلال على العلم بنص من النصوص العتيقة، لإمام من الأئمة المتقدمين، مما يُعطي المسائل مزيدا من الاطمئنان، والتثبت، واليقين في صدقها؛ فما زال المحْدَثون ينظرون إلى القُدَامى من العلماء نظرة الإكبار، والإجلال، والاعتراف بالسبق.
كثرة المخطوطات التي لم تخدم
وعلى الرغم من كل تلك الجهود العظيمة التي بذلها علماؤنا في إحياء التراث العلمي لا يشك أحد من المتخصصين في مجال التحقيق أن ما قام العلماء بتحقيقه لا يكفي، فالتراث ما زال حافلا بنصوص خطية لم تخرج بعد إلى حيِّز النور، بل ولك أن تعجب إذا علمت أن كثيرا من ملك الأمة العلمي قد فُقد في الحروب، والمعارك، ومنه ما قام أعدائنا بسرقته، وإخفائه، أو عرضه في المتاحف، والمكتبات عندهم بهدف المتاجرة، والمرابحة، والمسلمون في غفلة عن قيمة تلك المخطوطات.
من أعظم مشكلات المخطوطات
إن الباحث عن المخطوطات يرى أنها مبعثرة في الخزانات العامة للمكتبات، وفي بيوت الناس عن طريق الملكية الوراثية الخاصة؛ فمن الناس من يترك له وارثه مكتبة علمية ضخمة تجمع بين أخشابها دررا من اللؤلؤ، وكنوزا من الياقوت، ولا سبيل للعثور عليها إلا في تلك المكتبات، وحينها إما أن يكون وارثها عالما بقيمتها فيقدمها لإحدى المكتبات العامة ليستفيد منه الباحثون، أو يبيعه لأحد الباحثين فينقل ملكية المخطوط إلى فرد، والأولى أن يكون نقل ملكية المخطوطات من الأفراد إلى الجماعات عبر المكتبات، لا أن تكون من الأفراد إلى الأفراد.