طبقات الفيسبوكيِّين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
وبعد: فالحق الذي لا مراء فيه أن كثيرا من الناس توسعوا في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لدرجة أنهم وصلوا إلى التعلق القلبي بهذه الوسائل، فكان لابد من وقفة لاسيما بعد أن رأيت كثيرا من طلاب العلم النبهاء، ومن مشايخنا الفقهاء الذين فتح الله لهم في العلم أبوابا؛ فألفوا، وحاضروا، وناظروا، وكأنهم ما خلقوا إلا لهذا، رأيتهم قد اهتموا بوسائل التواصل عامة، وبالفيس خاصة، مما جعلهم يتأخرون قليلا في إخراج نتاج علمي محرر، ومدقق على رسم أولي العلم وأصحاب الحجا كعادتهم، وقد نظرت إلى الناس جميعا مع وسائل التواصل، وخاصة الفيس بوك فوجدتهم لا يخرجون عن أربعة أقسام، بيانها كالتالي:
الأوَّل: الملازمون:
وهؤلاء لا يكادون يتركونه إلا قليلا؛ فهم معه على جميع أحوالهم، وربما قدموه على العبادة، وإن صلوا غرقوا في التفكير فيه حتى لا يتبقى لهم من صلاتهم إلا النذر اليسير؛ فليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها، ولقد رأيت رجلا يمسك هاتفه ويبحث في الرسائل والمحادثات والإمام يخطب على المنبر، وهو لا يعبأ به، ولا يلتفت إليه، أي جمعة هذه؟! حينها تذكرت قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة:11] وهذا الفعل يغلب على رجال الأعمال، وشباب الشات؛ أصحاب العلاقات المحرمة، فهو في الغالب لأصحاب الدنيا لتحصيل شهوة المال، أو الفرج، وأصحابه لا يتورعون من العكوف عليه بالساعات الطوال؛ حتى لربما جلس أحدهم عليه أكثر من خمس عشرة ساعة في يومه، وربما كان جلوسه في وقت تنزُّل الرب الجليل، ولا يتحرك فيه ساكن، ولا يقوم لصلاة ركعتين في جوف الليل، أو ثلثه الآخر؛ ليدعو ربه بما شاء من دعوات زاكيات، وهذا الصنف أشر الأصناف؛ لأن وقته يضيع عليه دون أن يشعر بذلك فيحسب أنه يحسن صنعا.
الثَّاني: المتابعون:
وهؤلاء يحرصون ألا يمر يوم من عمرهم إلا وقد اطلعوا على كل جديد على وسائل التواصل؛ من باب معرفة الواقع، ومسايرة الأحداث، وهذا الفعل يغلب على الساسة، والاقتصاديين، وبعض الدعاة الذين يتوسعون في دعوتهم عبر وسائل التواصل، وهؤلاء يحسن بهم أن ينظموا أوقاتهم بأن يحددوا وقتا معلوم البداية، والنهاية؛ حتى لا يسرقهم الوقت ويبتزهم هذا الشيطان الصامت الماهر في سرقة الأوقات، والأعمار، والذي أُشرِب كثير من الفيسبوكيين حبه.
الثَّالث: الموسميون:
وهؤلاء لا يكادون يعرفون له طريقا إلا في المواسم، والمناسبات؛ كمن لا يجالسه إلا في الأعياد لتهنئة زملائه وأقاربه أو من يستثمره في الدعوة الموسمية فيقدم بين يدي رمضان موعظة تكفي إلى نهاية الموسم، ثم يعود إلى رواده وأصدقائه في الموسم التالي وهو موسم الحج الأكبر، ثم يهدأ إلى أول المحرم فيطل على أصدقائه طلة جديدة للحديث حول عاشوراء، وفضل صيامه، وهكذا، فهو يستثمره للدعوة، لكن لا يتعدى على ميادين الدعوة الأخرى؛ فهو يرى أن ميدان الفيس بوك، وغيره من وسائل التواصل من الميادين الدعوية التي فرضت نفسها بقوة على الدعاة، وطلاب العلم، فكان لابد من متابعتها، وإعادة النظر فيما يمكن للعلماء أن يقدموه لجماهير الفيس بوك التي تتجاوز المليارات في العالم كله، لكن بدون إفراط، أو تفريط، ولا يستحب للعلماء أصحاب الدعوات الناجحة، أو مقرئ القرآن أن يقتربوا منه البتة؛ حتى لا يضيعوا أعمارهم، ويعطلوا طلابهم المستفيدين منهم، فإن كانوا لابد فاعلين فلتكن الصفحات بأسمائهم، ويتولاها بعض طلابهم، ويقوم الشيخ بكتابة المنشورات بصورة أسبوعية في يوم واحد ثم يرسله لطالبه، مؤرخة؛ ليتولى نشرها، ويقوم بالرد على الاستشكالات التي تعرض للقراء، فإن عجز استشار شيخه.
الرَّابع: المعارضون:
وهؤلاء هم من يغلب عليهم الانشغال بالبحث العلمي، أو المجهود العملي، ومن ليست له مصلحة راجحة على الشنكبوتية، وإنما شغلوا بالتكسب، أو التعلم عنه، وهؤلاء قد جنبوا فتنا كبيرة، وتوفرت لهم أوقات كثيرة، وسلموا من أمراض خطيرة، وهم أحرص الناس على السعي على الرزق، والقيام بالعبادة، والإقدام على طلب العلم حتى إنهم ليُفنون أعمارهم في طلب الخير لا يشغلهم عنه تجارة ولا بيع، فلا تكن أحد الأوليين، وكن أحد الأخيرين لعل تغنم.
وختامًا: ينبغي للجيل أن يفيق من مسكرات الأهواء التي تسوقه إلى دمار الأوقات، وإهلاك الطَّاقات؛ فالأمَّة المكلومة في أشدِّ مراحل الضَّعف والعِوز والحاجة، فعدوُّها ينهش في لحمها بعد نجاحه في تصدير اللَّهو والعبث لأبنائها عن طريق نشر وترويج وسائل التَّشاغل والتَّقاطع والإدمان الالكترونيِّ، فأقبل الشَّباب على الفساد بكلِّ قوَّتهم، تاركين أمَّتهم وقضاياها ومشاكلها وراء ظهورهم، هاربين إلى الفراغ والخواء والفضاء الأزرق، فلمَّا قعد الحماة عن الحماية وتركوا الثُّغور مكشوفة لم يجد العدوُّ مقاومة أو صدودًا، بل فتحت الأيادي الآثمة له الأبواب واستقبلته استقبال الفاتحين، فمتى يفيق النَّائمون؟!