الفرق بين مراقبة الإيمان ومراقبة القانون
إنَّ المرء لا يُراقِب إلَّا من دام له الوجود والاطِّلاع، فأمَّا من تغيَّب فله المراقبة في حضوره، والتَّفلُّت في غيابه؛ فالقانون لا يُراقَب إلَّا حين يرمُق النَّاسَ بعيونه، والنَّاس لا يُراقَبون إلَّا حين يُخالَطون، فإذا غاب المرء عن عُيون القانون وابتعد عن النَّاس فعل ما لم يمكَّن من فعله في حضورهم، من أجل هذا كانت المراقبة الكاملة لله تعالى لقدرته على عباده، وعِظم علمه، وسَعة اطِّلاعه على خلقه، فهو أولى بالمراقبة والخوف؛ قال الله تعالى: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأۡنٖ وَمَا تَتۡلُواْ مِنۡهُ مِن قُرۡءَانٖ وَلَا تَعۡمَلُونَ مِنۡ عَمَلٍ إلَّا كُنَّا عَلَيۡكُمۡ شُهُودًا إِذۡ تُفِيضُونَ فِيهِۚ وَمَا يَعۡزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثۡقَالِ ذَرَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصۡغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡبَرَ إلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٍ} [يونس: 61] وقال الله تعالى: {ٱلَّذِي يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ ٢١٨ وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّٰجِدِينَ ٢١٩ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ} [الشعراء: 218، 220] وقال الله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يَعۡلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا يَخۡرُجُ مِنۡهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعۡرُجُ فِيهَاۖ وَهُوَ مَعَكُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ} [الحديد: 4] فالله تعالى مُطَّلع على عباده، وهو الأحقُّ بالمراقبة، والأولى بالخوف، من هنا كانت المراقبة لله تعالى في السِّرِّ والعلن، والغيب والشَّهادة، والسَّرَّاء والضَّرَّاء، والأمن والخوف، والعُسر واليُسر، والفرج والضِّيق، والسَّعادة والحزن، والصِّحَّة والمرض، فلا ينفكُّ المرء في حال من أحواله عن مُراقبة الله تعالى.
الاستخفاف بنظر الله تعالى
ولا يحسن بالمرء أن يراقب عُيون النَّاس ما كان معهم فإذا غاب عن عُيونهم تجرَّأ على المعصية، فجلُّ مظاهر وصور الإفراط في الشَّهوات تحصل سرًّا بعيدًا عن عُيون النَّاس والقانون، وهذا دليل غِياب المراقبة في قلب المرء؛ وفي الحديث أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لأعلمنَّ أقوامًا من أمَّتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء، فيجعلها الله هباءً منثورًا» قال ثوبان رضي الله عنه: يا رسول الله، صفهم لنا، جلِّهم لنا، أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم. قال ﷺ: «أما إنَّهم إخوانكم، ومن جلدتكم، ويأخذون من اللَّيل كما تأخذون، ولكنَّهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها» [1] ففي الحديث الشَّريف حثٌّ ضمنيٌّ على وجوب مُراقبة الله تعالى، وعدم الجرأة على محارمه في الغيب والشَّهادة؛ لأنَّ الجرأة في الشَّهادة أمام النَّاس لا يقع إلَّا من سفيهٍ مجرمٍ مُستخفٍّ بالمجتمع كلِّه، فلا يُراقب ربًّا، ولا يخاف قانونًا، ولا يحترم تقاليدًا، بل تفلَّت من كلِّ معاني الأدب مع الله والنَّفس والنَّاس، وصاحب هذا السُّلوك يسقط من نظر كلِّ ذي نظر، ويُعدُّ من المنحرفين على طريق الاستقامة بالشَّرع والأعراف والقوانين، وأشنع منه من يظهر أمام النَّاس بوجه الصَّلاح والخشية والإيمان، فيتورَّع عن الحلال خشية أن يكون من الحرام، ويُظهر العبادة، ويلبس لباس الصَّالحين الأتقياء، لكنَّه إذ خلا بنفسه في ظلمات الحياة، وغاب عن شهود النَّاس، واستتر عن عيون القانون ارتكب المحرَّمات؛ فشرب الخمر، وأسرف في الزِّنا، وتعامل بالرَّشوة والرِّبا، وأكل أموال اليتامى، وشهد الزُّور، ونظر إلى الحرام، وتلكم بالسُّوء من الكلام، واختلس من المال العامِّ، وأكل لحوم النَّاس، وقتل الأبرياء، وعاون على البغي والظُّلم والعُدوان.
[1] حسن: أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب: (الزُّهد) باب: (ذكر الذُّنوب) برقم: (4245) وحسَّنه الشَّيخ شعيب الأرناؤوط في تحقيقه على سنن ابن ماجه.