مشهد فرار أبي سفيان بن حرب بالقافلة:
خرج النَّبيُّ ﷺ في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، من الأنصار بضع وأربعون ومئتين، وسبعين بعيرًا يتعاقبون على ركوبها، وسرعان ما وصل خبر رسول الله ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم إلى أبي سُفيان ومن معه [1]؛ فقرَّر أن يُخالف الطَّريق المعهودة؛ فسلك طريق السَّاحل ليتجنَّب المرور بالمدينة لئلَّا تقع مواجهة بينهم وبين النَّبيِّ ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم الذين خرجوا معه؛ لأنَّ القافلة التِّجاريَّة لا تملك الجاهزيَّة الحربيَّة التي تؤهِّلهم لخوض معركة مع جيش المدينة المنوَّرة، ثمَّ أرسل أبو سفيان ضَمضم بن عمرو الغفاريَّ ليستنفر قريش ضدَّ النَّبيِّ ﷺ ومن معه؛ فأسرع ضَمضم حتى أتى مكَّة فشقَّ ثيابه وجدع أنف بعيره ونادى: "يا معشر قريش، اللَّطيمةَ اللَّطيمةَ، أموالكم مع أبي سفيان، وقد عرضها محمد وأصحابه [2] ولا أرى أنَّكم تُدركوها، الغوث الغوث" [3].
إصرار أبي جهل على الحرب بطرًا وعجبًا:
ما إن شاهدت قريش وسمعت ضمضمًا حتى غلت الدِّماء في عروقها؛ فجهَّزوا للخروج بحشد الطَّاقة القصوى لمكَّة فخرجوا بالنَّفس أو بالإنابة؛ لأنَّهم رأوا في هذا التَّهديد الوجوديِّ ما يقضي على اقتصادهم ومكانتهم وسمعتهم بين العرب وغيرهم؛ فإذا نجح جيش الدَّولة المسلمة الوليدة أن يستحوذ على قافلة قريش مرَّة فلن تكون الأخيرة، وستُصبح قوافلها إلى الشَّام مهدَّدة في كلِّ رحلة، ثمَّ إنَّ هذا يجعل الجيوش والقبائل الأخرى تتجرَّأ على قريش وتستبيح بيضتها؛ ولهذا أخذ المشركون الأمر على وجه الإهانة والهلكة؛ [فتجهَّز النَّاس سراعًا، وقالوا: "أيظنُّ محمَّد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرميِّ، كلَّا والله ليعلمنَّ غير ذلك" فكانوا بين رجلين: إمَّا خارج، وإمَّا باعث مكانه رجلًا، وأوعبت قريش، فلم يتخلَّف من أشرافها أحد] [4] فنفروا عن بكرة أبيهم لم يتركوا فيها إلَّا من لا طاقة له بالقتال.
(1) وقد يسأل سائل: كيف وصل الخبر إلى أبي سفيان؟ ومن الذي أوصله له؟.
وأقول: إنَّ رجلًا محنَّكًا كأبي سفيان بن حرب لم يكن يأمن وهو يمرُّ بطرق صحراويَّة تنقطع فيها أكباد الإبل جوعًا وعطشًا واعتداءً، وقد كانت العرب تُغير على بعضها، مع وجود قطَّاع الطُّرق على تخوم الجبال، وقد أفزعهم إخراج النَّبيِّ ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم من مكَّة مقهورين إلى المدينة مهاجرين وعلموا أنَّ المقهور المظلوم يمكن أن ينتقم من ظالميه ولا لوم عليه ولا عتاب، وممَّا زاد من مخاوف أبي سفيان أنَّ طرق القوافل تمرُّ بالمدينة المنوَّرة وهم قادرون على اعتراضها، وقد وقعت حادثة قبل نحو شهرين من غزوة بدر جعلت أبا سفيان أشدَّ حذرًا لئلَّا يقع له ولقافلته ما وقع لابن الحضرميِّ؛ حيث وقع قتال بين ناس من الصَّحابة على رأسهم عبدالله بن جحش رضي الله عنه - سرية ابن جحش - وقافلة كانت لقريش عليها عمرو ابن الحضرميِّ، وفيها عِير تحمل زبيبًا وأَدمًا وتجارة لقريش؛ ونتج عن القتال قتل ابن الحضرميِّ على يد واقد بن عبدالله التَّميميِّ، وأسر عثمان بن عبدالله والحكم بن كيسان، والظَّفر بالقافلة وعيرها وما فيها حتى قدموا على رسول الله ﷺ المدينة المنوَّرة، وكانت في أعقاب غزوة بدر الأولى - وتُسمَّى غزوة صفوان - التي أغار فيها كُرز بن جابر الفهريُّ على إبل ومواشي المدينة فخرج النَّبيُّ لقتاله لكنَّه لم يُدركه؛ قال ابن إسحاق رحمه الله: "ولم يقم رسول الله ﷺ بالمدينة حين قدم من غزوة العشيرة إلَّا ليالي قلائل لا تبلغ العشر، حتى أغار كُرزُ بن جابر الفهريُّ على سرح المدينة، فخرج رسول الله ﷺ في طلبه حتى بلغ واديًا يقال له: (سفوان) من ناحية بدر، وفاته كُرز بن جابر فلم يُدركه، وهي غزوة بدر الأولى، ثمَّ رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة فأقام بها بقيَّة جمادى الآخرة ورجبًا وشعبان، وبعث رسول الله ﷺ عبدالله بن جحش بن رِئاب الأسديَّ رضي الله عنه في رجب - مقفله من بدر الأولى - وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين، ليس فيهم من الأنصار أحد، وكتب له كتابًا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثمَّ ينظر فيه، فيمضي لما أمره به، ولا يستكره من أصحابه أحدًا، فلمَّا سار عبدالله بن جحش رضي الله عنه يومين فتح الكتاب فنظر فيه فإذا فيه: «إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة - بين مكَّة والطَّائف - فترصَّد بها قريشًا وتعلَّم لنا من أخبارهم» فلمَّا نظر عبدالله بن جحش رضي الله عنه في الكتاب قال: "سمعًا وطاعة" ثمَّ قال لأصحابه رضي الله عنهم: "قد أمرني رسول الله ﷺ أن أمضي إلى نخلة أرصد بها قريشًا حتى آتيه منهم بخبر، وقد نهاني أن أستكره أحدًا منكم، فمن كان منكم يريد الشَّهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فأمَّا أنا فماض لأمر رسول الله ﷺ" فمضى ومضى معه أصحابه رضي الله عنهم لم يتخلَّف عنه منهم أحد حتى نزل بنخلة، فمرَّت به عير لقريش تحمل زبيبًا وأَدمًا وتجارة من تجارة قريش، فيها عمرو ابن الحضرميِّ، فلمَّا رآهم القوم هابوهم وقد نزلوا قريبًا منهم، فأشرف لهم عكَّاشة بن محصن رضي الله عنه، وكان قد حلق رأسه، فلمَّا رأوه أمنوا وقالوا عمَّار، لا بأس عليكم منهم، وتشاور القوم فيهم - وذلك في آخر يوم من رجب - فقال القوم: "والله لئن تركتم القوم هذه اللَّيلة ليدخلنَّ الحرم، فليمتنعنَّ منكم به، ولئن قتلتموهم لتقتلنَّهم في الشَّهر الحرام" فتردَّد القوم، وهابوا الإقدام عليهم، ثمَّ شجَّعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم، وأخذ ما معهم؛ فرمى واقد بن عبدالله التَّميميُّ عمرو بن الحضرميَّ بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبدالله، والحكم ابن كيسان، وأفلت القوم نوفل بن عبدالله فأعجزهم، وأقبل عبدالله بن جحش وأصحابه رضي الله عنهم بالعِير وبالأسيرين، حتى قدموا على رسول الله ﷺ المدينة" سيرة ابن هشام، (1/603).
ولهذا كلِّه لم يكن أبو سفيان بن حرب يُعطي الأمان، فالحادثة قريبة عهد لم يتجاوز شهرين، وهو يحمل أموال قريش في تجارة عظيمة قوامها مال كثير؛ [وكان في العير ألف بعير، تحمل أموال قريش بأسرها] فخشي على نفسه من مصير ابن الحضرميِّ ومن معه؛ فكان يترقَّب ويحذر ويسأل المارَّة والسَّيَّارة عن أيِّ شيء مثير أو ملفت في طريقهم؛ قال ابن إسحاق رحمه الله: "وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتحسَّس الأخبار، ويسأل من لقي من الركبان؛ تخوُّفًا على أموال النَّاس، حتى أصاب خبرًا من بعض الرُّكبان أنَّ محمَّدًا قد استنفر أصحابه لك ولعِيرك؛ فحذر عند ذلك" البداية والنَّهاية، لابن كثير، (5/56).
(2) من الفوائد البحثيَّة أنَّ الاسم الشَّريف للنَّبيِّ ﷺ والوصف المنيف للصَّحابة رضي الله عنهم إذا وردا في سياق على لسان كافر أو مُعاند لم تُكتب التَّصلية والتَّرضية إلَّا بين علامتي اعتراض أو بين معكوفتين؛ للأمانة البحثيَّة التي تقتضي ذكر الكلام على وجهه الحاصل من القائل لا من الكاتب أمانة للقلم، ودلالة على عدم وقوع ذلك من القائل، كذلك إذا ورد اسم الصَّحابيِّ رضي الله عنهم في سياق قبل الإسلام لم يحسن تذييله بالتَّرضِّي؛ لأنَّه لم يكن قد رضي الله تعالى عنه في زمن كفره، وإنَّما حصل ذلك بعد إسلامه - ولا علاقة للمسألة بعلم الله تعالى الأزليِّ، فلا أقول بالبداء عياذًا بالله، وإنَّما الإشارة إلى الواقع في وقت التَّكلُّم والذِّكر - فلا يقع التَّرضِّي على صحابيٍّ ورد اسمه في سياق مواجهة النَّبيِّ ﷺ وجيوش المسلمين بالقتال؛ فلا يُقال: "وقاتل النَّبيَّ ﷺ والصَّحابة رضي الله عنهم في معركة كذا"= مجرَّد رأيٍّ يُمكن أن يكون صائبًا أو خائبًا، والله يعصم من الزَّلل.
(3) رؤيا حقٍّ قبل الحدث: ذكر أصحاب السِّير أنَّ رؤيا قد وقعت لعاتكة بنت عبدالمطَّلب عمَّة النَّبيِّ ﷺ قبل قدوم ضمضم بن عمرو بثلاث ليال؛ فقال ابن إسحاق رحمه الله: "وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال: "وقد رأت عاتكة بنت عبد المطَّلب قبل قدوم ضمضم مكَّة بثلاث ليال رؤيا أفزعتها، فبعثت إلى أخيها العبَّاس بن عبد المطَّلب فقالت له: "يا أخي، والله لقد رأيت اللَّيلة رؤيا أفظعتني، وتخوَّفت أن يدخل على قومك منها شرٌّ ومصيبة، فاكتم عنِّي ما أُحدِّثك به" فقال لها: "وما رأيت؟" قالت: "رأيت راكبًا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح، ثمَّ صرخ بأعلى صوته: "ألا انفروا يا لَغُدُرَ لمصارعكم في ثلاث، فأرى النَّاس اجتمعوا إليه، ثمَّ دخل المسجد والنَّاس يتَّبعونه، فبينما هم حوله مَثَل به - قام - بعيره على ظهر الكعبة، ثمَّ صرخ بمثلها: "ألا انفروا يا لَغُدُرَ لمصارعكم في ثلاث" ثمَّ مثَل به بعيره على رأس أبي قُبيس فصرخ بمثلها، ثمَّ أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوي، حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضَّت - تفتَّت - فما بقي بيت من بيوت مكَّة ولا دار إلَّا دخلتها منها فَلِقة" قال العبَّاس: "والله إنَّ هذه لرؤيا، وأنت فاكتُميها، ولا تذكُريها لأحد" ثمَّ خرج العبَّاس فلقي الوليد بن عُتبة بن ربيعة - وكان له صديقًا - فذكرها له واستكتمه إيَّاها، فذكرها الوليد لأبيه عُتبة، ففشا الحديث بمكَّة حتى تحدَّثت به قريش في أنديتها، قال العبَّاس: "فغدوت لأطوف بالبيت وأبو جهل بن هشام في رهط من قريش قعود يتحدَّثون برؤيا عاتكة، فلمَّا رآني أبو جهل قال: "يا أبا الفضل، إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا" فلمَّا فرغت أقبلت حتى جلست معهم، فقال لي أبو جهل: "يا بني عبد المطَّلب، متى حدَثت فيكم هذه النَّبيَّة؟" قال: قلت: "وما ذاك؟" قال: "تلك الرُّؤيا التي رأت عاتكة، قال: فقلت: "وما رأت؟" قال: "يا بني عبد المطَّلب، أما رضيتم أن يتنبَّأ رجالكم حتى تتنبَّأ نساؤكم، قد زعمت عاتكة في رؤياها أنَّه قال: انفروا في ثلاث، فسنتربَّص بكم هذه الثَّلاث، فإن يك حقًّا ما تقول فسيكون، وإن تمض الثَّلاث ولم يكن من ذلك شيء نكتب عليكم كتابًا أنَّكم أكذب أهل بيت في العرب" قال العبَّاس: فو الله ما كان منِّي إليه كبير، إلَّا أنَّي جحدتُّ ذلك، وأنكرت أن تكون رأت شيئًا، ثمَّ تفرقنا...فغدوت في اليوم الثَّالث من رؤيا عاتكة، وأنا حديد مغضب أرى أنِّي قد فاتني منه أمر أحبُّ أن أدركه منه، فدخلت المسجد فرأيته، فو الله إنِّي لأمشي نحوه أتعرَّضه ليعود لبعض ما قال فأقع به - وكان رجلًا خفيفًا، حديد الوجه، حديد اللِّسان، حديد النَّظر - إذ خرج نحو باب المسجد يشتدُّ، فقلت في نفسي: ما له لعنه الله، أكلُّ هذا فرَق منِّي أن أُشاتمه! وإذا هو قد سمع ما لم أسمع - صوت ضمضم بن عمرو الغفاريِّ وهو يصرخ ببطن الوادي واقفًا على بعيره، قد جدع بعيره وحول رحله وشقَّ قميصه وهو يقول: "يا معشر قريش، اللَّطيمة اللَّطيمة، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمَّد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوثَ الغوثَ" فشغلني عنه وشغله عنِّي ما جاء من الأمر" سيرة ابن هشام، (1/ 609).
وثمَّت رؤيا أخرى وقعت لجهيم بن الصَّلت قبل بدء معركة بدر حين نزلت قريش بالجحفة تحمل خبر القتل لأكابر قريش وزعامتها؛ قال ابن إسحاق رحمه الله: "وأقبلت قريش، فلمَّا نزلوا الجُحفة رأى جُهيم بن الصَّلت ابن مخرمة بن المطَّلب بن عبد مناف رؤيا، فقال: "إنِّي رأيتُ فيما يرى النَّائم وإنِّي لبين النَّائم واليقظان إذ نظرت إلى رجل قد أقبل على فرس حتى وقف ومعه بعير له ثمَّ قال: "قُتل عُتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأميَّة بن خلف، وفلان وفلان - فعدَّد رجالًا ممَّن قُتل يوم بدر من أشراف قريش - ثمَّ رأيته ضرب في لبَّة بعيره، ثم أرسله في العسكر، فما بقي خِباء من أخبية العسكر إلَّا أصابه نضح من دمه" فبلغت أبا جهل، فقال: "وهذا أيضًا نبيٌّ آخر من بني المطَّلب، سيعلم غدًا من المقتول إن نحن التقينا" - سيرة ابن هشام، (1/ 609) - وهذه الرُّؤى - كما هو واضح - تحمل التَّحذير للمشركين من الإقدام على القتال، ولكنَّهم لم يُدركوا منها المغزى، ولم يتفكَّروا في المبنى، فحلَّ بهم مضمونها الذي سوَّد وجوههم.
(4) سيرة ابن هشام، (1/ 609).