الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

التَّعريف الاصطلاحيُّ للمُتشابهات

والمتشابهات في اصطلاح أهل العلم تدور حول معنى تكرار الجملة القرآنيَّة في مواضع مختلفة بأسلوب واحد أو بتغيير يسير في النَّظم؛ لهدف يخدم النَّصَّ الشَّريف، ويمكن الوقوف على بعض أسراره بالتَّتبُّع للجملة في مواطن تكرارها، مع استنطاق السِّياقات للخروج بمدلولات تفسيريَّة وبلاغيَّة تُساعد على توجيه المتشابه والوقوف على أسباب وأسرار التَّكرار الحاصل في القرآن الكريم، والتي من أهمِّها تحدِّي العرب وإلزامهم الهزيمة من خلال إعجازهم بالتَّصرُّف في النَّصِّ بالنَّقل والاستعمال في مواضع متعدِّدة مع قوَّة المعنى، وجودة التَّركيب، وسلامة السِّياق، وحسن السَّبك، وإحكام النَّصِّ، ووجاهة المضمون، وهذا إعجاز فوق إعجازهم، فقد عجزوا عن قبول التَّحدِّي والمعارضة بالإتيان بمثله، فكان في التَّشابه مزيد إضعافهم؛ فما عجزوا عن إنشائه وإيجاده يحسن القرآن الكريم التَّصرَّف فيه بنقله في مواضع مختلفة، مع الاتِّزان والسَّلامة والبلاغة وعدم الإخلال.

وعرَّف الإمام الزَّركشيُّ رحمه الله التَّشابه اللَّفظيَّ بأنَّه تكرار إيراد الجملة القرآنيَّة بأشكال متنوعة ومواضع متعدِّدة؛ فقال: "هو ‌إيراد ‌القصَّة ‌الواحدة في صور شتَّى وفواصل مختلفة، ويكثر في إيراد القصص والأنباء، وحكمته التَّصرُّف في الكلام وإتيانه على ضروب ليُعلمهم عجزهم عن جميع طرق ذلك مبتدأً به ومتكرِّرًا" [1] وعرَّفه أبو القاسم الكرمانيُّ رحمه الله بقوله: "الآيات المتشابهات التي تكررت في القرآن وألفاظها متفقة ولكن وقع في بعضها زيادة أو نقصان أو تقديم أو تأخير أو إبدال حرف مكان حرف أو غير ذلك مما يوجب اختلافا بين الآيتين أو الآيات التي تكررت من غير زيادة ولا نقصان" [2]

ويمكن تعريف المتشابهات اللَّفظيَّة من خلال هذه الدِّراسة بأنَّها: "المواضع المتماثلـة الألفاظ، التي تكرَّرت في القرآن الكريم، قلَّت أو كثرت، اتَّفقت في المعنى أم لم تتَّفق".

قيود في التَّعريف

القيد الأوَّل: (المواضع)

هكذا بصيغة الجمع ليخرج نقيض التَّشابه وهو الانفراد؛ لأنَّه مـوضع واحد ورد ذكره في القرآن الكريم ويُسمَّى الموضع اليتيم؛ لانفراده وتفرُّده، ويدخل في لفظ الجمـع (المثنى) على قـول مـن قـال: إنَّ أقلَّ الجمع اثنان، فالمتشابهات عبارة عن مقطع قرآنيٍّ تكرَّر ذكره في مـواطنَ مُتعدِّدة من أجزاء المصحف، وأقلُّ التَّشابه موضعان، وأكثره مواضع {يَٰٓأَيُّهَا ‌ٱلَّذِينَ ‌ءَامَنُواْ} فقد وردت (89) مرَّة، بدايتها في سورة البقرة في الآية رقم: (104) قال تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ‌ٱلَّذِينَ ‌ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَٰعِنَا وَقُولُواْ ٱنظُرۡنَا وَٱسۡمَعُواْۗ} [البقرة: 104] وختامها في التحريم في الآية: (8) قال تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ‌ٱلَّذِينَ ‌ءَامَنُواْ تُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوۡبَةٗ نَّصُوحًا} [التحريم: 8]

شهوة المتشابهات وآثارها

والتَّشابه إذا كثر كان أقرب إلى التَّعسُّف والتَّكلُّف منه إلى التَّقنين العلميِّ والتَّقعيد الفنِّيِّ، وهـو وإن كان عِلمًا يُبحث فيه عـن المواضع - قلَّت أو كثُرت - إلَّا أنَّ السُّؤال عـن المتشابهات الطَّويلة أمر لايخلو من تعسُّف مـن السَّائل وتعجيز للمسئول، لاسيِّما إن كان في مقام الاختبارات العلميَّة والمسابقات العالميَّة؛ لما في ذلك من طلب ما لا يُدرك في الغالب؛ لأنَّ المتشابهات الطَّويلة قد تحتاج إلى حصر قبل سماع السُّؤال، وإن كنت أظنُّ أنَّ المتشابهات لا تُذاكر ولا تُحفظ وإنَّما تخرج من الحفظ، فهي لا تحتاج إلى تكلُّف وتعسُّف من الحافظ المجدِّ؛ لأنَّها موجودة عنده أصلًا ليس عليه غير أن يُدمن المراجعة فحسب، أمَّا ما نراه اليوم من واقع مرٍّ أليم للحفـَّاظ والخاتمين، فتـراه قد أهمل ورد مراجعته حتى كاد ينسى، ويُقبـل على البحث والتَّنقيب في كتب المتشابهات! وأنا أسأله لماذا تستبدل الحفظ بالنِّسيان؟ نصيحتي لنفسي ثمَّ للمقصرين: أن يتَّقوا الله تعالى في القرآن، وألَّا يُعرِّضوه للضَّياع والنِّسيان بسب البُعد والهجران، فهذا مزلق خطير زلَّت فيه أقدام ظنَّت الثَّبات والتَّمكُّن، فالقرآن كتاب مُعجزٌ عزيزٌ.

القيد الثَّانِي: (المتماثلة)

وهذا قيد مهمٌّ في التَّعريف؛ إذ عليه قِوام هذا العلم، فما سمِّيت المتشابهـات بهذا الاسم إلَّا لأنَّها تماثلت في اللَّفظ وتوافقت في العبارة، ولا عبارة بغير المتماثل في المتشابهات، والتَّماثل يعني: وروود الآيات القرآنيَّة على نحو متوافق في اللَّفظ، ولو اختلف المعنى، وهو على قسمين:

الأوَّل: المتماثلات الكلِّيَّة: وهي الآية التي وردت متماثلة مع آيات أخرى تماثلًا كلِّيًا، فـلا يكاد يـرى القارئ فرقًا بين هذه المواضع المتماثلة، ولا يميِّز بينها إلَّا عالم نحرير أوتي فقهًا وفهمًا وحظًّا من علوم اللُّغة، ومــن أمثلتها ما ورد في سورة البقرة في الآية (5) قال تعالى: {أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ ‌هُمُ ‌ٱلۡمُفۡلِحُونَ} والآية بعينها وتمامها ورقمها قد وردت في سورة لقمان في الآية رقم: (5) قال تعالى: {أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ ‌هُمُ ‌ٱلۡمُفۡلِحُونَ} ومن ذلك أيضا ما ورد بيانه في مطلع سورة الشُّعراء في الآية (1،2) قال تعالى: {طسٓمٓ ١ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ} والآية بعينها وتمامها ورقمها وردت في سورة القَصص.

الثَّاني: المتماثـلات الجزئيَّة: وهي الآية التي وردت متماثلة في جزء من أجزائها مع آية أخرى، أي أنَّ التَّماثل ليس كلِّيًّا، وإنَّما هو تماثل جـزئيٌّ فقط بين أجزاء الآيات، وهو على ثلاثة أنواع:

النَّوع الأوَّل: متماثلات الصَّدر والبداية: وهي المواضع الواردة في أوَّل الآية متشابهة مع أوَّل الآيات الأخرى، كقوله تعالى: {لِّلَّهِ ‌مُلۡكُ ‌ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ} فهذا الجزء مـن الآية ذُكر مرَّتين في القرآن الكريم، وفي أوَّل الآية:

الأوَّل: المائدة في الآية: (120) قال تعالى: {لِلَّهِ ‌مُلۡكُ ‌ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا فِيهِنَّۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرُۢ}.

الثَّاني: في سورة الشُّورَى في الآية رقم: (49) قال تعالى: {لِّلَّهِ ‌مُلۡكُ ‌ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ} فهذا النَّوع يقع التَّشابه فيه في أوَّل الآيات.

النَّوع الثَّاني: متماثـلات الوسط: وهي المواضع الواردة في وسط الآية مُتشابهة مع وسط آيات أخرى، والوسط ما كان بعد أوَّل الآية ولو بكلمة واحدة، مثل قوله تعالى: {ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ‌ٱلۡقَيِّمُۚ} فهذا الجزء من الآية ذُكـر ثلاث مرَّات في القرآن الكريم، وهو في كلِّها واقع في وسط الآية:

الأوَّل: في سورة التَّوبة في الآية رقم: (36) قال تعالى: {ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ‌ٱلۡقَيِّمُۚ فَلَا تَظۡلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمۡۚ}.

الثَّاني: في سورة يُوسُف في الآية رقم: (40) قال تعالى: {ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ‌ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ}.

الثَّالث: الرُّومِ في الآية: (30) قال تعالى: {لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ‌ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ}

فهذا النَّوع يقـع التَّشابه فيه في وسط الآيات، ونُلاحظ تشابه الموضعين الأخيرين في مقطعين من الآية، ومعناه أنَّ التَّشابه قد يقع لجملة واحدة مع جملة واحدة كما هو الغالب، وقد يقع لجملتين كما هو المثال الذي معنا، وقد يقع لكامل الآية كما سبق، ويأتي تفصيله إن شاء الله تعالى.

النَّوع الثَّالث: متماثلات العجُز والنِّهاية : وهي المواضع الواردة في ختام الآية متشابهة مع ختام آيات أخرى، مثل قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ ‌عَلِيمٌ ‌خَبِيرُۢ} فهذا الجزء من الآية ذُكر مرَّتين وهـو في كليهما في آخر الآية:

الأوَّل: في سورة لقمان في الآية رقم: (34) قال تعالى: {وَمَا تَدۡرِي نَفۡسُۢ بِأَيِّ أَرۡضٖ تَمُوتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ ‌عَلِيمٌ ‌خَبِيرُۢ}.

الثَّاني: في سورة الحجرات في الآية رقم: (13) قـال تعالى: {إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ ‌عَلِيمٌ ‌خَبِيرٞ}.

فهذا النَّوع يقع التَّشابه فيه في ختام الآيات= في آخر جملة في الآية الكريمة؛ ويُعرف بالعجُز لأنَّه يقع في آخر الآية، ويُعجِز كثيرًا من الحفَّاظ تذكُّره، وعلاج العجز عن إدراك العجُز يمكن تلخيصه فيما يلي:

1 - التَّكرار والتَّرديد للموضع مع الرَّبط بينه وبين ما قبله وما بعده.

2 - كتابة الموضع مربوطًا بسابقه ولاحقه أكثر من مرَّة نظرًا واستذكارًا.

3 - تسجيله موصولًا كذلك والاستماع المتواصل بهدف التَّثبيت.

4 - فهم المعنى الإجمالي للآية مع الوقوف على العلاقة بين أجزائها.

5 - ربط العجز المفقود بحرف أو كلمة أو معنى أو إشارة واردة في الآية.

6 - كتابة مراحل المعالجة بدءًا بالمشكلة ثمَّ الخطوات، وصولًا إلى النَّتيجة.

7 - تعليمها للآخرين من خلال التَّحديث بها وشرحها للأقران وغيرهم.

القيد الثَّالث: (الألفاظ)

والألفاظ جمع مفردها لفظ، واللَّفظ لغة: كلُّ ما تلفَّظ به الإنسان من كلام خيرًا كان أو شرًّا، وسُمِّي بهذا لأنَّ اللِّسان يلفظه ويُخرجه من الفم، وأَحبُّ إليَّ التَّعبير عن اسم: (الله) باسم الجلالة بدلًا من لفظ الجلالة، وإن كانت اللُّغة تجوِّزه، فتأمَّل.

واللَّفظ في الاصطلاح: هو الصَّوت المشتمِـل على بعض حـروف الهجاء مفردةً أو مجموعة في كلمة أو في جملة، فلابـدَّ أن يكون اللَّفـظ صوتًا: أي مسموعًا سواء فُهم أم لم يُفهم, فخرج (بالصَّوت) ما يلي:

1 - الكلام النَّفسيُّ في داخـل النَّفس ومكنونها؛ لأنَّـه لا صوت له، فخرج من كونه لفظًا إلى الفكر الذي لا وجود له في الواقع، فلا حياة للفكر بدونه.

2 - الإشارة؛ إذ لا صوت لها، وتدلُّ على عدم تمكُّن صاحبها من الكلام المباشر الذي يخرج به الصَّوت، والعبارة تُغني عن الإشارة، ولا يُستغنى بالإشارة عنها إلا إذا فُهمت وحصول عذر يمنع من الكلام.

القيد الرَّابع: (المواضع المتماثلة الألفاظ)

أي المواضع القرآنيَّة التي تشابهت ألفاظ آياتها، وهذا قيد أخرج:

1 - ما تشابه بمعناه، فإنـه لا يدخل معنا في هذا الباب، فله باب آخر يُعنى به وهـو التَّشابه المعنويُّ، ومحلُّه علم التَّفسيـر وعلوم القرآن، ورجاله المفسِّرون النُّبهاء رحمهم الله ويُعنى به أهل اللُّغة في فهرستهم لمواضيع القـرآن الكريم، فيقولون مثلا: باب الصَّلاة، ويُدرجون تحته جميع الآيات التي تحدثت عنها.

2 - المتشابه الذي في مُقابل المحكم الذي هو بمعنى الغامض المشكِل ممَّا استأثـر الله تعالى بعلمه، كمسائل الصَّفِّـات، وعلم ما في الأرحام، والغيبيـَّات، وعلم السَّاعـة، ومنه قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ ‌مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ} [آل عمران: 7] قال السُّيوطيُّ رحمه الله: "وقد اختُلف في تعيين المحكم والمتشابه: فقيل: المحكم ما عُرف المراد منه إمَّا بالظُّهور وإمَّا بالتَّأويل، والمتشابه ما استأثر الله بعلمه كقيام السَّاعة وخروج الدَّجال والحروف المقطَّعة في أوائل السُّور. وقيل: المحكم ما وضح معناه والمتشابه نقيضه. وقيل: المحكم ما لا يحتمل من التَّأويل إلَّا وجهًا واحدًا والمتشابه ما احتمل أوجهًا. وقيل: المحكم ما لم تتكرَّر ألفاظه ومقابله المتشابه" [3]

القيد الخامس: (التي تكرَّرت)

وهذا قيد عليه يقوم هذا العلم، وخرج به المواضع التي لم تتكرَّر في القرآن الكريم، وإنَّما انفردت فوردت مرَّة واحدة، فهي أُحاديَّة لم يجرِ ذكرها في القرآن الكريم إلَّا مرَّة واحدة، والمتشابهات لا تُعتبر - عُرفًا واصطلاحًا - إلَّا إذا تكرَّرت؛ فالمفردات أكثر من أن تُحصى، ولا فائدة تُرتجى من البحث في المفردات من ناحية الحفظ؛ لأنَّها ليست مواضع ضعف أو لَبس عنـد الحفَّاظ حتـى يهتمَّ بها المصنِّفون من قَبيل إزالة العقبات التي تقف حائلًا بين الحافظ وإجادة الحفظ، ويُمكن في علم التَّفسير؛ فقد صنَّف البعض في المفردات والغريب بهدف تتبُّع الكلمات التي تحتاج إلى توضيح وإزالة غموض الدَّلالة لبعد الاستعمال أو انعدامه ممَّا يُسفر عن جهل بحقيقة مدلول اللَّفظ في اللُّغة، فينشط العلماء لمثل هذا النَّوع من الدِّراسات بهدف بيان معناه المقصود على وفق استعمال العرب ومعناه الشَّرعيٍّ من خلال السِّياق القرآنيِّ، وهذا سهم من أسهم التَّفسير ولبنة من لبناته.

القيد السَّادس: (في القرآن الكريم)

قيد أخرج ما تشابهت ألفاظه وتكرَّرت مواضعه في غير القرآن، ومنها:

1 - مواضع التَّشابه اللَّفظي في السُّنَّة النَّبويَّة المطهَّرة: فلا يدخل معنا في هذا الباب، وإنَّما بابه علوم السُّنَّة؛ كالمعاجم المفهرِسة لألفاظ الأحاديث النَّبويَّة الشَّريفة، فإنَّها من المصَّنفات التي اعتنت بهذا النَّوع المهمِّ، ومن أمثلة التَّشابه اللَّفظيِّ في السُّنَّة النَّبويَّة المطهَّرة قوله ﷺ: «لا تقوم السَّاعة حتَّى» فقد وردت هذه الجملة في السُّنَّة المشرَّفة في عدَّة مواضع؛ منها على سبيل المثال:

قوله ﷺ: «لا تقوم السَّاعة حتى تُقاتلوا قومًا نِعالهم الشَّعر، ولا تقوم السَّاعة حتى تُقاتلوا قومًا صِغار الأعين ذُلف الآنُف» [4] وقوله ﷺ: «لا تقوم السَّاعة حتى يمرَّ الرَّجل بقبر الرَّجل فيقول يا ليتني مكانه» [5] وقوله ﷺ: «لا تقوم السَّاعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حـول ذي الخلصة وكانت صنمًا تعبدها دوس في الجاهلية بتبالة» [6] وقوله ﷺ: «لا تقوم السَّاعة حتى يخرج رجل مـن قحطان يسوق النَّاس بعصاه» [7] وقوله ﷺ: «لا تقوم السَّاعة حتى يغزوها سبعون ألفـًا من بني إسحاق، فإذا جاءوها نزلوا فلم يُقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم» [8] وقوله ﷺ: «لا تقوم السَّاعة حتى يُبعث دجَّالون كذَّابون قريب من ثلاثين، كلُّهم يزعم أنَّه رسول» [9] وقوله ﷺ: «لا تقوم السَّاعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تُضيء أعناق الإبل ببُصرى» [10] وقوله ﷺ: «لا تقــوم السَّاعـة حتى يُقاتــل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمـون حتى يختبئ اليهوديُّ من وراء الحَجرِ والشَّجر، فيقـول الحجرُ والشَّجر: يا مُسلم يا عبدالله هذا يهوديٌّ خلفي فتعال فاقتُله، إلَّا الغرقد فإنَّه مـن شجر اليهود» [11] قوله ﷺ: «لا تقوم السَّاعة حتى ينزل الرُّوم بالأعماق أو بدابق» [12] قوله ﷺ: «لا تقوم السَّاعة حتى يحسر الفرات عــن جبل من ذهب يقتتل النَّاس عليه، فيُقتل من كلِّ مئة  تسعة وتسعون، ويقول كلُّ رجل لعلي أكون أنا الذي أنجو» [13] فاعلم أنَّ هذا وغيره ليس من المتشابهات المرادة في بحثي؛ لأنَّها ليست في القرآن الكريم، بل من المتشابهات اللَّفظيَّة في السُّنَّة النَّبويَّة، ولها مظانُّها التي اعتنت بها، والحمد لله الذي قيَّض للقرآن والسُّنَّة من يُعنَى بهما.

2 - مواضع التَّشابه في كلام النَّاس: فإنَّه لا يدخل معنا في هذا الباب، ولكثرة كلام النَّاس لم يُصنِّف أحد في مُتشابـه كلام النَّاس؛ لتناقضه واختلافه، ولأنَّه لا حاجة فيه من ناحية التَّشريع، فلا فائـدة تُرجى من خلال إضاعة الوقت في البحث عنه، وإنَّما يُقاس العناء والتَّعب في البحث بالفائدة والثَّمرة، بخلاف التَّشابه القرآنيِّ والنَّبويِّ فما من موضـع يتشابه مع غيره إلَّا وثمَّت فائدة، قد تخفى وقد تظهر، وتتبُّعها يُوصِّل إليها.

وممَّا سبق تتَّضح الشُّروط التي ينبغي توافرها في المتشابهات:

الأوَّل: أن يكون الموضع قد تكرَّر أكثر من مرَّة.

الثَّاني: أن يكون التَّكرار بعين اللَّفظ لا بمعناه.

الثَّالث: أن يكون التَّشابه في القرآن الكريم لا في غيره.


(1) البرهان في علوم القرآن، للزَّركشيِّ (1/112).

(2) البرهان في توجيه متشابه القرآن، للكرمانيِّ، ص: (63).

(3) الإتقان في علوم القرآن، للسُّيوطيِّ، (3/4).

(4) متَّفق عليه: أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب: (الجهاد والسير) باب: (قتال الترك) برقم: (2928) وفي كتاب: (الجهاد والسِّير) باب: (قتال الذين ينتعلون الشَّعر) بـرقم: (2929) وفي كتاب: (المناقب) باب: (علامات النُّبوَّة في الإسلام) برقم: (3587) ومسلم في صحيحه، كتـاب: (الفتـن وأشراط الساعة) باب: (لا تقوم السَّاعة حتَّى يمرَّ الرَّجل بقبر الرَّجل فيتمنَّى أن يكون مكان الميِّت مـن البلاء) برقم: (64) وما بعده.

(5) متَّفق عليه: أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب: (الفتن) باب: (لا تقوم السَّاعة حتى يغبط أهل القبور) برقم: (7115)، ومسلم في صحيحه، كتاب: (الفتن وأشـراط السَّاعـة) باب: (لا تقـوم السَّاعة حتَّى يمرَّ الرَّجـل بقبـر الـرَّجل فيتمنَّى أن يكـون مكان الميِّت مـن البلاء) برقم: (157).

(6) متَّفق عليه: أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب: (الفتن) باب: (تغيُّر الزمان) برقم: (7116)، ومسلم في صحيحه، كتاب: (الفتن وأشراط السَّاعة) باب: (لا تقوم السَّاعة حتَّى تعبد دوس ذا الخلصة) برقـم: (2906).

(7) متَّفق عليه: أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب: (المناقب) باب: (ذكر قحطان) برقم: (3517) وكتاب: (الفتن) باب: (تغيُّر الزَّمان حتَّى تعبد الأوثان) برقم: (7117)، ومسلم في صحيحه، كتاب: (الفتن وأشراط السَّاعــة) باب: (لا تقوم السَّاعة حتَّى يمرَّ  الرَّجل بقبر الرَّجل فيتمنَّى أن يكون مكان الميِّت) برقم: (2910).

(8) صحيح: أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: (الفتن وأشراط الساعة) باب: (لا تقوم السَّاعة حتَّى يمرَّ الرَّجل بقبر الرَّجل فيتمنَّى أن يكون مكان الميِّت من البلاء) برقم: (2920).

(9) متَّفق عليه: أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتـاب: (المناقب) باب: (علامات النُّبوَّة في الإسلام) برقم: (3609)، ومسلم في صحيحه، كتاب: (الفتن وأشـراط السَّاعة) باب: (لا تقـوم السَّاعة حتَّى يمـرَّ الرَّجل بقبــر الرَّجـل فيتمنَّى أن يكـون مكان الميِّت من البلاء) برقم: (157).

(10)  صحيح: أخرجه البخاري في صحيحه كتـاب: (الفتن) باب: (خروج النَّار) برقم: (7118).

(11)  صحيح: أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: (الفتن وأشراط الساعة) باب: (لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء) برقم: (2922).

(12) صحيح: أخرجه مسلم في صحيحه، كتـاب: (الفتن وأشراط السَّاعة) باب: (في فتـح قسطنطينيَّة وخروج الدَّجَّال ونزول عيسى بن مريم) برقـم: (2897).

(13) صحيح: أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: (الفتن وأشراط السَّاعة) باب: (لا تقوم السَّاعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب) برقم: (2894).

= وثمَّت مواضع أخرى تركتها اختصارًا، والعبـرة بفهم المراد من الاستدلال، ولا عِبرة بالزِّيادة بعد الإفهام إلَّا إذا أتت بفائدة يستفيد منها السَّامـع، وإلَّا كانت حشوًا لا فائدة منه.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله