الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

التَّحكيم أفضل أساليب فضِّ المنازعات

إنَّ التَّحكيم يمتاز عن غيره من وسائل فضَّ المنازعات بعدَّة أمور أجملها فيما يلي:

أوَّلًا: السُّرعة في فضِّ المنازعات:

لأنَّ المحكَّمين عادة متفرِّغون للفصل في الخصومة في أوقات انعقاد مجالسها، ممَّا يُحتِّم عدم التَّطويل في فضِّ الخصومة فلا تتعدَّى أكثر من 6 أشهر، وربَّما تُنجز المجالس الموصِّلة إلى فضِّ النِّزاع والحكم الرَّشيد في أسبوع واحد فقط، بسبب تعاون الأطراف مع المحكِّمين، وصدق نيَّة الجميع في إظهار الحقِّ، وخلوِّ القضيَّة من شهود الزُّور، وأنصار الفتنة، فتنتهي في أسرع وقت ممكن.

ثانيًا: الاقتصاد في المصروفات:

حيث إنَّ نفقات التَّحكيم أقلُّ بكثير من نفقات رسوم المحاكم وأجور المحامين، وإجراءات التَّنفيذ، وهذا الأمر سبب رئيس في إعراض كثير من النَّاس عن الخوض في غِمار حبال القضاء الطَّويلة المكلفة، وإيثار طريق التَّحكيم عليه؛ لاختصاره وقلَّة كُلفته المادِّيَّة، فإنَّ النَّاظر اليوم إلى المحاكم يرى أنَّ رسومًا باهظة قد فُرضت من قِبل الجهات المسئولة عن القضاء، ربَّما كانت هذه الرسوم على كلِّ ورقة من المستندات المقدَّمة من جهة الطَّرفين المتنازعين، ولك أن تعجب إذا نظرت بعينيك في دنيا المحامين فرأيت قيمة ما يتعاطاه بعضهم نظير جهده اليسير من أتعاب وأرباح!، والتَّحكيم لا رسوم له غالبًا، فأعضاؤه متطوِّعون.

ثالثًا: السِّرِّيَّة التَّامَّة:

حيث إنَّ ملفَّ الخصومة بين الطَّرفين يبقى سرًّا بين المحكَّمين ولا يدخل جلسة التَّحكيم إلَّا من له علاقة وطيدة بالموضوع ـ محلِّ النِّزاع ـ؛ حفاظًا على الأسرار الخاصَّة المتعلِّقة بالطَّرفين، إذ لهما حقُّ الاحتفاظ بها فلا يعرفها إلَّا من له صلة بالقضيَّة وسيكون سببًا في حلِّ القضيَّة المطروحة، كما أنَّ المحكَّمين يُقسمون اليمين في كلِّ قضيَّة يتولَّون التَّحكيم فيها بالمحافظة على الحياديَّة والسِّرِّيَّة التَّامَّة، أمَّا إذا نظرنا إلى جلسات التَّقاضي في المحاكم الرَّسميَّة فإنَّها تكون علنيَّة يجوز للجميع أن يحضرها سواء له تعلُّق بالقضيَّة أم لا، بل رُّبمَّا رأيت في جلسة التَّقاضي بعضَ كاميرات الإعلام التي تبثُّ الجلسة على الهواء ليراها كلُّ من جلس أمام شاشة القناة التي تبثُّ الجلسة.

رابعًا: سهولة الإجراءات المتَّبعة فيه:

من غير تعقيد أو طلب رسوم باهظة التَّكاليف أو الحصول على مستندات ذات تكلفة كبيرة، وإنَّما تكون جميع الإجراءات في حيِّز الإمكان عند جميع الأطراف من كافَّة الطَّبقات المعيشيَّة، كما يضمن التَّحكيم الحرِّيَّة المطلقة لهيئة التَّحكيم بحسم الخلاف غير مقيَّدة إلَّا بما ينفع ما لم يُخالف الشَّرع، بخلاف القوانين الوضعيَّة التي فيها ما يُخالف الشَّريعة في بعض بنودها.

خامسًا: اختيار المحكِّمين برضاء تامٍّ من الفُرقاء المتنازعين:

بحيث يَشعر كلٌّ منهم بكامل الاطمئنان؛ لأنَّهم اختاروهم بإرادتهم من غير أن يُلزموا بحكم، بخلاف القضاء، فالقاضي يكون ملزِمًا لجميع الأطراف ويُفرَض عليهم فرضًا، حتى وإن كان بينه وبين أحدهم خصومة قديمة.

سادسًا: نتيجة التَّحكيم غالبًا تكون مرضية لجميع الأطراف:

لأنَّه تمَّ من محكَّمين حائزين على ثقة الجميع، فيؤدِّي قرار المحكَّم إلى وأد الخصومات والمشاحنات ـ محلِّ النِّزاع ـ وتطمئنُّ النُّفوس إلى الحكم ويعلوها الرِّضا والاحترام الكامل لقرار لجنة التَّحكيم، وتعود العلاقات الطَّيِّبة بين الأطراف المتنازعة دون تضجُّر أو استياء أو اعتراض.

سابعًا: مراعاته مبادئ العدل الثَّلاثة:

وإن كان يشترك فيها مع غيره من وسائل فضِّ المنازعات، غير أنَّه يقوم بها على وجه أكمل من القضاء غالبًا؛ فعُدَّت من مميِّزاته العظيمة، وهذه المبادئ هي:

1- مبدأ احترام حقِّ الدِّفاع: ويُعنَى به: حقُّ الخَصم في أن يسمع المحكِّم وجهة نظره، بحيث إذا صدر الحكم دون سماعه كان الحكم مشوبًا بالإخلال بحقِّ الدِّفاع، ولقد عاتب الله تعالى نبيَّه داود عليه السَّلام لمَّا حكم بين خَصمين بسماع طرف دون الطَّرف الآخر، وإنَّما اكتفى بالسَّماع من طرف واحد، ثمَّ تطوَّر هذا المفهوم وصار يُعنَى به: حقُّ الخَصم في مناقشة خَصمه فيما يُقدِّمه من وسائل دفاع وأدلَّة أثناء سير الخصومة، ولقد حرِصت كافَّة التَّشريعات السَّماويَّة والأرضيَّة بكلِّ صورها ومؤسَّساتها على النَّصِّ على وجوب إتاحة فرصة الدِّفاع كاملة أمام الأطراف، أمَّا استخدام الأطراف لهذه الوسائل فأمر رهين بإرادتهم.

2- مبدأ المواجهة: ويُعنَى به: عدم جواز الحكم على خَصم دون سماع دفاعه ووجهة نظره، أو على الأقلِّ دعوته للدِّفاع عن نفسه فيما يُوجَّه إليه من طلبات، بحيث يكون الحكم نتيجة تفاعل وجهات النَّظر بين الخصوم، وتحقيق هذا المبدأ لا يكون فقط في علاقة الخصوم بعضهم ببعض أثناء سير الخصومة التَّحكيميَّة، وإنَّما يتعيَّن على المحكِّم أيضًا الالتزام به، فلا يسوغ لهيئة التَّحكيم أن تستند في حكمها إلى وقائع وأدلَّة إثبات ومذكِّرات ومستندات قدَّمها أحد الأطراف ولم تكن محلًّا للاطِّلاع والحوار والمناقشة من الآخَر، فإذا خالفت هيئة التَّحكيم مبدأ المواجهة كان حكمُها باطلًا لمخالفته الإجراء العامَّ.

3- مبدأ المساواة: يُعتبر مبدأ المساواة في المعاملة بين الأطراف في خصومة التَّحكيم من الرَّكائز الأساسيَّة لضمان العدالة، وترسيخ ثقة هؤلاء في قضاة التَّحكيم، ويكون المحكِّم قد أخلَّ بهذا المبدأ إذا إذن لأحد الخصوم بالحضور أمامه في غَيبة الخَصم الآخر، وكذا إذا أجرى مع أحدهما اتِّصالات شخصيَّة في ظروف يمكن أن يُظنَّ معها أنَّها تتمُّ بشأن موضوع النِّزاع في غَيبة الطَّرف الآخر.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله