الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

النَّظافة وأثرها في حياة المسلمين

النَّظافة: خلوُّ القلب والجوارح من كلِّ خبث ونجس.

والنَّظافة نوعان:

نظافة حسيَّة: وهي تطهُّر البدن بالغسل، والفم بالتَّسوُّك، والجوارح بالوضوء؛ وغايتها إتمام المرء العبادة وهو في غاية الحسن، ونقاء الجسد، وإزالة ما علق به موانع العبادة، والنَّاس في النَّظافة الحسِّيَّة متقاربون.

نظافة معنويَّة: وهي تطهُّر القلب بالإيمان، والنَّفس بالتَّزكية، والوجدان بالمراقبة، وغايتها خلوُّ القلب من موانع الإيمان، وتثبيت معاني الأخلاق في النَّفس، وترسيخ مقتضيات التَّقوى في الوجدان، ولصعوبتها تفاوت فيها النَّاس بين مقلٍّ ومكثر.

ولأهمِّيَّة النَّظافة في حياة المسلم فإنِّي واضع فيها من المبادئ ما يحثُّ المسلم على التزامها، والحرص عليها:

المبدأ الأوَّل: النَّظافة من الإيمان؛ قال النَّبيُّ ﷺ: «الطُّهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السَّماوات والأرض» [1] والطُّهور بضم الطاء = فعل التَّطهُّر على المختار، وبالفتح مادَّة التَّطهُّر ووسيلته؛ قال النَّوويُّ رحمه الله: "وقد اختلف في معنى قوله : «الطُّهور شطر الإيمان» فقيل معناه: أنَّ الأجر فيه ينتهي تضعيفه إلى نصف أجر الإيمان، وقيل معناه: أنَّ الإيمان يجب ما قبله من الخطايا، وكذلك الوضوء؛ لأنَّ الوضوء لا يصحُّ إلَّا مع الإيمان فصار لتوقُّفه على الإيمان في معنى الشَّطر، وقيل المراد بالإيمان هنا: الصَّلاة؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143] والطَّهارة شرط في صحَّة الصَّلاة فصارت كالشَّطر وليس يلزم في الشَّطر أن يكون نصفًا حقيقيًّا وهذا القول أقرب الأقوال" [2]

قلت: ويمكن أن يُقال: جعل الطُّهور شطًرا للإيمان؛ لكونه من لوازمه؛ فليس عند غير المؤمنين تطهُّر بالمعنى الحاصل عندهم؛ فمنهم من يُجامع ولا يغتسل، ومنهم من لا يغتسل إلَّا مع تباعد الزَّمان، وقد لا يحلقون الشَّعر الكائن في أجسامهم بالمدد الطَّويلة، فليس عندهم ما يُلزمهم بذلك، بخلاف أهل الإيمان فقد ألزمهم دينهم، وحثَّتهم ملَّتهم على التَّنظُّف وديمومته كما سيأتي معنا إن شاء الله.

المبدأ الثَّاني: النَّظافة تجلب حبَّ الله تعالى للعبد؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222] وفي الحديث عن مسلم القري قال: قلت لابن عبَّاس رضي الله عنهما: أصب على رأسي الماء وأنا محرم؟ قال: "لا بأس به، إن الله يقول: "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ" [3] فالمتطهِّر المتنظِّف الحريص على الوضوء دائمًا قريب من الله تعالى؛ فحيث أراد مناجاته توجَّه للقبلة وصلَّى ركعتين، وأينما أدركته الصَّلاة صلَّى، وإن أدركه همٌّ أو غمٌّ واحتاج إلى الدُّعاء فعل وهو على طهارة كاملة، كما أنَّ المتوضِّئ دائمًا متشبِّه بالملائكة الكرام؛ قال تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 79].

المبدأ الثَّالث: ولحرص الإسلام على ديمومة النَّظافة حثَّ أتباعه على مواصلة التَّنظُّف ووقَّت لذلك وقتًا لا يجاوزونه؛ فعند مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "وُقِّت لنا في قصِّ الشَّارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة" [4]

والمتتبِّع لهدي النُّبوَّة يلحظ ما يلي:

1 - الحثُّ على غسل الجمعة؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النَّاس ينتابون يوم الجمعة من منازلهم والعوالي، فيأتون في الغبار يصيبهم الغبار والعرق، فيخرج منهم العرق، فأتى رسول الله ﷺ إنسان منهم وهو عندي، فقال النَّبيُّ ﷺ: «لو أنَّكم تطهَّرتم ليومكم هذا» [5] وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنَّ رسول الله ﷺ قال: «الغسل يوم الجمعة واجب على كلِّ محتلم» (3) وفي رواية ابن ماجه أنَّه ﷺ قال: «على كلَّ محتلم رواح إلى الجمعة، وعلى كلِّ من راح إلى الجمعة الغسل» [6]

2 - الحثُّ على الوضوء عند كلِّ صلاة؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لولا أن أشقَّ على أمَّتي لأمرتهم بالوضوء عند كلِّ صلاة، ومع كلِّ وضوء سواك» [7]

3 - الأمر بالاغتسال من الجنابة ولو تعدَّدت؛ ففي الصَّحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبيِّ ﷺ قال: «إذا جلس بين شعبها الأربع، ثمَّ جهدها فقد وجب الغسل» [8]

4 - الأمر بغسل اليدين عند الاستيقاظ من النَّوم وقبل غمسه في الإناء؛ ففي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا، فإنَّه لا يدري أين باتت يده» [9]

5 - الحثُّ على غسل اليدين قبل النَّوم؛ ففي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من نام وفي يده غمر، ولم يغسله فأصابه شيء، فلا يلومنَّ إلَّا نفسه» [10] فالمسلم يعيش ويتقلَّب في طهارة؛ لذا فهو أبعد النَّاس عن الأسقام والأوبئة التي يكون منشأها القذارة وقلَّة التَّنظُّف.

المبدأ الرَّابع: النَّظافة في الإسلام تتَّسم بالشُّموليَّة والعموم؛ فقد حثَّ أتباعه على نظافة عموم البدن من حلق لجميع الشَّعر (رأس، وعانة، وإبط، وشارب) وتقليم للأظفار (القدمين واليدين) وغسل للبدن كلِّه؛ وجعل كلَّ هذا من خلال الفطرة وخصالها؛ ففي الصَّحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبيِّ ﷺ قال: "الفِطرة خمس: الختان، والاستحداد، ونتف الإبط، وقصُّ الشارب، وتقليم الأظفار" [11] وعند مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «عشر من الفِطرة: قصُّ الشَّارب، وإعفاء اللِّحية، والسِّواك، واستنشاق الماء، وقصُّ الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء» [12]

المبدأ الخامس: مخالفة هدي الإسلام في النَّظافة جالب للأسقام والأمراض، ومؤشِّر في تفشِّيها في المجتمعات؛ فكلَّما زاد وعي النَّاس إلى أهمِّيَّة النَّظافة مع الأخذ بسبلها وقاهم الله تعالى شرَّ الأمراض والأوبئة، وكلَّما أهمل النَّاس في نظافتهم بُلوا بصنوف الأمراض الفتَّاكة التي تفسد عليهم حياتهم؛ وما أصاب العالمَ اليوم عنَّا ببعيد؛ لذا أصدرت منظَّمة الصِّحَّة العالميَّة مذكِّراتها الدَّالَّة على أهمِّيَّة النَّظافة، والدَّاعية إلى ضرورة المحافظة على التَّنظُّف بصورة متكرِّرة للوقاية من وباء كورونا المعروف بـ: (كوفيد 19) وكذا كلِّ الفيروسات والأمراض التي منشأها سوء التَّنظُّف، وقلِّة الاعتناء به.

المبدأ السَّادس: لقد أمر الله تعالى نبيَّه إبراهيم وإسماعيل عليهما السَّلام بتطهير البيت الحرام، وفيه حثٌّ للمسلمين على متابعة النَّبيَّين الكريمين عليهما السَّلام في ذلك قال تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: 125] وقال سبحانه: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: 26] ثمَّ أمر المسلمين بذلك فقال: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32].

المبدأ السَّابع: الإكثار من النَّظافة والتَّطهُّر والحرص على المبالغة فيه مسلك محمود؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النَّبيَّ ﷺ يقول: «إنَّ أمَّتي يُدعون يوم القيامة غرًّا محجَّلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يُطيل غرَّته فليفعل» [13]

وقوله: (غرًّا مُحجَّلين) غرًّا: جمع أغرٍّ أي ذو غرَّة وأصل الغرَّة لمعة بيضاء تكون في جبهة الفرس، ثمَّ استُعملت في الشُّهرة وطيِّب الذِّكر. ومحجَّلين: من التَّحجيل: وهو بياض يكون في قوائم الفرس وأصله من الحجل وهو  الخلخال. والمعنى أنَّ النُّور يسطع من وجوههم وأيديهم وأرجلهم يوم القيامة وهذا من خصائص هذه الأمَّة التي جعلها الله عزَّ وجلَّ شهداء على النَّاس؛ ففي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «تردون عليَّ غرًّا محجَّلين من الوضوء، سيماء أمَّتي، ليس لأحد غيرها» [14]

المبدأ الثَّامن: لم يدع الإسلام إلى التَّطهُّر فقط، بل حثَّ على حسن التَّطهُّر؛ إنَّما يكون  بإسباغه والإتيان بآدابه وسننه؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا توضَّأ، فأحسن الوضوء ثمَّ خرج إلى المسجد لا يخرجه إلَّا الصَّلاة، لم يخط خطوة، إلَّا رُفعت له بها درجة، وحُط عنه بها خطيئة» [15] وفي رواية ابن أبي شيبة: «من توضَّأ فأحسن الوضوء وأسبغه وأتمَّه» [16] فحسن الوضوء من أسباب المغفرة؛ ففي الحديث عن عثمان بن عفَّان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من توضَّأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده، حتى تخرج من تحت أظفاره» [17]

المبدأ التَّاسع: حسن التَّطهُّر مرضاة للرَّبِّ، ومجلبة للحبِّ، ومنجاة من السَّقم؛ لذا حرص العلماء والصَّالحون على التَّطهُّر والمبالغة فيه؛ استجلابًا للخير، ودفعًا للأذى والشَّرِّ؛ فالنَّاس في دنيا النَّاس يملُّون ويأنفون من كلِّ ذي رائحة خبيثة، وينعتونه بأقبح الأوصاف؛ وقد يُبادر البعض بالتَّصريح أو التَّلميح بذلك؛ ممَّا قد ينتج عنه مشكلات.

المبدأ العاشر: مما يجدر بالمسلم الاعتناء به ونظافته طهارة الباطن بخلوِّ القلب من الحسد، والبغضاء، والشَّحناء، والغلِّ، والنِّفاق، والرِّياء، والعجب، والكبر، والشِّقاق، والعنت، وإضمار الأذى للمسلمين، ونظافة الجسد داخليا من أكل الحرام؛ فكلُّ جسد نبت من سحت فالنَّار به أولى؛ لذا كانت نظافة الباطن لا تقلُّ أهمِّيَّة عن نظافة الظَّاهر.


(1) صحيح: أخرجه مسلم في صحيحه كتاب: (الطهارة) باب: (فضل الوضوء) برقم: (1 - 323).

(2) شرح النووي على صحيح مسلم (3/ 100).

(3) صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة في مصنَّفه كتاب: (الحج) باب: (في المحرم يغسل رأسه) برقم (12851).

(4) صحيح: أخرجه مسلم في صحيحه كتاب: (الطهارة) باب: (خصال الفطرة) برقم: (51 – 258).

([5]) متفق عليه: أخرجه البخاريُّ في صحيحه في كتاب: (الجمعة) باب: (من أين تؤتى الجمعة وعلى من تجب) برقم: (902) وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب: (الجمعة) باب: (وجوب غسل الجمعة على كل بالغ من الرجال) برقم: (847).

(6) صحيح: أخرجه مسلم في صحيحه كتاب: (الجمعة) باب: (وجوب غسل الجمعة على كل بالغ من الرجال) برقم: (5 - 846).

(7) صحيح: أخرجه ابن ماجه في سننه كتاب: (الطهارة) باب: (في الغسل يوم الجمعة) برقم: (342).

(8) صحيح: أخرجه الطَّيالسيُّ في مسنده، مسند: (أبي هريرة) برقم: (2448) والحاكم في المستدرك كتاب: (الطهارة) برقم (556) على شرط مسلم.

(9) صحيح: أخرجه مسلم في صحيحه كتاب: (الطهارة) باب: (كراهة غمس المتوضئ وغيره يده المشكوك في نجاستها) برقم: (87 - 278).

(10) صحيح: أخرجه أبو داود في سننه كتاب: (الأطعمة) باب: (في غسل اليد من الطعام) برقم: (3852).

(11) متفق عليه: أخرجه البخاريُّ في صحيحه كتاب: (الاستئذان) باب: (الختان بعد الكبر ونتف الإبط) برقم (6297) وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب: (الطهارة) باب: (خصال الفطرة) برقم: (56 – 261).

(12) صحيح: أخرجه مسلم في صحيحه كتاب: (الطهارة) باب: (خصال الفطرة) برقم: (56 – 261).

(13) متفق عليه: أخرجه البخاريُّ في صحيحه كتاب: (الوضوء) باب: (فضل الوضوء والغر المحجلون من آثار الوضوء) برقم (136) وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب: (الطهارة) باب: (استحباب إطالة الغرة والتحجيل) برقم: (35 – 246).

(14) صحيح: أخرجه ابن ماجه في سننه في كتاب: (الزهد) باب: (صفة أمة محمد صلى الله عليه وسلم) برقم: (4282).

(15) متفق عليه: أخرجه البخاريُّ في صحيحه كتاب: (الأذان) باب: (فضل صلاة الجماعة) برقم (647) وفي كتاب: (البيوع) باب: (ما ذكر في الأسواق) برقم: (2119) وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب: (الطهارة) باب: (فضل الوضوء والصلاة عقبه) برقم: (12 - 232).

(16) صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب: (الطهارات) باب: (في المحافظة على الوضوء وفضله) برقم: (49)

(17) صحيح: أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب: (الطهارة) باب: (خروج الخطايا مع ماء الوضوء) برقم: (33 - 245).

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله