ما حكم تخصيص منتصف شعبان بصيام؟
الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.
سؤال:
وبعد: فقد وجَّه إلي بعض الفضلاء سؤالًا مضمونه: ما حكم تخصيص يوم النِّصف من شعبان بالصِّيام؟
وللجواب أقول:
إنَّ الصِّيام من أجلِّ الأعمال وأعظمها لما له من أثر على القلب؛ فإنَّه يُعلِّم الصِّدق، ويُدرِّب على الإخلاص، ويورث المراقبة؛ ولذا كان من العبادة الإيمانيَّة التي حثَّ عليها الإسلام العظيم، ورغَّب في الصِّيام في كلِّ وقت باستثناء أيام حرَّم صومها، وهي أيام العيدين والتَّشريق؛ ففيه أكل وشرب وذكر لله تعالى؛ فالفطر هنا من إظهار الشَّعائر، فلم يجز الصَّوم، ويُضاف إلى ما يُنهى عن صومه يوم عرفة للحجيج بأرض عرفات؛ لأنَّ يُضعف، وهذا يوم الجهاد والملاحم، ويحتاج إلى قوَّة وطاقة لا تتحقَّق بالصَّوم.
ومن الأيام التي رغَّب الشَّارع في صومها أيَّام شهر شعبان المبارك؛ لأنَّها تسبق رمضان ففي صومها تدريب للمرء على حسن صيام شهر القرآن رمضان، كما أنَّه شهر الغفلة يقع بين رجب الحرام ورمضان المعظَّم فيغفل عنه النَّاس؛ قال ابن بطَّال - رحمه الله -: "إنَّما كان يُكثر ﷺ من صيام شهر شعبان؛ لانشغاله بسبب سفره، أو نحوه عن صيام الأيَّام الثلاثة من كلِّ شهر؛ فيصوم الأيَّام التي فاتاه كلَّها في شعبان، وقيل إنَّ صيامه شعبان كان تعظيمًا لرمضان، وقِيل إنَّه كان يصوم مع زوجاته اللَّاتي كُنَّ يقضين ما عليهنَّ من رمضان في شعبان"
ومن جميل ما حرَّره الحافظ ابن رجب - رحمه الله -: "صيام شعبان أفضل من صيام الأشهر الحرم، وأفضل التَّطوُّع ما كان قريبًا من رمضان قبله وبعده، وتكون منزلته من الصِّيام بمنزلة السُّنن الرَّواتب مع الفرائض قبلها وبعدها، وهي تكملة لنقص الفرائض، وكذلك صيام ما قبل رمضان وبعده، فكما أنَّ السُّنن الرَّواتب أفضل من التَّطوُّع المطلق بالصَّلاة، فكذلك يكون صيام ما قبل رمضان وبعده أفضل من صيام ما بَعُد عنه"
فقد كان إحياء شهر شعبان بالصِّيام من هدي النَّبيِّ ﷺ؛ ففي الصَّحيحين عن أمِّ المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول لا يُفطر، ويُفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان" وعند النَّسائيِّ وعن أسامة بن زيد - رضي الله عنهما - قال: قلت يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشُّهور ما تصوم من شعبان، فقال ﷺ: "ذاك شهر تغفل النَّاس فيه عنه، بين رجب ورمضان، وهو شهر تُرفع فيه الأعمال إلى ربِّ العالمين، وأحبُّ أن يُرفع عملي وأنا صائم"
وبناءً على ما سبق أقول:
إنَّ صيام شهر شعبان مسنون ومرغَّب فيه، فمن أخذ بالهدي النَّبويِّ فيه فليصم جلَّه، ومن أخذ بالهدي النَّبويِّ في العام فليصم أيَّامه البيض (13، 14، 15)، ومن أخذ بالهدي النَّبويِّ الأسبوعيِّ فليصم الاثنين والخميس، أمَّا أن يترك هذا الهدي الثَّابت كلَّه فيصوم يوم النِّصف من شعبان متمسِّكًا بالحديث الضَّعيف الذي رواه ابن ماجه بلفظ: "إذا كانت ليلة النَّصف من شعبان، فقوموا ليلها، وصوموا نهارها؛ فإنَّ الله ينزل فيها لغروب الشَّمس إلى سماء الدُّنيا، فيقول: ألا من مستغفر فأغفر له، ألا مسترزق فأرزقه، ألا مبتلى فأعافيه، ألا كذا ألا كذا، حتى يطلع الفجر" والحديث ضعيف محكوم عليه بالوضع من أكثر أهل العلم، ولا تثبت الأحكام التَّخصيصيَّة إلَّا بحجَّة ودليل، فالصِّيام كحكم عامٍّ تؤيِّده الأدلَّة، بخلاف من لم تكن له عادة من صيام، ثمَّ رغب في صيام يوم النِّصف من شعبان لأجل اعتقاده الأفضليَّة، فالخطأ في فعل الصِّيام مع اعتقاد أفضليَّته في هذا اليوم.
وخلاصة القول: لا يُوصى من لم يكن الصِّيام له عادة بإفراد يوم النِّصف من شعبان بالصِّيام؛ فكلُّ عمل لا يُوافق الهدي النَّبويَّ فمردود؛ قال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الفرقان: 63] وفي الأثر الذي أخرجه البيهقيُّ أنَّ سعيد بن المسيِّب رأى رجلًا يُصلِّي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين يُكثر فيها الرُّكوع والسُّجود فنهاه. فقال: يا أبا محمد، أيُعذِّبني الله على الصَّلاة؟! قال: لا، ولكن يُعذِّبك على خلاف السُّنَّة"
والله أعلم وأحكم وهو أعزُّ وأكرم