أسباب الهجرة النَّبويَّة من مكَّة إلى المدينة
إن حدث الهجرة النبوية التي انتقل النبي ﷺ فيها وأصحابه معه من مكة - بلد الكفر والشرك آنذاك - إلى المدينة - بلد الإيمان والنصرة - معلم من معالم الدولة الإسلامية في بداية عهدها؛ والمتأمل في هذا الحدث المهم يُدرك أن الهجرة اعتمدت على عدة أسباب دعت إليها؛ فإن العاقل لا يُقدِم على فعل شيء أو تركه إلا بعد دراسة الأسباب التي تجعله في حاجة إلى الإقدام على الفعل أو الترك، فلا يجدر بالعاقل أن يعتمد العشوائية في حياته، فلا يفعل حتى يُجبر على الفعل، ولا يترك حتى يضطر إلى الترك لما لحق به من ضرر، والمتأمل في الأسباب التي دعت النبي وأصحابه إلى الهجرة في بداية الدعوة يراها كثيرة، ويمكن أن أسلط الضوء على ما يلي:
1 - فسادة البيئة المكيَّة وعدم تقبُّل أنوار الهداية الإسلامية، ويرجع السبب الأظهر من وجهة نظر الكاتب إلى فشوِّ القبلية والزعامة وأثرها الكبير على توجيه الرأي العام؛ فلقد كان أسياد مكة وزعماؤها يُعاندون ويُكابرون في قبول الحق، وكانوا يُرغمون الناس على اعتقاد ما يعتقده السادة؛ وهذه النظرة الفرعونية في القيادة والحكم؛ قال الله تعالى عن فرعون: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: 29] والناس على دين ملوكهم والملأ العام؛ وكم كان علية القوم سببا في صدِّ الناس عن دين الله تعالى! قال سبحانه: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [يونس: 83] يقول العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله: "أي على خوف من فرعون وعلى خوف من قومهم، وهم بقية القوم الذين لم يحضروا ذلك المشهد خشية أن يغضبوا عليهم ويؤذوهم لإيمانهم بموسى لما يتوقعون من مؤاخذة فرعون بذلك جميع قبيلتهم على عادة الجبابرة في أخذ القبيلة بفعلة من بعض رجالها، أنهم محقون في خوفهم الشديد، فبعد أن أثنى عليهم بأنهم آمنوا في حال شدة الخوف زاد فبين أنهم أحقاء بالخوف، وفي هذا زيادة ثناء على قوة إيمانهم إذ آمنوا في حال خوفهم من الملك مع قدرته على أذاهم، ومن ملئهم، أي قومهم، وهو خوف شديد، لأن آثاره تتطرق المرء في جميع أحواله حتى في خلوته وخويصته لشدة ملابسة قومه إياه في جميع تقلباته بحيث لا يجد مفرا منهم، ثم أتبعه ببيان اتساع مقدرة فرعون بيان تجاوزه الحد في الجور، ومن هذه حالته لا يزعه عن إلحاق الضر بأضداده وازع" [1]
كفر نتج عن العجب وإرادة الظُّهور
ولقد صرَّح التاريخ بعداوة المشركين للنبي ﷺ ودعوته، وأنه لم يحملهم على الكفر إلا الكبر والعجب؛ قال تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: 33] وقال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: 14] ومن صور العداء الشديد ما كان من أبي جهل للنبي ﷺ قال ابن قيم الجوزية رحمه الله: "قال المسور بن مخرمة - وهو ابن أخت أبي جهل - يا خال، هل كنتم تتهمون محمدا قبل أن يقول ما قال؟ فقال: يا ابن أختي! والله لقد كان محمد فينا صادقا وهو شاب، يدعى الأمين، فما جربنا عليه كذبا قط، قال: يا خال! فما لكم لا تتبعونه؟! قال: يا ابن أختي تنازعنا نحن وبنو هاشم الشرف، فأطعموا وأطعمنا، وسقوا وسقينا، وأجاروا وأجرنا، حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي فمتى ندرك مثل هذه؟! وقال الأخنس بن شريق يوم بدر لأبي جهل: يا أبا الحكم! أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس هاهنا من قريش أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا؟ فقال أبو جهل: ويحك! والله إن محمدا لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهبت بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والنبوة فماذا يكون لسائر قريش؟" [2]
وقد ذكر القرطبي رحمه الله عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِه﴾ [الجاثـية: 23] قول مقاتل: "نزلت في أبي جهل، وذلك أنه طاف بالبيت ذات ليلة ومعه الوليد بن المغيرة، فتحدثا في شأن النبي ﷺ فقال أبو جهل: والله إني لأعلم أنه لصادق! فقال له: مه! وما دلك على ذلك؟! قال: يا أبا عبد شمس، كنا نسميه في صباه الصادق الأمين، فلما تم عقله وكمل رشده، نسميه الكذاب الخائن!! والله إني لأعلم إنه لصادق! قال: فما يمنعك أن تصدقه وتؤمن به؟ قال: تتحدث عني بنات قريش أني قد اتبعت يتيم أبي طالب من أجل كسرة، واللات والعزى إن اتَّبعْتُه أبدا، فنزلت الآية" [3] فظهر من هذا النص ما انطوى عليه قلب الغاشم الآثم أبي جهل من عداوة وحقد وحسد للنبي ﷺ أن ميَّزه الله بالرسالة، وخصه بالنبوة؛ فقد طمع أبو جهل في التميُّز على الناس؛ فنافس في كل ما من شأنه أن يوصِّله إلى المجد، ويُبلِّغه غاية العز والشرف؛ فأطعم، وسقى، وقام على رعاية قاصدي البيت الحرام، لا بهدف حسن، أو نية صادقة في تقديم العون إلى الناس، ولكن ليمدحه الناس وينصِّبونه إماما عليهم، فلما جاء النبي ﷺ بالرسالة، لم يتراجع عن هدفه الخبيث، بل عاند وكابر وكذب، ودعا الناس إلى تكذيب من أطبقوا على صدقه؛ فيُصدِّقونه في خبر الأرض، ويُكذِّبونه في خبر السماء؛ لما ينضوي عليه من علو رتبته، وارتفاع قدره على العالمين، وهذا ما لا يُريده أبو جهل وصناديد الكفر أن يتحقق؛ وقد بين الله تعالى في كتابه أنهم كانوا ينتظرون أن تكون الرسالة والنبوة في أحد كبار مكة وأسيادها فقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: 31] فردَّ القرآن عليهم بقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124] قال الطاهر بن عاشور رحمه الله: "جعلوا عماد التأهل لسيادة الأقوام أمرين: عظمة المسود، وعظمة قريته، فهم لا يدينون إلا من هو من أشهر القبائل في أشهر القرى لأن القرى هي مأوى شؤون القبائل وتموينهم وتجارتهم، وكان الرجلان اللذان عنوهما ذوي مال لأن سعة المال كانت من مقومات وصف السؤدد كما حكي عن بني إسرائيل قولهم: ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ [البقرة: 247]" [4] وقد ذكر الله تعالى شبهة المعاندين في كل زمان ومكان مع الرد عليها فقال سبحانه: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 247] فبيَّن عز وجل أن شبهتهم تنطلق من غرورهم وكبرهم ورؤيتهم أنهم أفضل من الآخرين، ثم يقيسون هذا بمقياس فاسد وهو: (وفرة المال) ولا يعنيهم أن كان هذا المال مع رجل سفيه أحمق يُبدِّده أو لا يحسن التصرف فيه؛ فردَّ القرآن الكريم عليهم بمنطق الشرع الذي يُقدِّم بناء على اعتبارات تصلح للتمييز والمتمثلة في وفرة العلم والقدرة على تحمل أعباء الرسالة؛ كالقوة في الجسد؛ لأن المقام مقام مدافعة أهل الباطل؛ فناسب أن يكون قوي الحجة والسلطان؛ وذلك من خلال قوة الحجة بالعلم واللسان، وقوة البسط بالجسد والبنيان.
فظهر مما سيق أن أهل مكة بلغوا درجة من العناد والكبر منعهم من قبول دعوة النبي ﷺ على الصعيد الخاص المتعلِّق بالوجهاء من السادة والملأ، أو الصعيد العام المتعلق بالبسطاء من العامة والعبيد الذين لا يملكون كلمتهم، ولا يدينون بغير دين سادتهم؛ فالعبد على دين سيده، والولد على مذهب أبيه، فكان لهذا السبب أعظم الأثر في توفر الرغبة النفسية عند النبي ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم بالهجرة؛ لينتقلوا من دار فساد ترفض الدعوة وتصدُّ عنها كل صدود، إلى دار صلاح تقبل الخير وتفرح به وتنصره؛ من هنا توافر الداعي للهجرة، وهذا سبب وجيه لأن الدعوة تحتاج إلى نشر وتعميم، ولن يكون هذا في البيئة التي تحول بين دعوة وجماهير الخلق، فكانت الهجرة هي الحل الصحيح لفك هذه العقدة.
2 - المبالغة في الإيذاء والتعدِّي على الدعوة وأهلها بُغية النفور منها: لقد حرِص المشركون في مكة على إطفاء نور الحق، وإيقاف أنفاس أهله عن طريق التعذيب والتنكيل لكل من أظهر الدين وجهر به؛ حتى ضيَّقوا الخناق على النبي ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم ممن آمن معه في هذه المرحلة المهمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وإن الناظر في صفحات السيرة وتاريخ الدولة الإسلامية ليقف متعجبا من حجم الفجاجة في الخصومة والفجر في العداوة التي حملت المشركين على التنكيل بالمسلمين فساموهم سوء العذاب من خلال سقايتهم من ألوان الذلة والمهانة وديانا وبحورا؛ وقد وصل التعذيب بهم مبلغا عظيما لو كان في قوم ضعاف الإيمان، أو أكرهوا على الدخول في الإسلام لاستسلموا لما يُرضي عدوهم صاحب السلطة والقوة والجاه؛ قال ابن إسحاق - رحمه الله -: "حدثني حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس رضي الله عنهما: يا أبا عباس، أكان المشركون يبلغون من المسلمين في العذاب ما يُعذَرون به في ترك دينهم؟ فقال: نعم والله، إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر على أن يستوي جالسًا من شدة الضرب الذي به، حتى أنه ليعطيهم ما سألوه من الفتنة، وحتى يقولوا: آللات والعزى إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم، وحتى أن الجُعَل - دويبة سوداء تدير الغائط يقال لها: الخنفساء - ليمر بهم فيقولون أهذا الجُعَل إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم، افتداءً منهم لما يبلغون من جهده" [5] فهذا النص يُبين عظيم ما تعرض له الصحب الكرام رضي الله عنهم من التنكيل والتعذيب الذي يحمل المرء على التخلِّي عن معتقده - ظاهرا - إجابة لهم إلى ما طلبوه؛ لما يراه من ثقل التعذيب، والإصرار على الصد عن الدين بكل سبيل يوصِّل إلى الغاية من رجوع الناس عن الدين قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: 217].
صور من ثبات بلال بن رباح رضي الله عنه
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "كان أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله ﷺ وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد رضي الله عنهم، فأما رسول الله ﷺ فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر رضي الله عنه فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون، وألبسوهم أدراع الحديد، وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحد إلا وقد واتاهم على ما أرادوا، إلا بلالا رضي الله عنه، فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأخذوه فأعطوه الولدان، فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة، وهو يقول: أحد أحد" [6] يدلُّ هذا النص - كما هو ظاهر في سياقه - على شدة ما لقيه الصحابة رضي الله عنهم من عنت ومشقة وتعذيب من أقوامهم، ومن شدة ما وجدوه منهم أجابوهم إلى ما أردوه بألسنتهم - مع استقرار الإيمان في القلب - غير أن قصة تعذيب الصحابي الجليل بلال بن رباح رضي الله عنه تتصدَّر مشهد الوحشية والعنف في أقبح وأشقى صورها؛ فقد كان من شأنهم معه ما لا يخفى؛ حيث وضعوا صخرة عظيمة فوق صدره وجروه على ظهره على رمال مكة التي تلهب وتحرق؛ قال ابن عساكر رحمه الله: "أن المشركين كانوا يأخذونه فيضجعونه في الشمس، ثم يأخذون الحجر فيضعونه على بطنه ويعصرونه، ويقولون: دينك اللات والعزى. فيقول: ربي الله. ويقول: أحدٌ أحدٌ" [7]
ويقول الدكتور راغب السرجاني وفقه الله: "ومنها أن بلالًا رضي الله عنه قد تعرَّض لأشدِّ أنواع التعذيب؛ فقد رفض أن يُوافق الكفار على ما يُساومونه عليه، مع أن إخوانه فعلوا ذلك، وللحق فإنه لا بُدَّ أن يكون في الجماعة المؤمنة مَن يحمل على عاتقه هذه المهمَّة، وهي مهمَّة البقاء صلبًا في وجه الكفار نكاية فيهم، وحفاظًا على كلمة الإسلام معلنة، وتحقيقًا للمثل الأعلى في الثبات، واتباعًا للأنبياء الذين أعلنوا أمرهم ولم يرضخوا للمساومات، وكان بلال رضي الله عنه بذلك أحد أبطال هذه المرحلة. ثم إنه كان لا يكتفي بإعلان الإيمان، أو بمجرَّد رفض مساوماتهم، إنما كان يتعمَّد إغاظة الكافرين وإحراجهم، ويقول: "وايم الله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتُها" [8]
صور من ثبات آل ياسر رضي الله عنهم
كما حصل تعذيب للصَّحابي الجليل عمار بن ياسر وأمه سمية بنت خياط [9] وأبيه ياسر بن مالك رضي الله عنهم وصل إلى حد إزهاق الأرواح، فكانوا يُعذِّبونهم حتى إذا جفت منهم الحلوق، ويبست العروق، وتشققت الجلود، وسالت الدماء تركوهم في ذلك اليوم ليُعيدوا معهم الكرة في غداة اليوم التالي، وقد بين حديث ابن مسعود رضي الله عنه السابق صور هذا العذاب الذي لا يتمكن المرء من تحمله؛ يقول الصوياني - معلِّقًا -: "لقد افترش العذاب هذه الأجساد الطاهرة .. وطاب له المقام فغرز أنيابه بلا رحمة، بلا شفقة، يُشرِّحها ويشرب من دمها، وقهقهات السُّكارى والطواغيت حول هذه الأجساد المطروحة لا تجد من يُخرِسها، حتى رسول الله ﷺ لا يستطع أن يفعل شيئًا، وكيف يفعل وهو لا يستطع حماية نفسه من هؤلاء الأوغاد، لقد اضطر الصحابة إلى اتخاذ إجراء يحمون به رسولهم فكانوا يتناوبون في حراسته ليلًا ونهارًا؛ فالنهار لا يخلو من السفهاء والمتهورين، والليل مُثقلٌ بخناجر الغدر يُسدِّدها المتلثمون" [10]
لقد صبر الصحابي الجليل ياسر وزوجته سمية رضي الله عنهما على شدة العذاب مع كبر السن، وقلة الحلية، وإعذارهم أن يُجيبوا الكفرة إلى ما أرادوه، لكنهم لم يفعلوا، بل صبروا محتسبين الأجر عند الله تعالى في مشهد من الثبات يُزلزل أركان الكفر، ويهدُّ بناء المشركين ويُقوِّضه من جذوره، فما أتعس الجبار العنيد حين يقف ضعيفا أمام صمود الضعيف الهزيل، إن لحظة صبر وصمود كفيلة بتحطيم فؤاد الجبابرة؛ وهذا ما حصل مع أبطال قصتنا؛ فقد صبروا صبرا تعجب منه الصبر، وكان النبي ﷺ يمر عليهم في محلَّتهم التي يُعذَّبون فيها حين يتوقف العذاب وقتا قليلا ليرتاح القائمون بالتعذيب من مشقة ما يقومون به من صور تُجهد المعذِّب فما بالكم بالمعذَّب! وكان مرور النبي ﷺ بهم لتسليتهم بالدعاء لهم، وتوصيتهم بالصبر والتحمل، مع بشارتهم بالجنة؛ قال عثمان لطلحة والزبير رضي الله عنهم: "ألا أحدثكما عنه - يعني عمارا -؟ أقبلت مع رسول الله ﷺ آخذا بيدي نتمشى في البطحاء، حتى أتى على أبيه وأمه وعليه يُعذَّبون، فقال أبو عمار: "يا رسول الله، آلدهرَ هكذا؟ [11] فقال له النبي ﷺ: «اصبر» ثم قال: «اللهم اغفر لآل ياسر، وقد فعلت» [12] ومع كل هذا النكال لم يتمكن النبي ﷺ من الذب عنهم ولا عن نفسه؛ لأن الغلبة في هذا الوقت كانت للمشركين، فأكثر أهل مكة على الكفر، وكانوا يُضيِّقون على المسلمين بغية إعادتهم لدينهم، مع وفرة في عددهم وعتادهم، ولم يكن أُذن للنبي ﷺ في القتال، فكان ﷺ يمر عليهم ويتألم لمصابهم، الذي بلغ من شدته وبطشه أن أجابهم كثير من الصحابة رضي الله عنهم إلى ما طلبوه منهم مع نفور بين القلب واللسان، فلم يطمئن قلبهم لم تنطق به ألسنتهم، وبعد أن منحوهم ما يريدونه تعذَّبوا وجدانيا بعد أن أطلقوا سراحهم؛ ففروا مسرعين إلى النبي ﷺ يسألونه عما حصل لهم؛ فعن محمد بن عمار بن ياسر قال: "أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب النبي ﷺ وذكر آلهتهم بخير ثم تركوه، فلما أتى رسول الله ﷺ قال: «ما وراءك؟» قال: شر يا رسول الله، ما تُرِكت حتى نلتُ منك، وذكرتُ آلهتهم بخير، قال: «كيف تجد قلبك؟» قال: مطمئن بالإيمان قال ﷺ: «إن عادوا فعد» [13]
الخروج من مكَّة لظلم أهلها
كل هذه المشاهد - وغيرها الكثير - التي تبين ضعف المسلمين، وقلة عددهم وعدتهم في بداية الأمر، مع قوة المشركين، وعزمهم على إبادة المسلمين ودعوتهم وهي في مهدها، لم يكن أمام النبي ﷺ والمسلمين معه إلا أن يفروا بدينهم من بطش وظلم الكفرة؛ حتى يتمكنوا من إقامة دولتهم في بيئة تقبل الدعوة، وتقوم على رعايتها، فلن تنتشر دعوة إلا إذا توفر لها من يقوم على شأنها دعوة وحماية في وسط بيئة تنصر وتمنع؛ فلا سبيل لنصرة الحق ما لم تكن له بيئة خالصة، وقوة رادعة؛ فالبيئة تمكِّن من صناعة القادة وفق منهج يتفق مع الدعوة، في بيئة لا يُنازع فيها أحد يسعى لإيقاف الدعوة من خلال تشغيبه، والقوة تردع كل من تسوِّل له نفسه الاقتراب وإلحاق الأذى بأهل الحق؛ من هنا كانت الهجرة واجبة.
والمتأمل في نصوص القرآن الكريم يُدرك بلا جهد أن الهجرة من بلاد يحصل فيها تضييق على الإنسان فلا يستطيع أن يُقيم دينه في تلك الأرض من أصل منهج الإسلام؛ ذلك لأن الشريعة لا يمكن أن تقوم في النفوس إلا إذا أمن المرء من بطش الظلم والكفر، فحينها تقوم الدعوة في النفس وتظهر آثارها على الأرض؛ لذا حثَّ الله تعالى كل مستضعف في الأرض على الهجرة إلى من دار الضعف إلى دار القوة؛ والأرض لله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 100] قال الطاهر بن عاشور رحمه الله: "ثم نوه الله بشأن الهجرة بأن جعل ثوابها حاصلا بمجرد الخروج من بلد الكفر، ولو لم يبلغ إلى البلد المهاجَر إليه. ومعنى المهاجرة إلى الله المهاجرة إلى الموضع الذي يرضاه الله. وعطف الرسول ﷺ على اسم الجلالة للإشارة إلى خصوص الهجرة إلى المدينة للالتحاق بالرسول ﷺ وتعزيز جانبه، لأن الذي يهاجر إلى غير المدينة قد سلم من إرهاق الكفر ولم يحصل على نصرة الرسول ﷺ، ولذلك بادر أهل هجرة الحبشة إلى اللحاق بالرسول ﷺ حين بلغهم مهاجره إلى المدينة" [14] ولقد عاب الله تعالى أناسا تحججوا بالاستضعاف في الأرض دون الهجرة إلى بلاد يسعهم إقامة دينهم فيها؛ فوبَّخهم الله تعالى لعدم الانتقال والضرب في الأرض فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 97].
(1) التحرير والتنوير= تفسير ابن عاشور، للطاهر بن عاشور التونسي (11/260) نشر: الدار التونسية للنشر والتوزيع - تونس، سنة النشر: (1984هـ).
(2) هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى، لابن قيم الجوزية، صـ: (246) تحقيق: محمد أحمد الحاج، نشر: دار القلم - دار الشامية، جدة – السعودية، الطبعة: الأولى سنة: (1416ه/1996م).
(3) الجامع لأحكام القرآن= تفسير القرطبي، لأبي عبدالله القرطبي (16/170) تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش نشر: دار الكتب المصرية - القاهرة.
(4) التحرير والتنوير= تفسير ابن عاشور، للطاهر بن عاشور التونسي (25/200).
(5) السير والمغازي= سيرة ابن إسحاق، لابن إسحاق (1/193) تحقيق: سهيل زكار، نشر: دار الفكر - بيروت الطبعة: الأولى سنة: (1398ه/1978م) قال الصوياني: "حديث حسن سنده جيد، ثم إن ما قبله يشهد له، فهو حسن لذاته أو لغيره" يُنظَر: السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة، محمد الصوياني (1/89) الطبعة: الأولى، الخاصة بمكتبة العبيكان سنة: (1424هج/2004م).
(6) صحيح: أخرجه ابن ماجه في سننه، افتتاح الكتاب في الإيمان، وفضائل الصحابة، والعلم، باب: (فضل سلمان وأبي ذر والمقداد) برقم: (150) والحاكم في مستدركه، كتاب: (معرفة الصحابة) باب: (ذكر بلال بن رباح رضي الله عنه مؤذن النبي ) برقم: (5238) وقال صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال البوصيري: "هذا إسناد رجاله ثقات" يُنظَر: مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه، للبوصيري (1/23).
(7) تاريخ دمشق، لابن عساكر (1/441) وسير أعلام النبلاء، للذهبي (1/352).
(8) مقال: تعذيب بلال بن رباح في صحراء مكة، د. راغب السرجاني، منشور بتاريخ: (22/1/2017م) موقع قصة الإسلام.
(9) أول شهيد في الإسلام؛ مجاهد: أول شهيد في الإسلام سمية والدة عمار بن ياسر، وكانت عجوزًا كبيرة ضعيفة" يُنظَر: الطبقات الكبرى لابن سعد (207/8).
(10) السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة، محمد الصوياني (1/89).
(11) يُحتمل أن تكون الجملة خبرية؛ أي أنه أراد أن يُخبر أن العذاب مستمر لا يتوقف عنهم حتى أصابهم ما أصابهم من الإجهاد والعناء والمشقة، كما يُحتمل أن تكون استفهامية؛ أي أنه يستفهم من النبي هل سيظل على حاله من التعذيب أبد الدهر؟! وكأنه يُشير إلى وهنِ العظم، وقلة الحيلة، وضعف القدرة على التحمل.
(12) حسن: أخرجه أحمد في مسنده، برقم: (439) وقال الهيثمي: "رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح إلا أنه منقطع" يُنظَر: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (7/227) و: (9/293) وقال الصوياني: "حديث حسن بما بعده رواه أحمد" يُنظَر: السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة (1/90).
(13) ضعيف: أخرجه الحاكم في مستدركه، كتاب: (التفسير) باب: (تفسير سورة النحل) برقم: (3362) وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي في التلخيص، وقال ابن حجر: "وهذه المراسيل تُقوَّى بعضُها ببعض" يُنظَر: فتح الباري (12/312).
(14) التحرير والتنوير= تفسير ابن عاشور، للطاهر بن عاشور التونسي (5/181).