التَّوراة كتاب سماويٌّ طالته يد التَّحريف
القرآن الكريم يُثبت تحريف الكتب السَّماويَّة
لقد طالت يدُ التَّحريف التَّوراة، وقد أثبت القرآن الكريم تحريف الكتب السَّماويَّة المنزَّلة على أهل الكتاب، ومعناه أنَّ التَّحريف وقع قبل نزول القرآن الكريم؛ قال الله تعالى: {أَفَتَطۡمَعُونَ أَن يُؤۡمِنُواْ لَكُمۡ وَقَدۡ كَانَ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَسۡمَعُونَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعۡدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ} [البقرة: 75] وقال جلَّ ذكره: {مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا وَٱسۡمَعۡ غَيۡرَ مُسۡمَعٖ وَرَٰعِنَا لَيَّۢا بِأَلۡسِنَتِهِمۡ وَطَعۡنٗا فِي ٱلدِّينِ} [النِّساء: 46] وقال سبحانه: {يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦۚ} [المائدة: 13] وقال عزَّ وجلَّ: {يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ مِنۢ بَعۡدِ مَوَاضِعِهِۦۖ يَقُولُونَ إِنۡ أُوتِيتُمۡ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمۡ تُؤۡتَوۡهُ فَٱحۡذَرُواْۚ} [المائدة: 41] قال الطَّاهر بن عاشور رحمه الله: "والتَّحريف... هُنا مُستعملٌ في الميل عن سواءِ المعنى وصريحِه إلى التَّأويل الباطل... فهو على هذا تحريف مُرادِ الله في التَّوراة إلى تأويلاتٍ باطلة، كما يفعلُ أهل الأهواء في تحريف معاني القرآن بالتَّأويلات الفاسدة، ويجوز أن يكون التَّحريف مُشتقًّا مِن الحَرف وهو الكلمةُ والكتابةُ، فيكونُ مُرادًا به تغيير كلماتِ التَّوراة وتبديلها بكلماتٍ أخرى لتُوافِق أهواءَ أهل الشَّهوات في تأيِيد ما هم عليه من فاسد الأعمال، والظَّاهر أنَّ كلا الأمرين قد ارتكبه اليهودُ في كتابهم" [1]
عقيدة المسلم في تحريف الكتب السَّماويَّة
فقد ثبت بما لا مجال فيه للشَّكِّ أو الارتياب أنَّ أهل الكتاب قد حرَّفوا كتُبهم تحريفًا حقيقيًّا بما تعنيه الكلمة من معنى التَّحريف بالخروج بلفظه ومعناه عن كلام ومُرادِ الله تعالى؛ لذلك لم يجُز للمسلم أن يعتمِد على كتُبهم في شيءٍ لحصول التَّحريف فيه مع صعوبة الوقوف على ما أدخلوه وألحقوه بكتُبهم من كذبٍ وتكذيبٍ؛ فعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال: "يا معشرَ المسلمينَ، كيف تسألونَ أهلَ الكتابِ عن شيء، وكتابُكم الَّذي أَنزل الله على نبيِّكم أحدثُ الأخبار بالله، محضًا لم يُشَب، وقد حدَّثكم الله أنَّ أهل الكتابِ قد بدَّلوا من كتُب الله، وغيَّروا فكتبوا بأيديهم؟ قالوا: هو من عند الله؛ ليشتروا بذلك ثمنًا قليلًا، أوَلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مُسَألتِهم، فلا واللهِ ما رأينَا رجلًا منهم يَسألُكم عن الَّذي أُنزِل عليكم" [2] من هُنا كان البُعد عن مُطالعة كتب أهل الكتب أسلمَ للدِّين، وأثبت للعقيدة.
النَّهي عن النَّظر في الكتب المحرَّفة
وقد نُهينا عن مُطالعة الكُفر والشُّبهات في الكتابات المنحرِفة [3]؛ فإنَّ النَّظر بالعين إلى المادَّة المعرفيَّة المضلِّلة ممَّا يعود بالأثر السَّلبيِّ الكبير على الفرد في فكرِه، وملكاتِ عقله، وفسادِ قلبه؛ كالقراءةِ في كُتب التَّكفيرِ، والبدعِ، والكفريَّات، ونِتاج أهل الكتاب؛ فلا ينبغي للمسلم أن يُضيِّع وقته في مُطالعة هذه الموادِّ الضَّارَّة الَّتي تقضِي على الحقِّ بالتَّشويش الَّذي يحصُل في النَّفس فيتأثَّرُ به الإنسانُ، وينتقِل تأثيرُه إلى الآخَرين عن طريق الحِوارِ والمناقشَة والمناظَرَة والجدال؛ ولذا نهَى النَّبيُّ ﷺ عن الاعتماد على كتُب أهل الكتاب في العلم والمعرفة؛ لأنَّها مُحرَّفةٌ طالتها الأيدي الآثمةُ الَّتي قامت بالتَّحريف والتَّجريف لمضامين التَّوراة والإنجيل؛ بدلالة النُّصوص القرآنيَّة الواردة في إثبات هذا المعنى، فلمَّا كانت مُحرَّفةً لم يكن للمسلم أن ينظر فيها بعينه؛ لما يترتَّب على ذلك من نقلٍ لما يُمكِن أن يكون مُحرَّفًا مكذوبًا؛ فعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أنَّ عمرَ بن الخطَّاب رضي الله عنه أتى النَّبيَّ ﷺ بكتابٍ أصابه مِن بعض أهل الكتاب، فقرأه على النَّبيِّ ﷺ فغضِب وقال: «أمُتهوِّكون فيها يا ابنَ الخطَّاب، والَّذي نفسي بيده لقد جئتُكم بها بيضاءَ نقيَّة، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحقٍّ فتُكذِّبوا به، أو بباطل فتُصدِّقوا به، والَّذي نفسي بيده لو أنَّ موسى كان حيًّا، ما وسِعه إلَّا أن يتبعني» [4]
عزير يُملي التَّوراة المفقودة من حفظه
لقد كتب عزير التَّوراة لليهود بعد أكثر من سبعين سنة على خروجهم من بيت المقدس، وكان بختُنصَّر قد حرَّق التَّوراة أثناء الغزو البابليِّ ثمَّ السَّبي الذي استمرَّ نحو 48 سنة، ومعروف أنَّ عزيرًا كان غلامًا حدثًا حين سُبي في السَّبي البابليِّ، فاحتماليَّة حفظه للتَّوراة ضعيف لحداثة سنِّه وفي زمنٍ كان اليهود فيه أبعد عن الدِّين، وأكثر إمعانًا في الفساد والانحراف وعبادة الأصنام، ومع ضعف الاحتمال لكنَّه وارد بأن يكون من جملة مَن تديَّن وحافظ على تعاليم التَّوراة وحفظها؛ فليس أهل الكتاب جميعًا وقوم موسى عليه السَّلام خاصَّة على الضَّلال؛ قال تعالى: {لَيۡسُواْ سَوَآءٗۗ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ أُمَّةٞ قَآئِمَةٞ يَتۡلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ وَهُمۡ يَسۡجُدُونَ * يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ وَمَا يَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلَن يُكۡفَرُوهُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُتَّقِينَ} [آل عمران: 113-115] وقال جلَّ وعزَّ: {وَمِن قَوۡمِ مُوسَىٰٓ أُمَّةٞ يَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِۦ يَعۡدِلُونَ} [الأعراف: 159] وقال سبحانه: {وَقَطَّعۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُمَمٗاۖ مِّنۡهُمُ ٱلصَّٰلِحُونَ وَمِنۡهُمۡ دُونَ ذَٰلِكَۖ} [الأعراف: 168] وقد شكَّك غير واحد في التَّوراة التي أملاها عزرا؛ لبُعد المدَّة التي بين الكتابة والتَّحريق والفقد؛ بل لقد ذكر رحمت الله الهنديُّ رحمه الله: "نقل صاحب خلاصة سيف المسلمين عن المجلد العاشر من أنسائي كلوبيدي يابيني: "قال دكتر سكندر كيدس الذي هو من الفضلاء المسيحيَّة المعتمدين في ديباجة (البيبل) الجديد: "ثبت لي بظهور الأدلَّة الخفيَّة ثلاثة أمور جزمًا:
الأوَّل: أنَّ التَّوراة الموجودة ليست من تصنيف موسى.
والثَّاني: أنها كُتبت في كنعان أو أورشليم، يعني ما كتب في عهد موسى الذي كان بنو إسرائيل في هذا العهد في الصَّحاري.
والثَّالث: لا يثبُت تأليفها قبل سلطنة داود ولا بعد زمان حزقيال، بل أنسبُ تأليفها إلى زمان سليمان ، يعني قبل ألف سنة من ميلاد المسيح أو إلى زمان قريب منه، في الزَّمان الذي كان فيه هومر الشَّاعر، فالحاصل أنَّ تأليفه بعد خمسمئة سنة من وفاة موسى" [5]
ومن نفيس ما قاله ابن حزم الظَّاهريُّ رحمه الله ما يدلُّ على حصول التَّحريف: "ومنهم من أحرقها وقطع أثرها ولم نجد بعد هؤلاء ظهر فيهم إيمان إلَّا الكفر وقتل الأنبياء إلى أن انقطع أمرهم جملة بغارة بختنصَّر، وسُبُوا كلُّهم، وهُدِم البيت واستُئصل أثره إلى غارات كانت على مدينة بيت المقدس وهيكلها الذي لم تكن التَّوراة عند أحد إلَّا فيه لم يترك فيها شيء مرَّة أغار عليهم... إلى أن أملاها عليهم مِن حِفظه عِزرا الورَّاق الهارونيُّ وهم مقرُّون أنَّه وجدها عندهم وفيها خللٌ كثير فأصلحه، وهذا يكفي، وكان كتابة عِزرا للتَّوراة بعد أَزيد من سبعين سنة من خراب بيت المقدس، وكتُبهم تدلُّ على أنَّ عِزرا لم يكتبها لهم ولم يُصلحها إلَّا بعد نحو أربعين عامًا من رجوعهم إلى البيت بعد السَّبعين عامًا التي كانوا فيها خالين، ولم يكن فيهم حينئذٍ نبيٌّ أصلًا، ولا القبَّة، ولا التَّابوت، واختلف في النَّار كانت عندهم أم لا، ومن ذلك الوقت انتشرت التَّوراة ونُسخت وظهرت ظهورًا ضعيفًا أيضًا، ولم تزل تتداولُها الأيدي مع ذلك إلى أن جعل أنطاكيوس الملك - الذي بنى أنطاكية - وثنًا للعبادة في بيت المقدس وأخذ بني إسرائيل بعبادته، وقرِّبت الخنازير على مذبح البيت، ثمَّ تولى أمرهم قوم من بني هارون بعد مئتين من السِّنين وانقطعت القرابين فحينئذ انتشرت نُسخُ التَّوراة التي بأيديهم اليوم، وأحدث لهم أحبارُهم صلوات لم تكن عندهم جعلوها بدلًا من القرابين، وعملوا لهم دينًا جديدًا، ورتَّبوا لهم الكنائس في كلِّ قرية، بخلاف حالهم طول دولتهم وبعد هلاك دولتهم بأزيد من أربعمئة عام، وأحدثوا لهم اجتماعًا في كلِّ سبت على ما هم عليه اليوم، بخلاف ما كانوا طول دولتهم فإنَّه لم يكن لهم في شيء من بلادهم بيت عبادة ولا مجمع ذكر وتعلُّم ولا مكان قربان قربة البتة... ففي دون هذا كفاية لمن عَقِل في أنَّها كتاب مبدَّل مكذوب موضوع، ودين معمول خلاف الدِّين الذي يُقرُّون أنَّ موسى أتاهم به، وما يزيد الشَّيطان منهم أكثر من هذا، ولا في الضَّلال فوق هذا، ونعوذ بالله من الخذلان، وأيضا فإن في التَّوراة التي ترجمها السَّبعون شيخًا لبطليموس الملك بعد ظهور التَّوراة وفشوِّها مخالفة للتي كتبها لهم عزرا الورَّاق... فإن كان هو كذلك فقد وضح اليقين وكذَّب السَّبعين شيخًا وتعمُّدهم لنقل الباطل، وهم الذين عنهم أخذوا دينهم وأفٍّ أفٍّ لدين أُخذ عن متيقَّن كذبُه" [6]
مراحل التَّوراة بعد السَّبي وثبوت التَّحريف
وفي هذا الكلام الذي ذكره ابن حزم رحمه الله ما يبيِّن أنَّ التَّوراة بعد السَّبي مرَّت بثلاث مراحل لم تسلم في جميعها من التَّغيير والتَّحريف؛ وهذه المراحل هي:
1 - مرحلة كتابة عِزرا: وقد تأخَّرت زمنًا بعد السَّبي، مع تحريق نسخها، فكتبها عزرا من ذاكرته ولا يؤمن العقل الأوحد في مثل هذا، وخاصَّة مع بُعد الزَّمن، واحتراق النُّسخ، والنَّشأة البابليَّة التي منعت فيها مظاهر العبادة لشيوع الوثن فيها، وأنَّ دوره في كتابتها كان إصلاحًا وتهذيبًا، ولا يسلم هذا من تغيير؛ يقول رحمت الله الهنديُّ رحمه الله: "اعلم أرشدك الله تعالى أنَّه لابدَّ لكون الكتاب سماويًّا واجب التَّسليم أن يثبت أوَّلًا بدليل تامٍّ أنَّ هذا الكتاب كُتِب بواسطة النَّبيِّ الفلانيِّ، ووصل بعد ذلك إلينا بالسَّند المتَّصل بلا تغيير ولا تبديل، والاستناد إلى شخص ذي إلهام بمجرَّد الظَّنِّ والوهم لا يكفي في إثبات أنَّه من تصنيف ذلك الشَّخص، وكذلك مجرَّد ادِّعاء فرقة أو فرق لا يكفي فيه" [7]
2 - مرحلة كتابة الأحبار: وقد جاءت بعد شيوع الوثنيَّة التي أدخلها أنطاكيوس الملك وانتشار توراة عزرا، وفي هذه المرحلة أحدث الأحبار صلوات ونصوصًا لم تكن في توراة عِزرا، زادوا فيها وبدَّلوا وغيَّروا، فلم تسلم التَّوراة في هذه المرحلة من تحريف وتبديل؛ يقول رحمت الله الهنديُّ رحمه الله: "وجمهور أهل الكتاب يقولون: إنَّ السِّفر الأوَّل والثَّاني من أخبار الأيَّام صنَّفهما عِزرا بإعانة حجِّي وزكريَّا الرَّسولين، فهذان الكتابان في الحقيقة من تصنيف هؤلاء الأنبياء الثَّلاثة، وتناقض كلامهم في الباب السَّابع والثامن... وبيَّنوا سبب وقوع الغلط: أنَّ عِزرا ما حصل له التَّمييز بين الأبناء وأبناء الأبناء، وأنَّ أوراق النَّسب التي نقل عنها كانت ناقصة، وظاهرٌ أنَّ هؤلاء الأنبياء الثَّلاثة كانوا متَّبعين للتَّوراة فلو كانت توراة موسى هي هذه التَّوراة المشهورة لما خالفوها ولما وقعوا في الغلط، ولما أمكن لعِزرا أن يترك التَّوراة ويعتمد على الأوراق النَّاقصة، وكذا لو كانت التَّوراة التي كتبها عِزرا مرَّة أُخرى بالإلهام على زعمهم هي هذه التَّوراة المشهورة لما خالفها، فعُلِم أنَّ التَّوراة المشهورة ليست التَّوراة التي صنَّفها موسى ولا التي كتبها عِزرا، بل الحقُّ أنَّها مجموع من الرِّوايات والقصص المشتهرة بين اليهود وجَمعها أحبارُهم في هذا المجموع بلا نقد للرِّوايات، وعُلِم من وقوع الغلط من الأنبياء الثَّلاثة أنَّ الأنبياء كما أنَّهم ليسوا بمعصومين عن صدور الكبائر عند أهل الكتاب فكذلك ليسوا بمعصومين عن الخطأ في التَّحرير والتَّبليغ" [8]
3 - مرحلة كتابة الشُّيوخ السَّبعين: وهي التي كتبها سبعون شيخًا تختلف عن الذي كتبه عِزرا، وفيه تعمَّدوا النَّقل الباطل، وكذبوا في ذلك، فلم تسلم التَّوراة من تحريف إمَّا تبعًا أو استقلالًا، ففي كلِّ منقول زيادة أو نقص، والتَّحريف بالزِّيادة أظهر.
حصول التَّحريف في عموم مراحل كتابة التَّوراة
وهذه المراحل التي مرَّت بها التَّوراة تبيِّن حدوث خلل وتحريف وتغيير فيها، سواء كانت كثيرة في كلِّ مرحلة أم قليلة، المهمُّ أنَّ هذه الوقائع وما بعدها من تداول اليهود للتَّوراة تحكي بما لا يدع مجالًا للشَّكِّ أنَّ التَّوراة محرَّفة، وأنَّ كلام الله تعالى فيها قد غُيِّر؛ وقد أوكل الله عزَّ وجلَّ للأقوام السَّابقة حفظ كتبهم؛ من أجل ذا وقع فيها ما ليس من كلام الله تعالى، وطالتها أيدي التَّحريف الآثمة الغادرة المأجورة؛ من أجل تشتيت المجتمع، وتحريف الدِّين، وقيادة الأمم الجاهلة التي تنقطع عن نور السَّماء، وتتخبَّط في ظلمات الجهل والشَّكِّ والرِّيبة، وقد تأثَّرت التَّوراة بالسِّياسة والقيادة وأمور الحكم كثيرًا؛ يقول رحمت الله الهنديُّ رحمه الله: "ومع كونها غير مُعتمدة ضاعت هذه النُّسخة أيضًا غالبًا قبل حادثة بختنصَّر، وفي حادثته انعدمت التَّوراة وسائر كتب العهد العتِيق عن صفحة العالم رأسًا، ولـمَّا كتب عِزرا هذه الكتب على زعمهم ضاعت نُسخُها وأكثر نقولها في حادثة أنتيوكس" [9]