الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

حكمة مشروعيَّة التَّحكيم بين النَّاس

الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف المرسلين.

وبعد: فلقد جرت سنة الله تعالى في خلقه باختلافهم في آرائهم، واعتقاداتهم، ومللهم، وألوانهم وألسنتهم ولا يزالون مختلفين حتى يرث الله الأرض ومن عليها؛ قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ[هود: 118/119].

الطَّمع سبيل التَّجاوز

كما جرت سنة الله تعالى في خلقه باتّفاقهم على حبِّ ما جُبلوا عليه من المتاع والمال؛ قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ[آل عمران: 14] وجبل الإنسان على حبِّ المزيد من كلِّ مال؛ ليتنافس النَّاس فتعمر الأرض وتزدان، ويسعد الإنسان في حياته الدُّنيا، ولمَّا كان حبُّ الإنسان للمال كبيرًا بحيث لو تُرك إليه لأسرف وطَغى، وتنكب طريق العدل وجار وظلم وبغى، وغدا عبدًا للمال يهلك به ويشقى، أنزل الله الكتب وبعث الرُّسل، ليعرِّفوا الإنسان حدود حرِّيَّته في حبِّ المال والمتاع، ثمَّ تنزَّلت آيات القرآن الكريم لتنظيم موارد المتاع الحلال ومصارفه، والحرام ومساربه، وتدرَّج التَّشريع في أحكام حفظ المال والحقوق، حتى حدَّ الحدود القاطعة لمن بالغ في التَّجاوز والظُّلم، وشرَّع من الأحكام عامَّة ما يُنظِّم حياة النَّاس في أُسرهم ومجتمعهم ودولهم، وبنى النُّفوس من داخلها قبل العلاج في واقع الحياة وزخمها، ليكون وازعُ الدِّين أوَّل سياج حفظ الحقوق لأصحابها، فقد تنتهي الخصومة بالصُّلح والعفو والإعراض عن الجاهلين، أو بالقصاص من الظَّالم على قدر المظلمة، وهذا يكون بإقامة البراهين والحجج أمام القضاء، فكان القاضي نِهاية مطاف انتصاف المظلومين من الظَّالمين، وتقرير الحقوق وردَّها إلى أصحابها، يأخذ من هذا ليُعيد لهذا حقَّه، ردًّا إلى حكم الله تعالى ورسوله ؛ قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا[النساء: 59] فالنِّزاع لا ينقطع بين المسلمين أو غيرهم، لكنَّ المؤمنين يَفصل القرآن الكريم بينهم، والسُّلطان مخاطب بإقامة الشَّرع وسياسة النَّاس به في دينهم ودُنياهم.

أهمِّيَّة القضاء الشَّرعيِّ في الإصلاح

والقضاء الشَّرعيُّ هو سبيل إقامة الشَّرع في فصل الخصومات، وإذا كان وازع الدِّين في قلوب المؤمنين يحمل عن القضاء الكثير من وقائع الخصومات، ممَّا يُنصف المؤمنون فيه بعضُهم بعضًا رغبةً ورهبةً استغفارًا وتغافرًا وتوبة، إلَّا أنَّ هذا الوازع يقوى أو يضعف، وقد يتغافر المؤمنون في صغائر الأمور، ويحتاجون في كبارها إلى حكم القضاء لا ريب، ولكنَّ الطَّامَّة تكمن في حال النَّاس مع ضعف وازع الدِّين في قلوبهم، وتكالبهم على الدُّنيا ولو على دينهم، وحيثما ضعف الدِّين في النُّفوس زاد الظُّلم ونما، وتعالت الأصوات، وثارت النُّفوس، وهاج النَّاس وماجوا، يأكل القويُّ حقَّ الضَّعيف، وإزاء ذلك يحتاج الحكَّام إلى كثرت الأعوان من شرطة تضبط وقضاة تحكم؛ رفعًا للنِّزاع، وردًّا لحقوق النَّاس من مغتصبها.

من مثالب القضاء

ولا ريب أنَّ القضاء مسلك صعب؛ لما يحتاج من ضمانات، وإثباتات، وحجج، وبراهين، وإجراءات وتكاليف، ويزيده صعوبة عجزُ المظلوم أو فقره ومُدافعة الظَّالم عن نفسه، أو مدافعة من يُعينه على ظلمه ممَّن يكون ألحن في حجَّته، يَخبُر المداخل والمخارج التّي قد تفوِّت الحقوق على أصحابها، لتحمي الظَّالم وتبرِّئ ساحته، وغايته كسب ولو بالظُّلم والحرام.

من أسباب الإعراض عن القضاء

ولا تزال أبواب القضاء في بلاد الدُّنيا كلِّها أكثر الأبواب ازدحامًا وطول انتظار، حتى أصبح كثير من أصحاب الحقوق يتردَّد في طلب حقِّه وانتزاعه عن طريق أبواب القضاء؛ حذرًا من طول الانتظار، أو الخوف على سمعته وفضح أسراره وخصوصيَّاته في جلسات القضاء العلنيَّة، وهو مع هذا ربَّما يسلك الطَّريق ويدفع من المال الكثير ثمَّ لا يصل إلى حقِّه لنقص في مستنداته، أو ضعف في مطالبته أمام خَصم ألحن منه بحجَّته.

التَّحكيم ضرورة حياتيَّة

وأمام هذا الواقع العصيب عادت الدُّول إلى مبدأ التَّحكيم، وهو تحاكم الخَصمين بالتَّراضي إلى غير القاضي الرَّسميِّ، وقد كانت الدُّول تظنُّ أنَّ التَّحكيم يخدش السِّيادة، ولكن تبيَّن لها أنَّه نوع من القضاء، بل يمكن أن يخضع له، ويكون سندًا قانونيًّا له.

التَّحكيم في العرب والإسلام

وقد كان التَّحكيم سائدًا بين العرب يتولَّاه الحكماء منهم، وكانت القبائل تفتخر بحكمائها، واشتهر بين العرب قبل الإسلام عدد من المحكِّمين الذين عُرفوا بالعقل والحكمة واختلاف النَّاس إليهم للحكم في النِّزاعات، منهم الحاجب بن زرارة، والأقرع بن حابس، وقسُّ بن ساعدة الإياديُّ، وأكثم بن صيفيِّ، وعبد المطَّلب بن هاشم، وأقرَّ الإسلام الحنيف مبدأ التَّحكيم الودِّيِّ، بل حبَّذه وفضَّله دون رفع التَّخاصم إلى القضاء، فما تمَّ بالتَّراضي خير ممَّا يتمُّ بعد الشَّحناء والخصومة، فالتَّراضي بين الخَصمين قبل الحكم تُقارب وتُسامح وإيذان بالتَّراضي بالحقِّ أو بعضه مع صفاء النُّفوس وراحتها.

من شواهد التَّحكيم في العهد النَّبويِّ

وقد عرَف النَّاس التَّحكيم مُنذ القِدم، وما لجأ النَّاس للقضاء حتى قامت الدُّول وشرَّعت النُّظم وتعقَّدت المسائل والمشاكل، كما عرفته العرب في جاهليَّتها، بل كان عمدتهم في حسم المنازعات بين القبائل، وقد حقن النَّبيُّ ﷺ دماء قومه في جاهليَّتهم بالتَّحكيم لمَّا أرادوا أن يرفعوا الحجر الأسود واختصموا فيه حتى كادوا يتقاتلون مقتلة عظيمة فقالوا: يحكم بيننا أوَّل رجل يخرج من هذه السِّكَّة فكان رسول الله  أوَّل مَن خرج، فقضى أن يجعلوه في مِرطٍ ـ أي كساء من صوف أو خزٍّ يؤتزر به ـ، ثمَّ ترفع جميع القبائل من أطراف المِرط.

ضوابط التَّحكيم

ومن ثَمَّ نظَّم الإسلام التَّحكيم، واعتبره نظامًا لفصل الخصومات هو دون القضاء وفوق الصُّلح والفتوى، فضبط شروط المحكَّم، وما يصح محلًّا للتَّحكيم، وما لا يصحُّ الحُكم فيه، وأعطى لحكم المحكَّم صفة الإلزام كالقضاء، وسلبه التَّنفيذ كالفتوى، وقد اعتنى الفقهاء الكبار بتنظيم التَّحكيم، وإقامته على أصول الشَّرع ومبناه، فأحكامه مبنيَّة على تحقيق المصالح في ردِّ الحقوق لأصحابها بطريقة التَّراضي، وحفظ الأسرار، وسرعة الوصول للحقوق ودفع المفاسد من كثرت الخصومات القضائيَّة، ومشقَّة التَّرافع للقضاء، ولذا قال ابن العربيِّ المالكيِّ رحمه الله: "الحكم بين النَّاس إنَّما هو حقُّهم لا حقّ الحاكم، بيد أنَّ الاسترسال على التَّحكيم خرق لقاعدة الولاية، وقود إلى تهارج النَّاس تهارج الحمر، فلابدَّ من نصب فاصل، فأمر الشَّرع بنصب الوالي ليحسم قاعدة الهرج، وأذن في التَّحكيم تخفيفًا عنه وعنهم في مشقَّة التَّرافع، لتتمَّ المصلحتان وتحصل الفائدتان" فمبنى التَّحكيم تحقيق المصالح، ودرء المفاسد، وسدُّ الذَّرائع، لكن لمَّا كان على خلاف الأصل في أنَّ الولايات تكون للحكَّام احتاج إلى قيود وضوابط، وفَّى الفقهاء ترتيبها وضبطها، وقد أثبت التََحكيم جدواه وأثره حتى أصبح واقعًا محترمًا لا تخلوا دولة من تنظيمه واعتماده بل أنشأت له المحاكم والهيئات والمراكز المحلِّيَّة والإقليميَّة والدَّوليَّة، وأصبح شُريان التَّحكيم بين خصومات ومنازعات الدُّول والأفراد.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله