أثر العلم في قبول العمل وردِّه
اعلموا يا كرام النَّاس أنَّ من الأهمِّيَّة بمكان أن يسعى المرء إلى تعلُّم أحكام دينه؛ فالجهل بالدِّين يُفسد على المرء حياته الإيمانيَّة، وسبل العلم متوفَّرة وكثيرة: منها القريب المباشر، ومنها البعيد بحجاب أو وسيلة، وقد أُقيمت الحُجَّة على العباد بتقدُّم وسائل التَّواصل وما نتج عنها من تقريب العلوم وتسهيلها، وأصبحت أعقدُ المسائل سهلة يتناولها راغبها ومريدها، فلا عذر لجاهل اليوم، ومع هذا ترى صدودًا وانصرافًا من النَّاس عن تعلُّم أمور دينهم عامَّة.
إنَّ الجهل بأحكام النُّسك يجعل المرء متخبِّطًا لا يدري ماذا يفعل، ولا يأتي لجاهل عمل صالح كامل، فالعلم يضمن المعرفة الصَّحيحة السَّليمة، والعمل الصَّالح الكامل، ويجدر بالمُهاجر إلى الله تعالى من خلال رحلة النُّسك الإيمانيَّة أن يتعلَّم ما به يصحُّ نُسكُه وعملُه؛ فإنَّه يُقدِّم عملًا لله تعالى، فليكُن على الوجه الأكمل ما أمكنه، وإنَّ رجلًا يعمل دون بذل الأسباب الدَّالَّة على سلامة العمل واستقامته لَمعدود في جملة المقصِّرين المُهملين، وبالتَّالي يفقد المرء عُنصرًا قويًّا من عناصر قبول العمل، ألَّا وهو إقامته على النَّحو الأتمِّ.
إنَّ انطلاق النَّاسك من بلاده إلى بلاد الحرمين الشَّريفين لأداء النُّسك دون علم بطريقته، وما ينبغي فعله، وما يلزم تركه، مفسدة عظيمة تُبدَّد بسببها الأموال والجهود؛ فليحرص المرء على تعلُّم الأحكام اللَّازمة لأداء النُّسك حتى يسلم به العمل، وتُحفظ عليه الجهودُ والأموال، ولا يصحب الجهل والعشوائيَّة في أمور العبادة، بل يبذل جهده في إزالة الجهل وتنوير العقل بالمعرفة.
ما لا يسع النَّاسك أن يجهله
ومن الأحكام التي يحتاج النّاسك تعلُّمها غير المناسك وطريقة أدائها، أحكام قصر الصَّلاة وجمعها، وأحكام الصَّيد، وخصائص مكَّة والمدينة وآدابهما، وما يتعلَّق بجبل أحد، وبعض أحداث السِّيرة النَّبويَّة التي تُعين على التَّأثُّر المكانيِّ والزَّمانيِّ، وأسماء أبرز الصَّحابة رضي الله عنهم ممَّن لهم جهود في الإسلام، وهكذا؛ حتى ينتفع المرء من عمرته إيمانيًّا؛ فإذا علم أدَّاها على أكمل وجه، وكلَّما مرَّ بمَعلم أو موقف تعرَّف على شيء من خبره، فكلُّ هذا يبعث في القلب التَّفاعل والتَّأثُّر والاستفادة.