الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

النَّتائج الميدانيَّة المترتِّبة على ذيوع التَّبرُّج

النتيجة الأولى: كثرة ظاهرة العنوسة: ومعناها بقاء الفتاة في بيت أبيها دون زواج حتى تتجاوز السن التي فيها يُقبل الرجال عليها، وقد كثرت هذه الظاهرة وانتشرت حتى صارت مهددة لكيان المجتمع كله؛ لأنها أسفرت عن انسلاخ بعض من وقعن فيها من الفتيات من كل معالم الحياء؛ فسارعن في إظهار زينتهن في محاولة منهن لجلب أنظار الشباب إليهن لغرض الإغراء والزواج ونحوه.

ولعلَّ سبب كثرة العنوسة يكمن فيما يلي:

الأوَّل: تعسُّف أولياء أمور الفتيات في قبول من يتقدم لبناتهن، أو الإثقال على المتقدم من الشباب بكثرة المتطلبات؛ ظنا منهم بأنه ما تقدم لها إلا من باب الطمع في مالها، أو حسبها، أو عدم مناسبته لمستواهم المادي؛ فإنَّ بعض الأولياء قد خانوا الأمانةَ التي حُمِّلوها حين منعوا بناتهم من الزواج من الأكفاء دينًا، وخُلقًا، وأمانة، فقد يتقدَّم إليهم الخاطب الكفء فيعتذرون له بأعذار واهية، ويشترطون أمورا شكلية، وجوانبَ كمالية لا تمنع الزواج - شرعًا - فيسألونه عن مالِه، ووظيفتِه، وشهادته، ووجاهتِه ومكانته، ويَغفُلون أمرَ دِينه، وخلقه، وأمانته، ويتساهلون في شأن كبائر الذنوب كترك الصلاة؛ متحججين بأن دينه لنفسه، ودنياه لابنتنا!! أي خبل هذا؛ إن الخوف ممن لا يخاف الله من صفات العقلاء؛ كيف يأمن الرجل على ابنته وهي في كنف رجل لم يخف من ربه ابتداء؟!!

واعلم أنَّ في منع المرأة من تزويجها بكفئها ثلاث جنايات:

1 - جناية الوليِّ على نفسه بمعصية الله ورسوله.

2 - جناية على المرأة حيث منعها من كفئها الذي رضيته.

3 - جناية على الخاطب حيث منعه من حق أمر الشارع بإعطائه إياه.

الثَّاني: حرص ولي أمر الفتاة على الإبقاء عليها دون زواج طمعا في راتبها إذا كانت عاملة، أو مالها إذا كانت وارثة، أو يحتفظ بها لمن يدفع أكثر، وكأنها سلعة لا تهمه سعادتها؛ وإنما يهمه ما يجنيه من مال، فيسوقه حرصه إلى التعسف مع المتقدمين لخطبتها من الأكفاء حتى يمل الناس التقدم لها، ويظفر وليها بهدفه الخبيث، وتمر السنوات عليها حتى يكبر سنها، ويُعرض الناس عنها، فكم من حرة مصونة عضلها أولياؤها وظلموها فتركوها بدون زوج ولا ذرية، وكم من امرأة ألجأها ذلك إلى الاستجابة لداعي الهوى والشيطان؛ فَجَرَّت العار والخزي على نفسها، وأهلها!!

الثَّالث: رفض الفتاة لكل من يتقدم لخطبتها لارتباطها بعلاقة مع غيره مع انتظارها له فإذا ضحى بها هذا الذئب فوجئت بإعراض الناس عنها.

الرَّابع: تأجيل زواجها إلى حين فراغها من التعليم بحجة أن الزواج سوف يشغلها عن متابعة دراستها، فإذا انتهت من الدراسة لم يتقدم إليها أحد بسبب تقدم سنها، لا سيما إن طالت الدراس عن حدود المعهود.

الخامس: فساد سمعة أهل الفتاة من تضييعهم للدين، وانحرافهم عن أخلاق المجتمع وآدابه، فيحجم الناس عن التقدم لخطبتها لعلمهم بفساد أهلها؛ وهم أخوال أولاده فيما بعد، وقد دل على ذلك ما رُوِي عند الدارقطني - في الأفراد وأعله - عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إياكم وخضراء الدمن» قالوا: "وما خضرء الدِّمن يا رسول الله؟" قال: «المرأة الحسنة في المنبت السوء».

السَّادس: اشتهار مغالاة ولي أمر الفتاة على المتقدمين للزواج بابنته مما تسبب في إحجام كثير من الشباب الفقراء على التقدم للزواج بها؛ لمعرفتهم بمغالاته التي لا تتناسب مع واقعهم الاجتماعي والاقتصادي.

السَّابع: جهل الناس بوجودها أصلا؛ بسبب التحفظ الشديد على الفتاة من قبل أهلها عن طريق التضييق عليها في الخروج بحجة قوله تعالى: ﴿وَقَرنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:33] فلا يسمحون لها بالخروج من بيتها، ولا يسعون لتعريف الناس بها بالطرق المشروعة، وهم في غفلة من النصوص التي جوزت خروج المرأة من بيتها للصلاة، وحضور مجالس العلم، وشهود العيد، وقضاء الحاجة.

الثَّامن: إقبال كثير من الشباب على الزواج بالأجنبيات؛ كالمغتربين في أرجاء البلاد للعمل، والتكسب، والسعي على الرزق؛ فمنهم من يُقرر الزواج والبقاء في تلك البلاد؛ لتيسيرهم في تكاليفه، وجمال نسائها، ومنهم يتزوج منهم دون البقاء فيهم، فيعود إلى أوطانه ومعه زوجته، وهذا أمر يؤثر سلبا على نساء بلده؛ لأن الإحصائيات العالمية تؤكد أن عدد النساء أكثر من عدد الرجال؛ وقد أخبر النَّبي ﷺ عن ذلك؛ ففي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قال: "لأحدِّثنَّكم حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ لا يُحدِّثكم به أحد غيري، قد سمعت من رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ من أشراط السَّاعة أن يُرفع العلم، ويكثر الجهل، ويكثر الزِّنا، ويكثر شرب الخمر، ويقلَّ الرِّجال، ويكثر النِّساء، حتى يكون لخمسين امرأة القيِّم الواحد"

     بل ومن الشباب المسلم من يحرص على الزواج بأهل الكتاب مترخصا في ذلك بنصوص شرعية، وفعل بعض أصحاب النبي  ولا يخفى على شريف علمكم أن المسألة خلافية بين أهل العلم، ولعل الأنسب في هذا المقام أن نذكر وجاهة قول من أنكره ومنعه معللا ذلك ببقاء نساء المسلمات دون زواج، وأنهن أولى بالعفاف والتحصن، وكان عمر يكره نكاح الكتابيات؛ لئلا تجر المؤمن إلى دينها.

وإلى هؤلاء الأولياء أقول: اعلم أن الله تعالى لم يجعل لك الولاية على الفتاة لتعضلها وتحرمها من الزواج بمن يناسبها دينا وأخلاقا؛ بل لقد نهاك عن كل ما من شأنه أن يؤدي لذلك فقال سبحانه: ﴿فَلَا تَعضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحنَ أَزوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوا بَينَهُم بِالمَعرُوفِ﴾ [البقرة:232] وقال عز وجل: ﴿وَلَا تُكرِهُوا فَتَيَاتِكُم عَلَى البِغَاءِ إِن أَرَدنَ تَحَصُّنًا لِتَبتَغُوا عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنيَا﴾ [النور:33] فإن مهمة ولي أمر الفتاة تكمن في سعيه لتيسير أمورها، والقيام بما ينفعها، والتحدث على لسانها في محضر الرجال؛ تكريما لها؛ حتى لا تُهين نفسها أمامهم، وليست مهمته أبدا في الاعتراض على من وافقت عليه مع استقامته، وسلامة أخلاقه، وقدرته على القيام بحقوقها، وتحمل الإنفاق عليها.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله