الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

ترجمة الإمام عاصم الكوفيِّ وراوييه

هو: الإمام العلم عاصم بن بهدلة بن أبي النُّجود، أبو بكر الأسديُّ، مولاهم الكوفيُّ الحنَّاط رحمه الله، وأبو النُّجود اسم أبيه لا يُعرف له اسم غير ذلك، وبهدلة اسم أمِّه، انتهت إليه رئاسة الإقراء بالكوفة بعد أبي عبد الرَّحمن السُّلميِّ، جمع بين الفصاحة والإتقان والتَّحرير، وكان أحسن النَّاس صوتًا بالقرآن؛ قال شعبة رحمه الله: "لا أُحصي ما سمعت أبا إسحاق السَّبيعيَّ يقول: "ما رأيت أحدًا أقرأ للقرآن من عاصم بن أبي النُّجود" وقال عبدالله بن أحمد بن حنبل رحمهما الله: "سألت أبي عن عاصم بن بهدلة رحمه الله" فقال: "رجل صالح خيِّرٌ ثقة" فسألته: "أيَّ القراءة أحبُّ إليك؟" فقال: "قراءة أهل المدينة، فإن لم تكن فقراءة عاصم".

وقرأ على زرِّ بن حُبيش وأبى عبدالرَّحمن السُّلمىِّ رحمهما الله؛ قال حفص: "قال لي عاصم: "ما كان من القراءة التي أقرأتك بها فهي القراءة التي قرأت بها على أبي عبدالرَّحمن السُّلميِّ رحمه الله عن عليٍّ رضي الله عنه، وما كان من القراءة التي أقرأتها أبا بكر بن عيَّاش فهي القراءة التي كنت أعرضها على زرِّ بن حبيش عن ابن مسعود رضي الله عنه" وتوفي سنَّة: (127ه).

ترجمة الإمام شعبة الكوفيِّ

وأشهر من تلقَّى عنه:

أ - شعبة: وهـو ابن عيَّاش بن سالم أبو بكر الحنَّاط الأسديُّ النَّهشليُّ الكوفيُّ رحمه الله، ولد سنة: (95ه) كان إمامًا كبيرًا عالـمًا عاملًا حجَّة في القراءة من كبار أئمَّة السُّنَّة؛ قال أبو داود رحمه الله: حدَّثنا حمـزة بن سعيد المروزيُّ قال: "سألت أبا بكر بن عيَّاش رحمه الله: "أو قد بلغك ما كان من أمر ابن عُليَّةَ في القرآن؟" قال: "ويلك؛ من زعم أنَّ القرآن مخلوق فهو عندنا كافر زنديق عدوُّ الله، لا نُجالسه ولا نُكلِّمـه" ولـمَّا حضرته الوفاة بكت أخته فقال لها: "ما يُبكيك؟! انظري إلى تلك الزَّاوية فقد ختمت فيها القرآن ثمان عشرة ألف ختمة" وتوفِّي سنة: (193ه).

ترجمة الإمام حفص الكوفيِّ

ب – حفص: وهو ابن سليمان بن المغيرة= أبو عمر بن أبي داود الأسديُّ الكوفيُّ الغاضريُّ البزاز، ويُعرف بحُفيص رحمه الله وكان ربيبًا لعاصم= أي ابن زوجته، ولد سنة: (90ه) وكان ثقة في القراءة، معروفًا بالضَّبط والتَّحرير؛ قال يحيى بن معين: "الرِّواية الصَّحيحة التي رُويت عن قراءة عاصم رواية أبي عمر حفص بن سليمان" وقال أبو هشام الرِّفاعيُّ رحمه الله: "كان حفص أعلمهم بقراءة عاصم، وأمَّا في رواية الحديث فليس بالقويِّ؛ فقـد ضعَّفه غير واحد من أهل العلم بالرِّجال؛ قال الذَّهبيُّ رحمه الله: "أمَّا القراءة فثقة ثبت ضابط لها بخلاف حاله في الحديث" وكان مقدَّمًا على شعبة في القراءة؛ قال ابن المنادي رحمه الله: "قرأ على عاصم مرارًا، وكان الأوَّلون يعدُّونه في الحفظ فوق أبي بكر بن عيَّاش ويصفونه بضبط الحروف التي قرأها على عاصم" وتوفِّي سنة: (180ه) على الصَّحيح.

نقاش حول الإمام حفص الكوفيِّ

سؤال: هل حفص صاحب الرِّواية مضعَّف في الحديث؟ وما أثر ذلك عليه في القرآن؟

وللجواب أقول: لابدَّ أن نحرِّر المصطلحات في ضوء تخصُّص قائليها؛ فكلُّ ما ورد من ضعف أبي عمر حفص بن سليمان الأسْديِّ رحمه الله في الحديث الشَّريف وليس في القراءة؛ وهذا لا يُسلَّم به على إطلاقه؛ بل تبقى المسألة محِلَّ نقاش بين أهل العلم؛ ويُمكنني أن ألخص أقوالهم في قولين:

الأوَّل: يرى القائلون به [أنَّ أبا عمر القارئ ثبت في الرِّواية عامَّة] وقد اختلفوا في توجيه الضَّعف الوارد عن بعض الأئمَّة في حقِّه، وتعدَّدت النُّقول عنهم في ذلك:

فقال بعضهم: "سبب نقل ضعفه خطأ تناقله الأجيال عن إمام الحديث شعبة ابن الحجَّاج (ت: 160هـ) رحمه الله حين قال: "حفص بن سليمان مولى لبني منقر، ويُكنى أبا الحسن، وكان أعلمهم بقول الحسن، وقد أخذ منِّي كتابًا فلم يردَّه عليَّ، وكان يأخذ كتب النَّاس فينسخها" فظاهر بوضوح أنَّه لم يُرد حفصًا الأسديَّ الكوفيَّ القارئ، بل قصد حفصًا المنقريَّ البصريَّ، لكنَّ الوهم حمل بعض النَّقلة على نسبته لحفص القارئ.

وقال بعضهم: "اتَّهمه بالوضع رافضيٌّ جلْد و هو عبدالرَّحمن بن يوسف بن خِراش، وهذا لتحامله عليه؛ لكونه مخالفًا له في مذهبه"

قلتُ: ولستُ أرى بهذا القول؛ لكثرة النُّقول المتضمِّنة تضعيفه في رواية الحديث، وتعيينها له رحمه الله تعالى بما يشمله دون غيره، لكن مع توجيه ذلك القول كما سيأتي.

الثَّاني: القائلون بضعفه في الحديث كما نقل كثير من الرُّواة، لكنَّ هذا لا يطعن في قراءته بحال؛ لكونه لم يكن متخصِّصًا في رواية الحديث؛ فإنَّ هذا مظهر من مظاهر التَّخصُّص في العصور الأولى؛ فهو ممَّن تخصَّصوا وتفرَّغوا للقراءات ولم يتَّجهوا لعلم الحديث؛ فالواقديُّ قد تركه جمهور النُّقَّاد، ولكنَّه في المغازي ممَّن يُعتبر به، وعثمان بن أبي شيبة إمام في الحديث؛ فهو من شيوخ البخاريِّ المشاهير، ولكنَّه ضعيف في القرآن الكريم!.

فظهر ممَّا سبق أنَّه لا تعارض بين ضعفه في الحديث، وإمامته في القراءة؛ فقد يَصرف الرَّجلُ كلَّ طاقته وجهده واهتمامه إلى جانب، ويُشارك - مجرَّد مشاركة - في جانبٍ آخر، فيكون عَلَمًا وحجَّة في الجانب الأوَّل، وكأيِّ رجلٍ آخر في الجانب الثَّاني، فإنَّك ترى اليوم من هو مُتقن للقراءات؛ حافظًا لآلاف الأبيات المتداولة كمتون الشَّاطبيَّة والدُّرَّة والطَّيِّبة وغيرها لا يخرم منها حرفًا، ويخبرك بأسانيد القرآن ومعرفة الأئمَّة منهم في القراءة ومعرفة كلِّ حرف من العشرة بطرقه ثمَّ إن ناقشته في الحديث لم يستطع أن يروي حديثًا صحيحًا بإسناده، هذا إن لم يخلط في متنه، بل إنَّ جلَّ علماء القراءات اليوم لا يُتقنون سوى القراءات، وهم تحت خطِّ الفقر في الحديث والفقه والعقيدة، وما ضرَّهم ذلك في قرآنهم.

وفي العلماء اليوم من تجده إمامًا في الفقه، وعاميًّا في القراءات أو العكس، وهذا غير ضائر؛ لأجل هذا لم يُحدِّث مالك عن أقوام عبَّاد لا يُشكُّ في صلاحهم، و ما ذاك إلَّا لأنَّهم ليسوا بأهل هذا الشَّأن؛ فعلى هذا مدار القبول والرَّدِّ.

والحديث الشَّريف يحتاج حفظًا، وكتابةً، وضبطًا، ومراجعةً، وتعاهدًا، ومذاكرةً مع الأقران والشُّيوخ... إلخ، وهذا لا يستطيعُه من فرَّغ نفسَه للقراءة والإقراء، فربَّما كان حفصٌ تحمَّل أحاديث، لكنَّه لم يضبطها؛ لعد التَّفرُّغ؛ فضعَّفه الأئمَّة في رواية الحديث فحسب.

إجماع العلماء النُّقاد

وبإجماع أهل العلم فإنَّ حفصًا إمام في القراءات ولا يوجد طعن عليه في الحروف والقراءات، فالجميع يُقرُّون بإمامته في الإقراء وما تعرَّضوا لعدالته، أو الطَّعن بقراءته حتى من طعن عليه في الحديث وثَّقه في القراءة؛ قال يحيى بن معين فيه: (ليس بثقة) وقال: "كان حفص بن سليمان وأبو بكر بن عيَّاش من أعلم النَّاس بقراءة عاصم" وقال الذَّهبيُّ ملخِّصًا أقوال الأئمَّة في الكاشف: "ثبتٌ في القراءة، واهي الحديث" وقال ابن حجر في التَّقريب: "متروك الحديث، مع إمامته في القراءة" وقال ابن الجوزيِّ عن عاصم: "وكان ثبتًا في القراءة واهيًا في الحديث؛ لأنَّه كان لا يُتقن الحديث ويُتقن القرآن ويجوِّده وإلَّا فهو في نفسه صادق".

والخلاصة

أنَّ حفصًا المقرئ بالإجماع - الذي لا يعرف مخالفًا - عدل (صادق) لكنَّه ليس ضابطًا؛ لذلك تُرِك حديثه، ولا تُشترط قوَّته في الحديث، فهناك الكثير من العلماء الأجلَّاء ضعاف في الحديث لضعف ضبطهم الحديثيِّ، ولا يقدح في عدالتهم وضبطهم لسواه؛ وتضعيفهم مقصور، وعليه فلا عِبرة بطعن من طعن فيه بعد انعقاد الإجماع، وتلقِّي الأمَّة لروايته بالقبول، وتوثيق كافَّة من ترجموا له من علماء السِّير في القرآن الكريم، فلا يضرُّ قول النَّاس بعد ذلك.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله