الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

انتقال الطالب من مجموعته الأسباب والآثار

التوافق والنفور بينهما يَصنع الحافظ:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.

وبعد: فإن توزيع الطلاب على المجموعات من أهم وأعظم الخطوات التي تمر بها العملية التعليمية القرآنية؛ فوضع الطالب المناسب مع المعلم الأنسب تضمن قوة المخرجات التعليمية لما يحصل بين الطرفين من انسجام وتوافق نفسي وتعليمي يؤثر إيجابا في المُخرج التعليمي؛ لذا كان التوجيه للقائم بالتقسيم أن يُراعي بعض المعايير التي تضمن حصول التوافق وعدم النفور، ومنها:

1 - التوافق النفسي بين الطرفين من خلال وضع الطالب مع من يغلب على الظن الانسجام معه من المعلمين؛ بأن يكون من دولته، أو مدينته، أو يحمل نفس مؤهله التعليمي.

2 - التوافق الزمني من حيث وجود فارق عمري مع المعلم يسمح بقبول الطالب لأوامره ويستجيب لوصاياه وتعليماته، وكذلك التوافق في وقت الفراغ بينهما؛ ليسهل الاتفاق على موعد.

إن عدم رعاية مثل هذه الضوابط أثناء التقسيم يفتح بابا واسعا لطلب التغيير والنقل والانتقال من مجموعة إلى أخرى بسبب عدم التوافق الشامل بين طالب ومعلمه؛ فيمكن للمشرف العلمي أن يتجنب هذا كله من بداية الأمر بحسن التقسيم فهذا يساعد بصورة كبيرة في عدم حصول مشكلات الانتقال.

إن انتقال الطالب من مجموعته الأصلية إلى مجموعة أخرى له صورتان:

الأولى: النقل؛ حيث ترى الإدارة أو هيئة الإشراف نقل الطالب من مجموعته لسبب وجيه كوضعه مع مجموعة تتناسب مع مستواه؛ ليسهل التوفيق بينهما في الأقران أو الفعاليات، أو للاطلاع على ما يؤكد قوة العلاقة بينه وبين معلمه مما جعل العلاقة بينهم تتسم بالتجاوز أو العفوية لقوة الصحبة، فيرى المسئول المتابع ضرورة النقل؛ رعاية لصلاح الطالب، والعناية بهيبة المعلم، ونحو هذا من الأسباب التي يصدر القرار من الجهة الأعلى بنقل طالب من مجموعته إلى مجموعة أخرى دون أن يكون لأحد الطرفين دخل في النقل بطلب أو التماس.

الثانية: الانتقال؛ حيث يطلب أحد الطرفين مفارقة صاحبه لعدم وجود التوافق بينهما؛ وقد يحصل من المعلم فيكون طلبا، أو من الطالب فيكون التماسا، ويُقدَّم من كليهما للجهة الأعلى (الإشراف العلمي) للنظر وإبداء الرأي، ولابد أن يكون مدعوما ببيان سبب وجيه لا يجد مجال للرد الطلب أو الالتماس معه، وهذه المرحلة دالة على فساد ما بين الطرفين بما لا يمكن معه البقاء، وحصول التفرقة أفضل للنفس، وأنشط للعقل، وأقوم للعمل، وأصدق في المصارحة.

وطلب المفارقة مع حصول داعيها وارد في القرآن الكريم ومن ذلك ما يقع بين الزوجين من اختلاف في الحياة مع محاولة الإصلاح وترميم البيت حتى لا يسقط، كالوعظ، والنصيحة، والهجر في المضاجع، وتحكيم الأهلين، وبعد أن تبوء كافة هذه المحاولات بالفشل يأتي الطلاق والفراق ليكون حلا لما لا حلَّ له، فالفراق واجب حين تستحيل الحلول؛ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٣٠] والمتتبِّع لقصة موسى والخضر عليهما السلام يرى أنهما فقد تصاحبا مدة يسيرة لم تتجاوز رحلة الصبر التي انطلقا فيها من البحر وانتهيا عند الجدار، وحصل فيها من الأحداث الضخمة ما حرك لسان نبي الله موسى عليه السلام بالاعتراض على ما وقعت عينه عليه، حيث ظهر له من الأمر شيء وخفيت عليه أشياء، فوقع في مخالفة الشرط الذي وضعه الخضر عليه السلام قبل بدء الرحلة لتمام الصحبة؛ حيث قال: ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٧٠] فما كان من الخضر عليه السلام إلا تنفيذ ما تضمنه مفهوم الشرط بالمفارقة في حال عدم التقيُّد بما ورد في عقد الصحبة المُبرَم بينهما، فقال بعد كثرة الاعتراض لخفاء العلة: ﴿قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨] ويُستفاد من هذا النص الشريف ما يلي:

أوَّلًا: ضرورة قيام المعلم ببيان منهجيته للطالب قبل انطلاق قطار التعلُّم والالتزام بالتواصل النفسي والمعرفي بينهما؛ فإن كثيرا لا يتمكن من إدراك منهجية المعلم فيحصل بينهما من النفور ما يكون سببه الأكبر= عدم إدراك فلسفة التعامل معه، لغموض المنهجية والطريقة التي يعتمدها المعلم في التعليم، فقد حرص الخضر عليه السلام على بيان منهجه الذي وضعه في صورة شرط لاستمرارية المصاحبة.

تابع الفوائد من قصة موسى عليه السَّلام والخضر:

ثانيًا: حسن قراءة المعلم للطالب من وقت مبكر؛ فإن المعلم المبدع هو من يستطيع قراءة طالبه من أول لحظة، من خلال محادثته، ومناقشته، ومحاورته بهدف الوقوف على شخصيته، وما يترتب عليها من توقعات عملية، ومن ثم يقوم المعلم بوضعه في ميزان القبول؛ لينظر هل سيجد توافقا مع هذا الطالب أم لا، وبناء على ذلك يُقدِّم طلبا للإشراف العلمي بالرغبة في التغيير قبل انطلاق العمل بينهما، مع تأييد الطلب بالأسباب والتوجيه، وهذا هو ما فعله الخضر عليه السلام حيث علم منذ أول لحظة أن نبي الله موسى عليه السلام لن يصبر معه، لما أدركه من صعوبة إدراك البشر مادة التعلم التي ستقع منه لتعلُّقها بالغيب، ومخالفتها ما جرى عليه العمل الناس، فلا سبيل لتمريرها إلا بالوحي والمعرفة؛ فقال: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٧].

ثالثًا: بذل الطالب لمحاولات التكيُّف مع المعلم من خلال طول النفس، وحسن الظن، والتماس العذر، والتلطف في النقد، ورعاية المقام؛ فقد يقع من المعلم بعض الأمور التي لا يّدرك الطالب صوابيتها؛ لقلة خبرته، أو رغبته في مخالفتها؛ كأن يوقف المعلم الطالب عن حفظ الجديد للمراجعة والتثبيت، فيغضب الطالب من المعلم ويسعى للانتقال من عنده ومغادرته، ولو أنه صبر لكان خيرا له، وهذا ما حاوله موسى عليه السلام حيث كان يعتذر ويعد الخضر عليه السلام بالصبر والتأني، وإمكانية المفارقة إذا تكرر الاعتراض.

رابعًا: ألا يسمح الطرفان بتحكم القناعة فيهما وتوقف التعاون بينهما خوفا من فساد العمل بسبب ما هو متوقع من سلوك؛ فعلى الرغم من تحقق اليقين عند الخضر عليه السلام بأن موسى عليه السلام لن يستطيع الصبر معه لم يمتنع من الصحبة، بل أذن له في صحبته حتى يتأكد الظن أو ينتفي بالواقع الميداني والتجربة؛ فقال تعالى: ﴿فانطلقا... ﴾ فالمتميز هو من يخوض الميدان حتى لا تتجلَّى له النتائج، ومن ثم يستمر أو يتراجع وهو في بدايات العمل.

خامسًا: سعي الطرفين إلى الانطلاق والجدية حتى تظهر نتائج التعاون العلمي بينهما، فالمسارعة والانطلاق من وسائل التميُّز التي يستعملها الناجحون؛ لأنهم يصنعون طقوسهم بأيديهم، ويأخذون بالجد للوصول إلى معالي الأمور، ولهذا تكرر لفظ: (الانطلاق) مع كل مرحلة من مراحل رحلة الصبر.

سادسًا: التفرقة بين الطرفين غير المتكيِّفين بعد محاولة الجمع بينهما بتقريب المسافات، وإزالة الحواجز، وعلاج المشكلات، فإن استمراريتهما مع التفرقة أولى من فقدهما بسبب الإصرار على الجمع بين المتنافرين؛ فإن الطالب لن يتعلَّم إلا إذا سلمت نفسه نحو معلمه، وحصل له التعلُّق الإيجابي بمعلمه، والعكس كذلك، فالمعلم المحب أكثر نفعا لطالبه؛ لذا تم التفرقة بين الخضر وموسى عليهما السلام حيث قال: ﴿قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨]

سابعًا: ضرورة إزالة ما قد يعلق بالقلوب من آثار نتجت بسبب المفارقة بين الطرفين؛ فلا ينبغي للمشرف أن يُسارع في التفرقة بين طرفي العملية التعليمية، بل يتدرج من خلال الخطوات التالية:

١ - الاستماع من كل طرف على حده؛ لتكوين معلومات الموضوع لوضع الحلول المناسبة لكل جزئية ذكرها كل طرف من الطرفين.

٢ - الجمع بين الطرفين بهدف مناقشتهم في محتوى ما تم الاستماع إليه في الجلسة المفردة، وفيها تظهر الأمور على حقيقتها، وتتضح الأسباب بجلاء؛ لأن كلا منها يسعى للمصارحة والوضوح.

٣ - أخذ القرار المناسب من خلال تكوين الرأي بعد جلسة جمع المعلومات، وجلسة الحوار والمناقشة الثلاثية، وتصديره في نهاية اللقاء الجمعي، مع طلب صفاء القلب، وسلامة الصدر، وقد يأتي القرار بالتفرقة، أو لا على ما يتناسب مع الموقف القائم.

ومن أهم أسباب السعي للانتقال:

أولا: أسباب طلب المعلم انتقال الطالب:

١ - سوء أدب الطالب وعلوُّ نبرة صوته على المعلم، مع ما يحصل من بعضهم من الأنفة والكبر، يوصِّل إلى زهد المعلم في الطالب.

٢ - تراجع مستوى الطالب في الحفظ، وإهماله في التحضير والحضور يسوق بعض المعلمين إلى طلب نقل الطالب لعدم جدوى البقاء، وربما يكون السبب عجز المعلم عن استخراج مكنونات التميُّز من الطالب.

٣ - ضيق وقت المعلم ورغبته في تخفيف المجموعة على حساب طالب يرى أنه لا يتناسب معه لمستواه، أو لاختلاف وقتيهما.

٤ - الصداقة بين الطرفين لدرجة تصل إلى رفع التكليف بينهما مما يترتب عليه سقوط الهيبة بينهما، فيتأثر مستوى الطالب سلبا بهذا، فيكون النقل أفضل علاج.

ثانيا: أسباب التماس الطالب للانتقال:

١ - النفور النفسي من المعلم بسبب شعور الطالب منه بعلوِّ أو تكبُّر أو تهكُّم قد يقع من البعض بسبب عدم إدراك نفسية الطالب، أو اختلاف بيئة الطرفين، أو تعدد مناهجهما في المعاملة.

٢ - تقصير المعلم في التحفيز والدفع مما يوصِّل الطالب إلى درجة من الملل من البقاء مع المعلم ورغبته في الانتقال؛ طلبا لمعلم يجد عنده بغيته ومقصده.

٣ - جمود المعلم وعدم إبداعه في التعليم، فيشعر الطالب بنوع من الخمول والكسل لاعتياد طريقة المعلم، وتوقُّع سلوكياته، فيسعى الطالب للتغيير رغبة في التنشيط ورفع الهمة.

٤ - ضعف أمانة المعلم في المتابعة والتعليم أثناء العرض والاستماع، فمنهم من ينام، أو يشرد، أو يتكلم مع من بجواره دون الانتباه للطالب أثناء العرض مما يصعب معه المتابعة الدقيقة من المعلم، فيقع الطالب في الأخطاء دون الظفر بالرد مما يُشعره بخيبة أمل، وضياع الوقت في العرض مع تمرير الأخطاء بسبب افتقاد المعلم أثناء العرض، وهذا من أهم الأسباب التي تُزهِّد الطالب في المعلم وإن كان أعلم الناس.

٥ - شعور الطالب بعدم حرص المعلم عليه حيث لا يلتزم بوقته بداية ونهاية، ولا يمنحه كامل وقته، ولا يُعنَى بتعويض ما فاته، ولا يُتابعه برسالة تحفيزية ولو طال البعد لإجازة رسمية ونحوها، فتحصل فجوةٌ نفسيةٌ بينهما تتسبَّب في النفور وطلب الانتقال.

فاحذر أيها المعلم أن تكون سببا في نفور طالب من ميدان القرآن الكريم الفسيح فليسعه حلمك، وليحتويه قلبك، وكن عونا له على نفسه، واجذبه إلى القرآن الكريم فإن الفتن تتجاذبه، وأهل الباطل يودون أن لو ظفروا به، والمنتصر منكما من طال صبره، وزاد حلمه، وسعى لمواصلة مد يد العون لانتشال من أوشك على هجر طريق القرآن، فإنك لا تدري في أي طلابك البركة؛ فلا تزهد في أحدهم، وأحسن إلى مجموعهم، وعالج قصورهم بالصبر والحلم والأناة، واقبل منهم ما تجود به قرائحهم، وتتفضل به عقولهم، واعمل على تنميتهم، فالله يتول الصالحين، ولا يضييع أجر المحسنين، ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون.

واحذر أيها الطالب أن يُزين لك الشيطان ترك باب القرآن بأجل خطأ وقع من شيخك فكل بني آدم خطَّاء، فلا تتمادى معه في تتبع عورات معلمك، فكلما ذاكم المقصر المذنب، واحرص على هجر مواطن الزلل دون تتبع؛ فإنك إن اتبعت الريبة في معلمك فسد وده في قلبك، وسقطت هيبته في نفسك، وحال الشيطان بما يزينه لك بينك وبين الانتفاع بعلمه، فكن حصيفا لبيبا واعذر شيخك إذا تعثَّر، ولا تبادر بتركه ومغادرته بمجرد وقوعه في خطأ لم يظهر لك فيه عذره، ولم يطاوعك قلبك على مسامحته لأجله، فقد لا تجد في المعلم الذي تنتقل إليه بغيتك الكاملة، أفتقضي حياتك كلها متنقلا بين المعلمين والمشيخة؟! فاثبت على معلم وتحمل ما به فلن يسلم أحد من نقد عاجل أو آجل.

وختاما: أوصي الأطراف المتشاركة في العملية التعليمية القرآنية بضرورة التماس الأعذار التي يُمكن قبولها؛ فكل فرد عنده من الأعذار ما تفرضه عليه الظروف والأحداث، وحين تظهر هذه الأسباب يتقبَّلها كافة المشاركين؛ لذلك يحسُن تقديم الاعتذار في كل موقف يحصل يكون سببا في انصراف عضو من أعضاء العملية التعليمية عنها، مع مخاطبة الباقين بقبول العذر طالما كان مقبولا.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله