حكم الإجارة المنتهية بالتَّمليك
للجواب أقول في نقاط:
1- الأصل في المعاملات الحلُّ ما لم يرد دليل بالحرمة أو تشتمل المعاملة على محظور أو ممنوع يُخرجها عن الحلِّ والإباحة إلى الحرمة والمنع لا لذاتها بل لما اشتملت عليه من محظور؛ قال تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا} [البقرة: 29] وقال سبحانه: {وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْۚ} [البقرة: 275]
2- الأصل في المعاملات الإفراد لا الجمع؛ فلا يجوز إبرام عقد بمعاملتين مختلفتين على عين واحدة في زمن واحد، فالإجارة معاملة، والبيع معاملة أخرى، فلا يجتمعان.
3- تجوز الإجارة المنتهية بالتَّمليك - باتِّفاق الفقهاء - إذا انفصل زمن الاتِّفاق بتحويل العقد من الإجارة إلى البيع في نهاية مدَّة الإجارة بعقد وثمن جديدين منفصلين؛ وبالبيع يبطل عقد الإجارة السَّابق.
4- لا يجوز اجتماع معاملتي الإجارة والبيع في عقد واحد؛ لأنَّه من باب البيعتين في بيعة، والشَّرطين في شرط، والصَّفقتين في صفقة، وقد نُهينا عن ذلك كما عند أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة" » [1]
5- يُشترط لجواز الإجارة المنتهية بالتَّمليك شروط خمسة:
أ. انفصال العقدين زمانًا، بحيث يكون البيع في نهاية مدَّة الإجارة، أو يقع وعد بالتَّمليك بعد زمن معلوم، دون تمليك فعليٍّ حتى يحين الزَّمان المذكور، ومنح المستأجر خيار الشِّراء والمالك خيار البيع دون إلزام به لكلٍّ منهما.
ب. تحقُّق الإجارة فعليًّا، فلا تكون صوريَّة تهدف إلى تحليل المعاملة بحيلة تستر البيع، وفعلها يدخل في باب التَّلاعب بالأحكام والتَّساهل في أكل الرِّبا؛ قال تعالى: {وَلَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ هُزُوٗاۚ} [البقرة: 231] وقال تعالى: {وَلَئِن سَأَلۡتَهُمۡ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلۡعَبُۚ قُلۡ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمۡ تَسۡتَهۡزِءُونَ * لَا تَعۡتَذِرُواْ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡۚ} [التوبة: 65-66]
ج. ضمان المالك للعين المستأجرة بصيانتها الدَّوريَّة، وتأمينها تأمينًا شرعيًّا، وتحمُّلها إذا وقع لها تلف ليس للمستأجر فيه يد أو تعدٍّ، وعدم اشتراط غرامة تترتَّب على تأخير الدَّفع لربويَّة ذلك.
د. إخضاع العقد في وقت الإجارة لجميع أحكام الإجارة في الفقه الإسلاميِّ دون استثناء، ولأحكام البيع في وقت البيع؛ لأنَّ المعاملتين مختلفتان زمنًا ومعنًى وأثرًا، فلا يضمن ولا يتحمَّل صيانة زمن الإجارة، وفعل شيء من أحكام البيع في زمنها يُؤكِّد حقيقة فساد المعاملة، ويدلُّ على خبث الأطراف المتعاملة بالحرام من أجل تذويقه أو تلفيقه أو التَّستُّر عليه.
هـ. تعيين ثمن للبيع وقت البيع بما يُناسب سعر السُّوق يختلف عن ثمن الإجارة، وعدم احتساب ثمن الإجارة كثمن للبيع؛ لأنَّها حِيلة انقلبت بها الإجارة بيعًا.
فوائد مهمَّة متعلِّقة بالسُّؤال:
1- يجوز أن يهب المالك العين للمستأجر بعد تمام مدَّة الإجارة في عقد مستقلٍّ؛ لأنَّ الهبة خرجت عن معنى البيع.
2- يجوز للمالك في عقد الإجارة منح المستأجر خيار الشِّراء للعين بعد تمام مدَّة الإجارة والوفاء بجميع المستحقَّات عنها، أو قبل بلوغ نهاية المدَّة بفسخ عقد الإجارة، وإنشاء عقد البيع، ويكون البيع حينئذ بسعر يومه في العرف التِّجاريِّ، وهو وعد بالبيع، ويُعرف بـ: (البيع بدفعة أخيرة) وهي غير محدَّدة في العقد الأوَّل لخضوعها لسعر يوم البيع.
3- ورد مضمون ذلك في قرار رقم: 110 (4/12) الصَّادر عن مجمع الفقه الإسلاميِّ الدَّوليِّ المنبثق من منظَّمة المؤتمر الإسلاميِّ في دورته الثَّانية عشرة بالرِّياض - المملكة العربيَّة السُّعوديَّة (23 : 28 سبتمبر 2000م) [2]
4- من العلماء من منعها مطلقًا، ومنهم من أجازها مطلقًا، والقول مع من توسَّط باعتماد الضَّوابط المذكورة، وخلاصته: جواز هذه المعاملة إذا كانت الإجارة حقيقيَّة، مع وعد بالتَّمليك ومنح الخيار للمتعاقدين في نهاية المدَّة للبيع بعقد وثمن جديدين، أو بالهبة والعطيَّة.
والله أعلم وأحكم، وهو أعزُّ وأكرم