الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

تمهيد:

إنَّ الموت أمر محسوم، وقته غير معلوم، وما بعده غيب لم يطَّلع عليه نبيٌّ فيرويه، ولا ملك في فيزويه، بل مردُّه إلى العليم الخبير، والحكم فيه للملك القدير، فلا اغترار بالأعمال، ولا زيادة على الآجال، ولا تمام للآمال، ولا عبرة بمن نصَّب نفسه حكمًا على النَّاس، فلا علم لأحد بما وراء الأنفاس.

وفي الموت جملة من القواعد تتسلسل كالتَّالي:

1. إنَّ مشاهد حسن الختام لا تعني بالضَّرورة حسن الخاتمة؛ فالأمر أبعد من ذلك؛ فمِدعَمٌ - الغلام الأسود الذي أهداه رفاعة بن زيد  للنَّبيِّ ﷺ - مات في قفل من الغزو حين أصابه سهم عائر بوادي القرى فقتله فقال النَّاس: هنيئًا له الجنَّة،  فقال رسول الله ﷺ: «كلَّا، والذي نفسي بيده، إنَّ الشَّملة - التي أخذ يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم - لتشتعل عليه نارًا» فلمَّا سمع النَّاس ذلك جاء رجل بشراك أو شراكين إلى رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «شراك أو شراكان من نار» [1].

2. مشاهد الآجال والنِّهايات يُستأنس بها في حسن وسوء الختام ولا يُجزم بها، فقد يموت على ما ظاهره الحسن أحد أهل النَّار كمجرم مات في المسجد مع جماعة المسلمين لـمَّا نشب حريق، ويموت على ما ظاهره السُّوء أحد أهل الجنَّة كصالح مات في دورات المياه لما وقع زلزال، وفي الحديث عن ‌سهل بن سعد السَّاعديِّ رضي الله عنه قال: "التقى رسول الله ﷺ هو والمشركون فاقتتلوا، فلمَّا مال رسول الله ﷺ إلى عسكره ومال الآخرون إلى عسكرهم وفي أصحاب رسول الله ﷺ رجل لا يدع لهم شاذَّة ولا فاذَّة إلَّا اتَّبعها يضربها بسيفه فقال: "ما أجزأ منَّا اليوم أحد كما أجزأ فلان" فقال رسول الله ﷺ: «أما إنَّه من أهل النَّار» فقال رجل من القوم: "أنا صاحبه" فخرج معه كلَّما وقف وقف معه، وإذا أسرع أسرع معه، قال: "فجُرح الرَّجل جرحًا شديدًا فاستعجل الموت فوضع نصل سيفه بالأرض وذبابَه بين ثدييه ثمَّ تحامل على سيفه فقَتل نفسه" فخرج الرَّجل إلى رسول الله ﷺ فقال: "أشهد أنَّك رسول الله" قال: «وما ذاك؟» قال: "الرَّجل الذي ذكرت آنفا أنَّه من أهل النَّار، فأعظمَ النَّاس ذلك فقلت: أنا لكم به، فخرجت في طلبه ثمَّ جُرح جُرحًا شديدًا فاستعجل الموت؛ فوضع نصل سيفه في الأرض وذبابه بين ثدييه، ثمَّ تحامل عليه فقَتل نفسه" فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: «إنَّ الرَّجل ليعمل عمل أهل الجنَّة ‌- فيما ‌يبدو ‌للنَّاس - وهو من أهل النَّار، وإنَّ الرَّجل ليعمل عمل أهل النَّار - ‌فيما ‌يبدو ‌للنَّاس - وهو من أهل الجنَّة» [2] فلا نجزم لأحد بجنَّة أو نار إلَّا ما حُكِم لهم أو عليهم بنصٍّ صحيح صريح من وحي الكتاب أو السُّنَّة، وما سواهم فلا جزم ولا تألُّه على الله تعالى، والمسلم العاقل لا يشتغل بشيء من هذا أبدًا؛ بل مردُّ علمها إلى الله تعالى.

3. الختام= اختزال الحياة كلِّها في مشهد الموت على وفاق ما كان عليه العبد في أكثر حياته، فمن كان في أكثر حياته مطيعًا رُجي له الحسن ولو كان من العامَّة أو مَن ظاهره الفساد، ومن لا فلا ولو كان من الخاصَّة أو ممَّن ظاهره الصَّلاح، فالخاتمة ملخَّص للحياة وما عمل فيه العبد، وهذا يستوي فيه الخلق جميعًا بغضِّ النَّظر عن معتقده ومذهبه بشرط الإسلام، فمهر حسن الختام العمل الصَّالح، فمن أتى به نالها بفضل ربِّه ومن لا فلا ولو كان من وجهاء قومه وأشراف النَّاس.

4. لا ينبغي أن ينشغل المرء بأمر خاتمته عن إقامة دين الله تعالى، بل يشتغل بالعمل الصَّالح الذي يُرضي ربَّه سبحانه وبحمده؛ فمن عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بُعث عليه، والنِّهايات بنات البدايات؛ فمن كانت له بداية محرقة، كانت له نهاية مشرقة، وليس للعبد في الدُّنيا أن يشتغل بغير العبادة، والموفَّق من شغلته العبادة عن تحسُّب الخواتيم وما وراءها؛ فإنَّ قومًا اشتغلوا بأمور لم يكن لهم فيها حظٌّ ونصيب؛ لأنَّ الاشتغال بها أقعدهم عن العمل، فتركوا ما يُحقَّق لهم به عند الله تعالى المكانات، فندموا على ما فات وقت الممات، وقالوا: "ليتنا اشتغلنا بما خُلقنا له من العبادة والعمل، عن ما خُلق لنا من جزاء!".

5. لا يلزم من إدراك خاتمة النَّاس أن نُدرك حقيقة الختام على وجهه الواقع عليه؛ فقد يموت المرء في بيئة معصية كانت نيَّته فيها الدَّعوة إلى الله تعالى، وقد يموت آخر في بيئة طاعة ذهب إليها ليسرق أهلها، فالخواتيم الظَّاهرة قد تكون باطلة لا تدلُّ بالضَّرورة على مضمون المشهد المنظور؛ لأجل هذا كانت الخواتيم من الله تعالى وإليه، فهو العليم بها بدءًا وانتهاءً، فلا يحكم النَّاس لمن حسنت خاتمته بمضمونها جزمًا، وإنَّما يرجون له الخير، ولا يُحكم للآخر بالسُّوء لما ظهر من موته في دورة المياه فقد يكون يتجهَّز للوضوء والصَّلاة الصَّادقة؛ وفي الحديث عن ‌خارجة بن زيد بن ثابت، عن ‌أمَّ العلاء رضي الله عنها - وهي امرأة من نسائهم، بايعت رسول الله ﷺ، قالت: "طار لنا عثمان بن مظعون رضي الله عنه في السُّكنى حين اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين، فاشتكى فمرَّضناه حتى تُوفِّي، ثمَّ جعلناه في أثوابه، فدخل علينا رسول الله ﷺ، فقلت: رحمة الله عليك أبا السَّائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله، قال ﷺ: «وما يُدريك؟» قلت: لا أدري والله، قال ﷺ: «أمَّا هو فقد جاءه اليقين، إنِّي لأرجو له الخير من الله، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يُفعل بي ولا بكم» قالت أمُّ العلاء رضي الله عنها: فوالله ‌لا ‌أزكِّي ‌أحدًا ‌بعده، قالت رضي الله عنها: ورأيتُ لعثمان في النَّوم عينًا تجري، فجئت رسول الله  فذكرت ذلك له، فقال: «ذاك عمله يجري له» [3]

ختام:

فإن آمنت بما ذكرته لك يا صاح فاجتهد في العمل الصَّالح الخالي من الرِّياء والعجب والنِّفاق، واجعل عملك خالصًا لوجه الملك الخلَّاق، وادَّخره لك عنده ليوم التَّلاق، وَاعجبًا لنَفس ما تنتبه وقد زلَّت، كلَّما عقدنا عقدةً تنفعها حلَّت، كم مستيقظ وقد فات الوقت، ينظر إِلى نفسه بعين المقت، ويصيح بنصيحه لقد صدقت، ويُنادي الكسل أنت الَّذي عوَّقت، فيُجيبه أنت من سُكرك ما أفقت، كم قدِم إلى القبور قادم، كلُّهم على فراش النَّدم نادم.

اللَّهمَّ حسن الختام والموت على الإسلام


(1) متَّفق عليه: أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب: (المغازي) باب: (غزوة خيبر) برقم: (4234) ومسلم في صحيحه، كتاب: (الإيمان) باب: (غلظ تحريم الغلول وأنَّه لا يدخل الجنَّة إلَّا المؤمنون) برقم: (183).

(2) متَّفق عليه: أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب: (الجهاد والسِّير) باب: (لا يقول فلان شهيد) برقم: (2898) وكتاب: (المغازي) باب: (غزوة خيبر) برقم: (4202)، ومسلم في صحيحه، كتاب: (الإيمان) باب: (غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، وأنَّ مَن قتل نفسه بشيء عُذِّب به في النَّار، وأنَّه لا يدخل الجنَّة إلَّا نفس مسلمة) برقم: (179).

(3) متَّفق عليه: أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب: (الجنائز) باب: (الدُّخول على الميِّت بعد الموت) برقم: (1243)، وكتاب: (الشَّهادات) باب: (القرعة في المشكلات) برقم: (2687)، وكتاب: (التَّعبير) باب: (العين الجارية في المنام) برقم: (7018).

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله