الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

التَّحرُّش الأسباب والعلاج:

لا يخفى ما يشغل الرَّأي العامَّ في بلادنا اليوم من تناول قضيَّة التَّحرُّش بالنِّقاش المحتدم بين النَّاس فيما يتعلق بأسبابها، ومَن أولى باللَّوم والمؤاخذة؟ وما هي سبل المعالجة الحقيقيَّة؟ مع كثرة اللَّغط والغلط في هذه النِّقاشات؛ حيث تباينت بين مبرِّر مجامل، وناقم متحامل؛ فرغبت في المشاركة في مناقشة الموضوع، فهداني الله تعالى لكتابة هذه الكليمات، أسأل الله تعالى فيها القبول والسَّداد.

إنَّ التَّحرُّش جريمة لا أخلاقية متكاملة الأركان، ودخيلة على المجتمع المسلم، وحصولها مقصود مع سبق الإصرار والتَّرصُّد؛ فهي جريمة يمهَّد لها، وتُصنَع على عين المجتمع الهزيل كله؛ فجميع أفراده مشتركون في الجرم مع اختلاف في نصيب كلِّ فرد على قدر مسئوليَّته، ومن الخطأ الكبير أن يلام طرف ويُعتَذر عن طرف؛ فكلاهما مشترك في الآثار المترتبة على الأفعال الصَّادرة بمحض الإرادة، من هنا كان اللَّوم حاصلًا لكلا الطَّرفين؛ الذِّكر والأنثى.

أسباب التَّحرُّش:

ويمكننا إجمال أسباب التَّحرُّش في عشرة، وهاك بيانها:

أوَّلًا: الأب الذي أقرَّ الفحش في أهل بيته حين رأى ابنته تخرج بملابس لا تصلح إلا لغرفة الزوجية وعلى استحياء بين الزوجين، ولو لم يصن الآباء تلك اللُّحوم المكشوفة - بغير داع شرعيٍّ - افترسها ذئاب متربصون لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمَّة، ومن الآباء من تعذر بكثرة الأعمال عن متابعة الأبناء؛ فقدم استقالة تربوية نتج عنها انحلال أبناء الجيل من البنين والبنات؛ وهذه طبيعة النفس البشرية حين لا تجد متابعا ورقيبا يأخذ بيدها ويقومها، ومن الآباء من تبدلت فطرته وانتكست فرضي بالانحراف الظَّاهر في ملابس ابنته، ففسدت وأفسدت تحت سمعه وأذنه؛ وهؤلاء قال فيهم النَّبيُّ ﷺ: «الدَّيوث: الذي ييسر لأهله السوء» [1] وهذا لا يقع إلا ممن جف الإيمان من قلبه؛ فالغيرة على المحارم من صفات الإيمان؛ قال النَّبيُّ ﷺ: «إن الله تبارك وتعالى يغار، وإن المؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم عليه» [2] وقال النَّبيُّ ﷺ: «إنَّ الغيرة من الإيمان، وإنَّ المذاء من النِّفاق» والمذاء= الدَّيوث [3] وقال في مرقاة المصابيح: "أي: الذي يرى فيهن ما يسوءه, ولا يغار عليهن, ولا يمنعهن, فيقر في أهله الخبث" [4]

ثانيًا: الأمُّ التي سعت لشراء تلك الملابس من مال الزوج للفتاة بحجة إبداء ما يدعو الشَّباب إلى خطبتها، فتبرَّجت البنات بمباركة الأمهات، فليست أمهات اليوم كأمَّهات الأمس؛ فقد كانت الأمُّ مدرسة تصنع الأجيال على الأخلاق، وتربي الأبطال على القيم، وترفض الميوعة والانحلال، ولا تقرُّ الفحش والانحراف، ولا ترضى بالعار ولا الحرام، ولا تخرج من بيتها تاركة خلفها مسئوليَّة التَّربية لتعمل أو تهرب، بل ضحَّت بكلِّ شيء في سبيل تربية الأجيال وإقامتهم على الجادَّة، أمَّا أمَّهات اليوم فقد خرجن من البيوت لمزاحمة الرِّجال في كلِّ مواقع من مواقع الحياة، وتصدَّرت المناصب الذُّكوريَّة المجرَّدة؛ فترأَّست الدُّول والحكومات والمجالس النِّيابيَّة والبرلمانيَّة ونافست في سوق العمل، فتولَّت إدارة الشَّركات، وعملت في التَّسويق التِّجاريِّ عارضة ما تملك في سبيل تحقيق النِّجاح والوصول للثَّراء، وأهملت واجبها كزوجة مسئولة، وأمِّ مكلفة بالرِّعاية والعناية للأبناء، وقدوتهنّ ممثِّلة هابطة، أو مغنية ساقطة، أو راقصة ماجنة، أو مذيعة فاشلة، فتحوَّلت الأمَّهات في البيوت إلى أداة يوجِّهها هؤلاء جميعًا لأسوأ طريق، فخرجت الأجيال متأثِّرة بتخلُّف أمَّهات اليوم عن ركب أمَّهات الأمس؛ فالموظَّفة تستأجر مربية وخادمة، أو تترك الأولاد للشَّارع، أو وسائل الإعلام المتنوِّعة؛ ليكون الأبناء ضحيَّة للإهمال المتعمَّد، إلى الله المشتكى.

ثالثًا: الفتاة نفسها التي أصبحت سلاحًا فتَّاكًا يطعن به الشَّباب في استقامتهم وصلاحهم، فقد ذبحت الحياء بسكين التَّبرُّج الصَّارخ الذي لا يملك الصَّالحون أمامه أنفسهم فينساقون إلى مستنقع الرَّذيلة والانحلال؛ فخروج المرأة سافرة كاشفة عن مفاتنها التي لا تكشف - شرعًا وعرفًا - إلَّا للزَّوج أعظم أسباب الطُّوفان اللَّأخلاقيِّ الجارف الذي غرق به أفراد المجتمع.

رابعًا: الشَّابُّ الذي لم يتحصَّن بقلاع الإيمان، ولم يمتثَّل لنداءات القرآن الكريم التي تحثُّه على غضِّ البصر؛ فانجرف في بحور الشَّهوات غارقًا؛ فهو لا يجيد السَّباحة، ولا يحسن التَّخلُّص؛ فالشَّباب المطالع لعورات المسلمين مثل الكلاب تطوف حول اللَّحم الخبيث (الحرام) في حين غفلة من صاحبها عنها، وفي لحظة نشوة منها، وحين ينال الذِّئب المفترس بغيته تحصل النَّدامة، وتقع الفضيحة.

خامسًا: الإعلام الخائن للأمانة والمواثيق والذي عمل على تصدير صور ماجنة، والترويج لمشاهد ساخنة، وبث مناظر التَّحرُّش والمواقعة الحقيقيَّة في الأعمال الفنيَّة، حتى أصبح المتحرِّشون قدوة ونجومًا تلمع ليقتدي الشَّباب بهم، فكم من مشاهد عرضت على الشَّاشات لا تتناسب مع الأعراف المجتمعيَّة، والقيم الأخلاقيَّة، والشَّريعة الإسلاميَّة، والفطر النَّقيَّة، فممثِّل يُقبِّل ويحضن، وآخر يعانق ويلامس، وثالث ينظر إلى العورات، وأخرى تكشف عن صدرها، أو ذراعيها وشعرها، أو ركبتها وفخذها.

سادسًا: العدوُّ الخارجيُّ الذي سخَّر كلَّ ما يملك لإغواء وإضلال الشَّباب المسلم؛ فأنشأ المواقع الإباحيَّة، ونشر الصُّور والمقاطع المسمومة التي تدعو إلى الرَّذيلة والفجور، ودعم كلِّ هذا ليصل إلى الفقير بالمجان؛ حرصا على امتداد قاعدة الانحراف.

سابعًا: المجتمع الهزيل الذي ضيَّق دوائر الحلال بمغالات المهور، ووضع العقبات في طرق الاقتران المشروع؛ فنتج عن ذلك اتِّساع دوائر الحرام؛ فظهر التَّحرُّش، والعلاقات المشبوهة بين الجنسين، كالزَّواج العرفيِّ، والزِّنا، والاغتصاب، وظهر مع ذلك حالات الإجهاض، وأطفال الشَّوارع، ومجهولو النَّسب، والمتسوِّلون، والجاني في كلِّ هذه الجرائم هو المجتمع الذي ظهر بصورة الضَّعيف العاجز؛ فهو أعجز من أن يُنكر على المخطئ، بل تراه يُعين على الانحراف ويدعو إليه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فَتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:25] وعن قيس بن أبي حازم قال: قام أبو بكر رضي الله عنه فحمد الله وأثنى عليه، ثمَّ قال: "يا أيُّها النَّاس إنَّكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيۡكُمۡ أَنفُسَكُمۡۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهۡتَدَيۡتُمۡۚ [المائدة: 105] وإنَّا سمعنا رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ النَّاس إذا رأوا المنكر لا يغيِّرونه، أوشك أن يعمَّهم الله بعقابه» ([5])

ثامنًا: انتشار المخدِّرات ومهلكات العقول في صفوف الشَّباب مع الإقبال على ترويجها بيعًا وشراءً وتعاطيًا؛ ممَّا أخرج لنا جيلًا ممسوخًا لا يملك نخوة، ولا يتَّصف برجولة، فأقرَّ الفجور، وهتك السُّتور تحت تأثير المسكرات، فكم من مصيبة ارتكبت تحت تأثيرها، انتقم الله من تجار العقول، وكلاب المال؛ الذين أفسدوا أجيالًا بإغراقهم في مستنقع المخدِّرات، وتاجروا بهم من أجل الغنى السَّريع بالمال الحرام! فتحقَّق لهم ما أرادوا على جثث الشَّباب المسلم، ولهم اليد الطُّولى في انحراف خيرة شباب الأمَّة؛ فكم رأينا من شباب كانوا على الجادَّة والاستقامة تحوَّلت حياتهم إلى الانحراف حين انجرفوا في بحار الشَّهوات والمخدِّرات عن طريق أناس جبابرة لا يُراعون للمسلم حرمة، ولا يقدرون الله حقَّ قدره.

إنَّ هؤلاء الشَّباب الذين تعمَّدوا إفساد طليعة الأمَّة وقوَّتها من الأجيال الشَّبابيَّة خطرهم أعظم من خطر العدوِّ الخارجيِّ للأمَّة؛ لأنَّهم ينخرون في عظام الأمَّة ويفتِّتون قوَّتها، ومن ثمَّ تخور قواها، وتسقط هيبتها بسقوط أبنائها في براثن تجار الموت، فيسهل على العدوِّ اقتحام حماها، لأنَّهم حين يفعلون لن يجدوا من يصدُّهم أو يقف أمامهم؛ فخيرة شباب الأمَّة لا يعنيهم سوى جرعة، أو شمَّة، أو إبرة! من أجل هذا وجب على كلِّ شريف غيور على أمَّته أن يتبنَّى محاربة هؤلاء؛ فلئن سلم من أذاهم بكرم ربِّه، فلا يضمن أن يسلم من أذاهم ولده وأخوه ومن يهمَّه شأنهم؛ فليتكاتف الجميع لمحاربتهم ليكفُّوا أذاهم.

تاسعًا: ضعف دور المؤسسات التثقيفية فتقصير بعض الدعاة والمثقفين من الكتَّاب والباحثين حين لم يولوا هذه القضية اهتماما حتى راجت في المجتمع دون تحذير من مقدماتها، وبيان حرمتها، وإشارة إلى خطورتها؛ لذا يجب على المعنيين ألا يهملوا البيان؛ فالمسئولية أمانة؛ وقد أخذا الله الميثاق على من آتاه علما أن يبينه ولا يهمله؛ فقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: 187]

عاشرًا: التَّقصير في سنِّ القوانين الرَّادعة فإنَّ الله تعالى يزع بالسُّلطان ما لا يزع بالقرآن الكريم، ومن أمن العقوبة أساء الأدب، لذا وجب على الجهات التَّشريعيَّة سنَّ الرَّادع من القوانين؛ للقضاء على هذه الجريمة من خلال تخويف الفاعل من الإقدام على ارتكابها، وعلى الجهات التَّنفيذيَّة المسارعة في تنفيذ المضامين لإدراك المجتمع.

نتيجة: ماذا تنتظر من جيل يدبر له بالليل والنهار من كل من حوله؟!

والخلاصة: أنَّ اللَّوم في هذه الجريمة لا يختصُّ بفرد دون فرد؛ فالجميع في اللَّوم سواء، لكن لا يحسن البكاء ولا التَّباكي؛ بل يجدر بكلِّ حريص غيور أن يساهم في وأد الفتنة، وإصلاح الأمَّة.

إضاءة في علاج التَّحرُّش:

وحتى نعالج قضيَّة التَّحرُّش معالجة صحيحة لابدَّ أن نعلم أنَّ التَّحرُّش نوعان:

التَّحرُّش البصريُّ:

النَّوع الأوَّل التَّحرُّش البصريُّ: وهو اختلاس النَّظر المحرَّم إلى مفاتن النِّساء الظَّاهرة أو الخفيَّة، ولم تكد تسلم منه امرأة سواء عرضت ما يدعو إلى النَّظر أو لا، وقلَّ من الرِّجال من راقب الله تعالى في حرمات المسلمين المتعلِّقة بالنِّساء.

وعلاجه يكمن في أمرين:

الأوَّل: أن تستر المرأة نفسها بلباس شرعيٍّ تحقَّقت فيه الشُّروط؛ فلا يشفُّ، ولا يصفُّ، ولا يحجم عورة، ولا يظهر سوءة، وليس لباس شهرة، وفيه تشبُّه بالرِّجال، ولا معطر ولا مزخرف.

الثَّاني: أن يروض المرء نفسه على غضِّ البصر عن المحارم؛ فلا يتطلَّع للنَّظر إلى مفاتن النِّساء، ولا ينتظر التَّقيُّ تحقُّق الأمر الأوَّل من احتشام النِّساء حتى يحقِّق الأمر الثَّاني من غضِّ البصر؛ فالغضُّ معناه كفُّ إطلاق النَّظر عن ظاهر مكشوف لا عن خفيٍّ مستور؛ فهذه حقيقة المجاهدة، وبها يمتاز التَّقيُّ عن غيره.

توضيح: فعلى كلِّ طرف من طرفي القضيَّة أن يُراعي الله تعالى في الآخر؛ فلا تخرج المرأة بلباس يجبر كلَّ من يلقاها على النَّظر وتوابعه، ولا يتَّخذ الرَّجل انحراف المرأة في لباسها عن شريعة ربِّها، وعادات قومها، وأعراف مجتمعها ذريعة للنَّظر المحرَّم المفضي للفاحشة؛ فهذا من عبادة الهوى، واتِّباع خطوات الشَّيطان.

التَّحرُّش الجسديُّ:

النَّوع الثَّاني: التَّحرُّش الجسديُّ: وهو ما يقع من ملامسة بين الجنسين؛ وهو عن صورتين:

الأولى: أن تقع الملامسة بقصد؛ وفيها يتعمد أحد الطَّرفين أو كلاهما الملامسة بغرض التَّشهِّي والتَّمتُّع؛ وهذه محرَّمة بالإجماع، وللمرء فيها نصيب من الزِّنا؛ لأنَّها وسيلة موصلة إليه؛ وقد نهانا الله تعالى عن مقاربة الزِّنا، واتِّباع خطوات الشَّيطان.

توضيح: والعاقل يدرك أنَّها شهوة قصيرة المدى في اللَّذَّة، طويلة المدى في الحسرة؛ من هنا وجب التَّحرُّز من فعلها؛ لأنَّها مسقطة للحياء، وموصِّلة إلى الفحشاء؛ فعلاجها يكمن في تحاشيها.

الثَّانية: أن تقع بدون قصد، ومظنَّة حصولها في الزِّحام الشَّديد الذي لا يملك المرء فيه حركة جسده؛ وهذا ممَّا يشقُّ التَّحرُّز منه، مع وجوب الأخذ بالحيطة والحذر، ومحاولة تجنُّب وقوعه عن طريق تجنُّب مواطن الزِّحام بين الجنسين، وعدم التَّمادي في الملامسة فتتحوَّل إلى الصُّورة الأولى.


(1) مرسل: أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات، باب: (ما جاء في إثبات اليدين صفتين لا من حيث الجارحة) برقم: (692).

(2) متفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: (النكاح) باب: (الغيرة) برقم: (5223) ومسلم في صحيحه، كتاب: (التوبة) باب: (غيرة الله تعالى وتحريم الفواحش) برقم: (2761).

(3) أخرجه البيهقي في شعبه، شعبة: (الزهد وقصر الأمل) فصل: (في الزهد) برقم: (10308).

(4) ينظر: مرقاة المفاتيح (11/296).

(5) صحيح: أخرجه أبو داود في سننه كتاب: (الملاحم) باب: (الأمر والنهي) برقم (4338) والترمذي في جامعه كتاب: (أبواب الفتن) باب: (ما جاء من نزول العذاب إذا لم يغير المنكر) برقم (2168) وابن ماجه في سننه كتاب: (الفتن) باب: (الأمر بالمعروف...) برقم (4005).

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله