الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

واضع علم المتشابهات القرآنيَّة

لمعرفة هذا الأمر لابدَّ أن نتعرَّف على كيفيَّة تصنيف الكتب في علم المتشابهات، فأقول وبالله التوفيق:

إنَّ التَّصنيف قديمًا في علم المتشابهات اللَّفظيَّة ينقسم إلى قسمين:

القسم الأوَّل:

أن يذكر المصنِّف الآيات المتشابهة من ناحية اللَّفظ مع بيان بعض الفوارق المعنويَّة التي تكون سببًا في عدم الخلط أو اللَّبس من القارئ وقت قراءته؛ لأنَّ المصنِّف يعمد إلى المتماثلات فيفرِّق بينهما مـن النَّاحيـة المعنويَّة بعد أن عجز عن التَّفرقة بينها من النَّاحية اللَّفظيَّة؛ لتمام الشَّبه فلا يوجد فرق في الحقيقة، فيلجأ إلى التَّفرقة من المعنى.

التَّشابه اللَّفظيُّ من الإعجاز اللُّغويِّ

والتَّشابه اللَّفظيُّ مُستقلٌّ بذاته، ويقصد به بيان الإعجـاز اللُّغويُّ بالتَّصرُّف في الأسلوب بنقله من مكان إلى مكان في القصَّة الواحدة أو الموضوع الواحد لغـرض بلاغيٍّ لا يُدركه إلا أصحاب اللُّغة الذين خوطبوا بالقرآن الكريم، وهم أرباب الفصاحة، وجهابـذة البلاغة، وأساطين البيان، مع الاحتفاظ بالمعنى، وقد يُدركه غيرهم ممَّن يأتي بعدهم لكن بمجاهدة النَّفس، وتكبُّد المتاعب للوصول إلى بعض أغراض بعض الأساليب، بخلاف العرب الأوائل الـذين كانوا يُدركون مُراد الله عزَّ وجلَّ مـن غيـر عنـاءٍ أو تعب، وهذا هو إعجاز القرآن الكريم في زمـن المشركين؛ لأنَّه لو نزل عليهم بألفاظ لا تصل إليها عقولهم لكان عديم الفائدة مبتور الغاية؛ لنزوله على قوم بغير أسلوبهم، أو بغيـر ما يفهمونه من أساليبهم؛ لذا اقتضت الحكمة الإلهيَّة أن ينزل القرآن الكريم بلغة العرب، قال تعالى: {كِتَٰبٞ ‌فُصِّلَتۡ ءَايَٰتُهُۥ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا لِّقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ} [فصلت: 3] وقـال تعالى: {إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ} [يوسف: 2] كما اقتضت حكمته سبحانه وتعالى أن يتنزَّل على لغة قـريش، قال تعالى: {وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوۡمِهِۦ ‌لِيُبَيِّنَ ‌لَهُمۡۖ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} [إبراهيم: 4] قال عُثمان لأصحابه الذين أمرهم بجمع القرآن: وإذا اختلفتم على شيءٍ فاكتبوه على لغة قريش؛ لأنَّه بلغتها أنزل.

نزول القرآن الكريم بلغة العرب

وإنَّما نزل القرآن الكريم بلغة قريش؛ لأنَّها أوسط اللُّغات الموجودة آنذاك، وقد تألَّفت من جميع اللُّغات السَّائدة في ذلك العصر، بل كانت مختارةً من أجود ما يتكلَّم به العرب؛ وذلك لإشرافها على بيت الله العتيق - حتى في زمن الجاهليَّة - فكان النَّاس يؤمُّونها للحجِّ ويختلطون بأهلها، فيسمع القرشيُّون - سدنة البيت الحرام - من كلِّ لسان يرِدُّ عليهم في مواسم الحجِّ، ثمَّ ينتقون أجود ما في الكلام، وأحسن ما في الألفاظ، وأحلى ما في العبارات، كما كانوا يلتقون بغيرهم من العرب في الأسواق الشَّعريَّة التي كانوا يعقدونها؛ كسوق عكاظ الذي كان يتـزعَّمه النَّابغة الذُّبيانيُّ أحكم شعراء العرب، وأشعر حكمائهم، والحكم بين الشُّعراء في أشعارهم، وذي المجنَّة، كما كانت قريش منبع الثَّقافات، ومركزًا للتِّجارة في منطقة شبه الجزيرة العربيَّة، بموقعها الجغرافيِّ المتميِّز، كلُّ هذه الأمور وغيرها كان له أكبر الأثر في تزعُّم قريش وريادتها في جميع جوانب الفضل بما في ذلك اللُّغة الفصيحة، فكانت هذه هي الحكمة التي من أجلها أنزل الله القرآن موافقًا للغة قريش، فكانت قريش تفهم مراد الله من كلامه؛ لنزوله بلغتها، فالعربيُّ عندئذ لا يحتاج إلى تكلُّف أو عناء في فهم المعاني، وتقويم المباني؛ قال العربيُّ الأوَّل:

وَلَستُ بِنَحوِيٍّ يَلُوكُ لِسَانَهُ وَلَكِن سَلِيقِيٌّ أَقُــولُ فَأُعــرِبُ

أشهر الكتب المؤلَّفة في التَّشابه

ومن أشهر الكتب التي ألِّفت في هذا الباب: (البرهان في مُتشابه القرآن) للإمام محمود بن حمزة بن نصر المعروف بالكرمانيِّ (ت:500ه) رحمه الله، و: (كشف المعاني في المتشابه من المثاني) للإمام قاضي القضاة أبي عبدالله محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة (ت: 733ه) رحمه الله، و: (درَّة التَّأويل في متشابه التَّنزيل) للإمام الرَّاغب الأصفهانيِّ أبي القاسم الحسين بن محمد بن المفضَّل (ت: 502ه) صاحب المفردات رحمه الله.

أقدم الكتب المؤلَّفة في التَّشابه

وأمَّا أقدم مؤلَّف وصلنا في المتشابهات اللَّفظيَّة التي تُبنى على المعاني: فهو كتاب الخطيب الرَّازيِّ محمد بن عبدالله الشَّهير بالإسكافيِّ الأصفهانيِّ رحمه الله المعروف بـ: (درَّة التَّنزيل وغرَّة التَّأويل) وقد أثبت في مقدِّمة كتابه هذا ما يُفهم منه أنَّه لم يعثر على مؤلَّف أفرد هذا النَّوع من المتشابـه بالتَّأليف؛ فقال: "كيف ولم يُقرع بابها، ولم يفتر لهم عن نابها، ولم يُسفر عن وجهها، ففتَّقت من أكمام المعاني ما أوقع فرقانًا، وصار المبهم المتشابه وتكرار المتكرَّر تِبيانًا، ولطعن الحاقدين ردًّا، ولمسلك الملحدين سدًّا" [1] قال الدُّكتور محمد بن مصطفى آيدين في مقدِّمة تحقيقه للكتاب: "كفى الخطيب مكانًا أن يكون من أوائل المؤلِّفين الذين ألَّفوا في توجيه الآيات المتشابهة لفظًا في القرآن الكريم، ومن جاء بعـده ممَّن ألَّف في هذا النَّوع من أنواع التَّفسير هم عِيال عليه، وقد عرف قيمته الأئمَّة وقدَّروه، وقد سلك ابن الزُّبير الغرناطيِّ في كتابه: (ملاك التَّأويل) مسلك: (درَّة التَّنزيل) للإسكافيِّ ونهج نهجه فاعتمد عين ما ورد فيه من آيات مع استدراك ما أغفل، ووصف مؤلَّفه قائلًا: "إنَّه باب لم يقرعه من تقدَّم وسلف، ومن حذا حذوهم ممَّن أتى بعدهم وخلف، أحد فيما علمته على توالي الأعصار والمدد، وترادُف أيَّام الأبد، مع عظيم موقعه، وجليل منزعه، ومكانته في الدِّين، وفتَّه أعضاء ذوي الشَّكِّ والارتياب مـن الطَّاعنين والملحدين، إلى أن ورد عليَّ كتاب لبعض المعتنين من جلَّة المشارقة - نفعه الله - سماه بكتاب: (درَّة التَّنزيل وغرَّة التَّأويل) قرع به مغلق هذا الباب، وأتى في هذا المقصد بصفو من التَّوجيهات لُباب، وعرف أنَّه باب لم يوجف عليه أحد قبله بخيل ولا ركاب، ولا نطق ناطق قبل فيه بحرف ممَّا فيه، وصدق وأحسن فيما سلك وسنَّ، وحقَّ لنا به - لإحسانه - أن نقتدى ونستنَّ" [2] ومن أمثلته قول الكرمانيِّ رحمه الله في قوله تعالى: {قَالَتۡ رَبِّ أَنَّىٰ ‌يَكُونُ ‌لِي ‌وَلَدٞ} [آل عمران: 47] وفي مريم: {قَالَتۡ أَنَّىٰ ‌يَكُونُ ‌لِي ‌غُلَٰمٞ} [مريم: 20] لأنَّ في هذه السُّورة تقدَّم ذكر المسيح وهو ولدها، وفي مريم تقدَّم ذكر الغلام؛ قال: {لِأَهَبَ لَكِ غُلَٰمٗا زَكِيّٗا} [مريم: 19] [3] والمعنى: أنَّ الكلمة متعلِّقة بما سبقها للمناسبة؛ ففي آل عمران سُبقت هذه الجملة بالحديث عن المسيح عيسى عليه السَّلام، وهو ولد مريم عليها السَّلام؛ فناسب أن يُستعمل الولد، وأمَّا في مريم فلمَّا تقدَّم لفظ الغلام في قول الملَك المرسَل جبريل ناسب استعماله.

القسم الثَّاني:

أن يذكر المصنِّف الآيات المتشابهة من ناحية اللَّفظ وحسب، من غير اهتمام بالمعاني أو ذكر الفوارق بين المواضع والآيات المتشابهة، فعمله ينحصر في جمع الآيات المتماثلة في مكان واحد من غير تعليق، وهو خادم للحفظ فقط، وليس فيه ما يُفيد الحافظ من ناحية المعنى، فهدفه إزالة الإلباس الذي قد ينشأ للحافظ من جرَّاء التَّشابه اللَّفظيِّ، وهذا هو محلُّ هذا البحث، ونزيد عليه نتفًا ولطائف من التَّشابه المعنويِّ إن شاء الله تعالى.

وأقدم من أفرد علم المتشابهات اللَّفظيَّة بالتَّصنيف

أئمَّة القراءات الذين غلب عليهم تخصُّصهم في فنون القراءة؛ قال محقِّق درَّة التَّنزيل: "وعلم المتشابه اللَّفظيِّ واحد من تلك العلوم الشَّريفة الكريمة، وُلد في أحضان أئمَّة القرَّاء، ونما وربى على أيدي الكبار العلماء، الذين عكفوا طُوال حياتهم على إحاطة كتاب الله بعقولهم، وقلوبهم، وأسماعهم، وأبصارهم، وبذلوا في خدمته عُصارة أعمارهم وأوقاتهم، حتى عدُّوا كلماته، وحروفه" [4] وممَّا يؤكِّد أنَّ واضعي هذا العلم هم الأئمَّة القرَّاء أنَّ ابن المنادي رحمه الله قد اقتصر في سياقه على أسماء القرَّاء، قال: "سألت أبا الحسن إدريس بن عبدالكريم المقرئ، أن يدفع إليَّ كتاب خلف ابن هشام الذي صنَّفه في مُتشابه حروف القرآن، فقال لي حين سألته ذلك: قال لي خلف حين سألته ما سألتني: إيش تعمل بهذا الكتاب؟ فقلت له: أكتبه عنك كما كتبه غيري، وأحفظه كما حفظه فلان وفلان، قال: فقال لي خلف: أرأيت إن قلت لكم إنَّ في القرآن ثلاثة أحرف من وجوه المتشابه فوجدتموه أكثر ممَّا قلت لكم، أكنتهم تقبلون ذلك منِّي؟ فقلت له: لا، ولكنِّي لا أجد بدًّا من أن أكتبه عنك، قال: فأعطانيه، وقال لي: قد نصحت لك وأنت أعلم".

ثمَّ يقول ما خُلاصته: "إنَّه مكث مدَّة يظنُّ أنَّ خلفًا أوَّل من رسم للنَّاس هذا المتشابه من أجل المحاورة التي كانت جرت بينه وبين إدريس فيه، حتى وردت إليه كتب أخرى من مشايخ القراءة المتقدِّمين، ويستدلُّ بما يراه دليلًا عنده أنَّ كتاب موسى الفرَّا من بين تلك الكتب أوَّل شيء وضع في هذا الضَّرب". [5]

لكنَّهم لم يُحاولوا إماطة اللِّثام عن أسرار المتشابه، وإنَّما تناولوه من باب سرد الآيات المتشابهة مـن ناحية اللَّفظ وحسب، ولم يكن لهم اهتمام بالمعاني أو ذكر الفوارق بين المواضع، وهذه الطَّريقة منسوبة إلى القرَّاء، وأمَّا المفسِّرون فهم من عنوا بالتَّوجيه والتَّوسُّع في ذلك، وقد صنَّف في المتشابه السَّرديِّ جماعة من القرَّاء:

1 - الإمام الجليل حمزة [6] بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل الزَّيَّات أبو عمارة الكوفيُّ التَّميميُّ مولاهم، وقيل من صميم العرب [7] رحمه الله قال عنه الشَّاطبيُّ رحمه الله:

وَحَمزَةُ مَا أَزكَاهُ مِن مُتَوَرِّعٍ إِمَامًا صَبُورًا لِلقُرَانِ مُرَتِّلَا

2 - الإمام الجليل أبو رويم نافع بن عبدالرَّحمن بن أبي نعيم اللَّيثيُّ مولاهم المدنيُّ [8] رحمه الله وهو إمام المدينة المنوَّرة في القراءة والقرآن، ولد: (70ه) وتوفِّي: (199ه) على الصَّحيح. [9]

فَأَمَّا الكَرِيمُ السِّرِّ في الطِّيبِ نَافِعٌ فَذَاكَ الَّذِي اختَارَ المدِينَةَ مَنزِلَا

3 - الإمام الجليل أبو الحسن علي بن حمزة بن عبدالله بن بهمن بن فيروز الأسديُّ مولاهم الكوفيُّ الكسائيُّ [10] رحمه الله وهو من القرَّاء السَّبعة ومن أئمَّة الكوفة، انتهت إليه رئاسة الإقراء بها بعد الإمام حمزة بن حبيب الزَّيـَّات رحمه الله واسم كتابه الذي صنَّفه في علم المتشابهات [11]: (ما تشابه من ألفاظ القرآن، وتناظر من كلمات الفرقان) [12] وقال السُّيوطيُّ رحمه الله: "وأفرده بالتَّصنيف خلق أوَّلهم فيما أحسب الكسائيُّ، ونظمه السَّخاويُّ، وألَّف في توجيهه الكرمانيُّ كتابه: (البرهان في مُتشابه القرآن) وأحسن منه: (درَّة التَّنزيل وغرَّة التَّأويل) لأبي عبدالله الرَّازيِّ، وأحسن من هذا: (مِلاك التَّأويل) لأبي جعفر بن الزَّبير - ولم أقف عليه - وللقاضي بدر الدِّين بن جماعة في ذلك كتاب لطيف سمَّاه: (كشف المعاني عن مُتشابه المثاني) وفي كتابي: (أسرار التَّنزيل) المسمَّى: (قطف الأزهار في كشف الأسرار) من ذلك الجمِّ الغفير" [13]

وبالنَّظر إلى تواريخ وفيات الأئمَّة الثَّلاثة السَّالف ذكرهم نرى أكبرهم سنًّا أوَّلهم وفاة الإمام الكبير حمزة بن حبيب الزَّيَّات رحمه الله، فهو متقدِّم الوفاة عنهما؛ فقد مات رحمه الله: (158ه) أمَّا الإمام الكبير نافع بن عبدالرَّحمن رحمه الله فتُوفي: (170ه) والإمام الكبير علُّي بن حمزة الكسائيُّ رحمه الله فمتأخِّر الوفاة عنهما؛ فقد تُوفِّى: (189ه).

وبعد هذا العرض يمكن القول:

إنَّ أوَّل من صنَّف في هذا الباب هو الإمام حمزة بن حبيب رحمه الله على حسب ما أورد ابن النَّديم رحمه الله، وإلَّا فكتبهم مفقوده خلا كتاب الكسائيِّ رحمه الله، الأمر الذي جعل كثيرًا من الباحثين يرون أنَّ أوَّل من صنَّف في هذا الباب هو الإمام عليُّ بن حمزة الكسائيُّ رحمه الله [14] صاحب كتاب (متشابهات القرآن) [15] قال حاجِّي خليفة رحمه الله: "علم مُتشابهات القرآن أوَّل من صنَّف فيه الكسائيُّ" [16]

4 - الإمـام الجليل خلف بن هشام الأزديُّ البزَّار رحمه الله أحد القرَّاء العشرة، وهو الرَّاوي عن الإمام حمزة بن حبيب الزَّيَّات (ت: 229ه) رحمه الله، وهو متأخِّر الوفاة عن السَّابقين كما ترى أيُّها القارئ الكريم؛ قال ابن المنادي رحمه الله: "سألت أبا الحسن إدريس بن عبد الكريم المقرئ، أن يدفع إليَّ كتاب خلف ابن هشام الذي صنَّفه في متشابه حروف القرآن" [17]

5 - الإمام موسى الفرَّا الكوفيُّ رحمه الله؛ إمام أهل الكوفة في القرآن؛ قرأ على عبدالله ابن عيسى بن أبي ليلى رحمه الله، وهو قرأ على أصحاب عليِّ بن أبي طالب رحمهم الله؛ قال ابن المنادي رحمه الله: "حدَّثني عبدالله بن شعيب بن محمد بن شعيب العبديُّ أنَّه وجد في كتاب جدِّه لأمِّه - عيسى بن عثمان المروزيِّ - قال: قال أبو بلال الأشعريُّ: أعطاني هذا الكتاب الذي فيه متشابه القرآن عبدالرحمن بياع الهرويُّ - من شُيوخ يحيى بن معين - قال: أعطانيه موسى الفرَّا. فاستدلَّلت بذلك على أنَّ كتاب موسى الفرَّا أوَّل شيء وُضع في هذا الضَّرب - والله أعلم كذلك أم لا -" [18]

6 - صاحب الإمام أبي إسحاق إبراهيم بن عبدان المقرئ المعروف بالخبَّاز رحمه الله؛ قال ابن المنادي رحمه الله: "ثمَّ إنَّ أبا إسحاق إبراهيم بن عبدان المقرئ المعروف بالخبَّاز دفع إليَّ كتابًا ذكر أنَّه أخذه عن بعض مشايخ القراءة المتقدِّمين، لم يزدني على هذا، فألفيته يقرُب من كتاب خلف" [19] وسياق كلام ابن المنادي رحمه الله أنَّ كتاب صاحب ابن عبدان يقترب في سياقه ومنهجه من كتاب الإمام خلف البزار رحمه الله قد يدلُّ على أنَّه كتاب خلف وما وقع في يد ابن المنادي مسوَّدة منه.

وهؤلاء هم من وقفت عليهم ممَّن صنَّفوا في هذا العلم، وقد اكتفوا بجمع آيات المتشابهات من اللَّفظ بحسب ترتيب السُّور، ولم يتعرَّضوا لأسرار المتشابهات وبيان فروقه الدُّقيقة التي تعود إلى التَّفسير.

والرَّاجح الذي عليه المحقِّقون

أنَّ أوَّل من كتب في هذا العلم هو الإمام عليُّ بن حمزة الكسائيُّ؛ نظرًا لتقدُّمه، وثبوت كتابته في هذا العلم من خلال ما ورد إلينا من مخطوطات لكتابه: (مُشتبهات القرآن) وقد تمَّ تحقيقه وإخراجه للنُّور، وأمَّا بقيَّة الكتب فلا نعرف عنها إلَّا ما ثبت في كتب التَّراجم من مسمَّياتها، أمَّا أعيانها فلم ترد إلينا، والله أعلم.

أوَّل من نظم في المتشابهات هو الإمام السَّخاويُّ المصريُّ: [20]

ويكاد ينعقد الإجماع على أنَّ أوَّل من نظم فيه هـو الإمـام علم الدِّين أبو الحسن عليُّ بن محمد بن عبدالصَّمد بن عبد الأحد بن عبد الغالب بن عطَّاس الهمدانيُّ السَّخاويُّ الشَّافعيُّ المصريُّ رحمه الله نزيل بغداد - من علماء القـرن السَّادس الهجريٍّ، تتلمذ على يد أبي القاسم الشَّاطبيِّ رحمه الله - وقال حاجِّي خليفة رحمه الله: "علم مُتشابهات القرآن أوَّل من صنَّف فيه الكسائيُّ، ونظمه السَّخاويُّ" ([21]) وقد نظم أرجوزته لحصـر ما اشتبه من الكلم القرآنيِّ وسمَّاها: (هداية المرتاب وغاية الحفَّاظ والطُّلَّاب في تبيين مُتشابه الكتاب) ورتَّبها على حروف المعجم وعدد أبياتها: (437) بدأها بقوله:

وَقَد نَظَمتُ فـي اشتِبَاهِ الكَلِمِ أُرجُـوزَةً كَالُلـؤُلُـؤِ المنتَظِـمِ

لَقَّبتُهَــا هِدَايَـــةَ المـرتَـــــــابِ وَغَـايَةَ الحُفَّـاظِ وَالطُّــلَّابِ

أَودَعتُهَا مَوَاضِعًا تَخفَى عَلَى تَالِي الكِتَابِ وَتُرِيحُ مَن تَلَا

ثمَّ أتى الإمام عبدالرَّحمن بن إسماعيل المقدسيُّ (أبو شامة) (ت: 665ه) رحمه الله، فنظم منظومة على غِرار منظومة شيخه السَّخاويِّ رحمه الله، وذكر فيها ما أغفله الأوَّل من المتشابه، وسمَّاها: (تتمَّة البيان لما أُشكل من مُتشابه القرآن) ومنها نسخة مخطوطة في المكتبة الظَّاهريَّة بدمشق، يقول في بدايتها:

وَبَعدُ فَالمشكِلُ في الكِتَـابِ صَعبٌ بِــلَا شَكٍّ عَلَـى الطُّـلَّابِ

وَشَيخُنَــا عَلَّامَــةُ الزَّمَــــانِ نَظَـمَ مَـا أُشكِـلَ فـي القُــــرآنِ

أُرجُوزَةً وَهوَ لَهَا قَد أَجمَــلَا رَحِمَــهُ اللهُ لِمَــا قَــد فَعَــــــلَا

وَقَد بَقِي شَيءٌ مِنَ المشتَبِهِ صَعبٌ عَلَى القَارِئِ لَم يَأتِ بِهِ

ثمَّ يمرُّ الزَّمان وتجري السُّنون حتى أتى الشَّيخ محمد بن مصطفى الخضريُّ الدِّمياطيُّ (ت: 1287ه) رحمه الله، فنظم منظومة نحا فيها نحو ما نحاه علم الدِّين السَّخاويُّ رحمه الله في منظومته، وقد رتَّبها على حروف المعجم مع بعض الزِّيادات، وقد طُبعت بمصر ودمشق، يقول في مطلعها:

نَحَوتُ بِهِ نَحوَ السَّخَاوِي وَغَــالِبًا أَزِيــدُ زِيَادَاتٍ يَدِينُ لَهَا الحِجَــا

من آثار التَّصدُّر قبل التَّمكُّن

ألا فاعلم - أدام الله بهجتك، وحرس مهجتك - أنَّ التَّصنيف في العلوم كان سببًا في أن يتصدَّر للعلم من لا يحسنه، فاختلف النَّاس في الثَّوابت بسبب اضطراب الأقوال الصَّادرة عن غير المتخصِّصين الذين اعتمدوا على الكتب في دراساتهم للعلم، وأغفلوا دور العلماء العالمين في تلقِّي العلوم، فصار هؤلاء يُنصِّبون الكتب في مكان أهل العلم؛ فحدثت المصائب التي لا قِبل لنا بدفعها؛ فمن تصدَّر قبل أوانه فقد تصدَّى لهوانه؛ "فمن صنَّف فقد استهدف؛ فإن أحسن فقد استعطف، وإن أساء فقد استقذف" ومن ألَّف فقد وضع عقله في طبق وطلب من النَّاس أن يحكموا عليه، ولا يزال المرء في فسحة من أمره ما لم يكتب شعرًا، أو يؤلِّف كتابًا، فإن فعل فقد طلب نقد القرَّاء، ولن يسلم من النَّقد أحد، ولم يسلم من النَّقد كتاب إلَّا القرآن.

هذا، وقد تصدَّى بعض النَّاس للكتابة في العلوم الشرعيَّة خاصَّة - فهي العلوم المباحة لكلِّ أحد - فأفسدوا وأضرُّوا بساحة العلم حين أقدموا على تزوير العلم أو تشويه صورته؛ وقد قرأت عن رجل يُدعى أبا فاطمة السُّودانيَّ زعم أنَّه نظم نظمًا في علم المتشابهات أسماه: [النَّظم الجمان في متشابه آي القرآن] وقد بلغ قرابة: (400 بيتًا)، وهو يعزم أن يبلغ به إلى سماء الألفيَّة، وبالنَّظر في هذا النَّظم المزعوم نرى أنَّه لا يُشبه النَّظم ولا يقترب منه؛ فهو متفلِّت من الوزن والقافية، وفشت فيه اللُّحون الإعرابيَّة، وشاعت فيه الأخطاء الفنِّيَّة، وقد استدرك عليه كثير من أهل العلم، وطالبوه بحذف منظومته من مواقع التَّواصل، وعدم نشرها حتى يُعيد نظمها بعد أن يتقوَّى في العروض، والقوافي، ثمَّ يعرض ما قرَّره على أحد من أهل العلم والفضل، غير أنَّه أصرَّ على نشر ما كتب.

ولذا أقول: لا ينبغي أن يتجاسر أحد على النَّشر والتَّأليف إلا بنيَّة صالحة، وتضافُر المؤهِّلات التي تؤهِّله للكتابة في العلم؛ حتى لا يُفسد عقول الطُّلَّاب، ويُعرِّض نفسه لسيوف أهل العلم الذين أمرهم الله تعالى بالتَّصدِّي لكلِّ دعيٍّ يدَّعي العلم، ومهما حسنت نيَّة الباحث في ذلك إلَّا أنَّ عمله يُردُّ في وجهه إن لم يكن على قانون العلم، ومنهج البحث، ومادَّة الدِّراسة.

من المؤلَّفات الحديثة المعاصرة

ثمَّ اعلم أنَّ التَّصنيف في علم المتشابهات اللَّفظيَّة قد كثُر في الآونة الأخيرة بغرض رفع الإيهام، ودفع الخلط الذي يقع فيه الحفَّاظ عند قراءة المواضع المتشابهة؛ ومن المصنَّفات المعاصرة في هذا الفنِّ:

1 - دليل الحفَّاظ في متشابه الألفاظ؛ للشَّيخ يحيى بن عبدالفتاح الزَّواويِّ.

2 - عون الرَّحمن في حفظ القرآن؛ للشَّيخ أبي ذر القلمونيِّ.

3 - إغاثة اللَّهفان في ضبط متشابه القرآن؛ للشَّيخ عبدالله الورَّاقيِّ.

4 - إعانة الحفَّاظ للآيات متشابهة الألفاظ؛ للشَّيخ طلحة متيار.

5 - كنز الحفَّاظ في مُتشابه الألفاظ؛ محسن التَّرجمان.

6 - التَّوضيح والبيان في تكرار وتشابه آي القرآن للشَّيخ عبدالغفور البنجابيِّ.

7 - الضَّبط بالتَّقعيد للمتشابه اللَّفظيِّ؛ للشَّيخ فواز بن سعد الحنين.

8 - سبيل الإتقان في متشابه القرآن؛ للشَّيخ محمد نصر الدِّين محمد عويضة.

9 - وعلامات موسوعة جامعة في ضبط المتشابهات، للدكتور سعيد أبو العلا حمزة.

10 - الثَّمر الدَّاني في التَّشابه القرآنيِّ، لكاتب هذه المقالة.

وصيَّة للباحثين في التَّشابه

ثمَّ اعلم أنَّ إتقان المتشابهات اللَّفظيَّة لا يحتاج إلى مزيد بحث وتطلع لكلِّ المؤلَّفات القديمة والحديثة في هذا الفنِّ الجليل، ولكنَّه علم ينمو ويتغذَّى على المراجعة، وعلاقته بها علاقة اقترانيَّة؛ فكلَّما قويت المراجعة ازداد إدراك الحافظ للمتشابهات؛ فالمتشابه ليس قرآنًا مستقلًّا عن المحفوظ، بل هو منه، وثمَّت أناس ضيَّعوا أعمارهم بكثرة الاطِّلاع على المتشابه حتى أتقنوا صغيره وكبيره، وعلى الرَّغم من ذلك لا يتمكَّن أحدهم من الاعتماد على محفوظه، فإتقان التَّشابه لا يدلُّ على إجادة المحفوظ، والعكس يصحُّ؛ لأنَّ كثرة المراجعة تمكِّن الحافظ من النَّصِّ القرآنيِّ بكلِّ ما فيه من نكات ولطائف، فعلى من أراد الخير بنفسه أن يغتنم عمره بكثرة المراجعة لا بكثرة الاطِّلاع على الكتابات في هذا الفنِّ إلَّا على سبيل الاستفادة المقنَّنة أو المعالجة للأخطاء التي سببها الخلط بين المتشابه، ويكون في حدود معلومة.


(1) درة التَّنزيل وغرَّة التَّأويل، للخطيب الإسكافيِّ، ص: (8).

(2) وقال: "فحرَّك من فكري السَّاكن، وأضربت عن فسحته بالاستدراك بلكن، وأبديت بحول ربِّي من مكنون خاطري إلى الظُّهور، ما أثبته بعون الله وقوَّته فـي هذا المسطور، معتمدًا عين ما ذكره من الآيات، ومستدركًا ما تذكَّـرته ممَّا أغفله من أمثالها من المتشابهات، وإبداء المعاني الخفيَّات القاطعة بدرب البطالات، من غير أن أقف في أكثر ذلك على كلامه، إلَّا بعد إبدائي ما يُلهمه الله سبحانه وإتمامه، ولا ناقلًا إلَّا في الشَّاذِّ النادر كلام أحد من أرباب المعاني إذ لم يعترض أحد غير من تقدَّم ذكره لما من هذا الضَّرب أعاني، وإنَّما يلقيه فكري إلى ذكري فيلقيه ترجمان فهمي على قلمي.

(3) البرهان في متشابه القرآن، للكرمانيِّ، تح: أحمد عزِّ الدِّين خلف، ط: دار الوفاء، القاهرة - مصر، ص: (130).

(4) درة التَّنزيل وغرَّة التَّأويل، للخطيب الإسكافي، مقدمته تح: محمد مصطفى آيدين، (10/1).

(5) متشابه القرآن العظيم، لابن المنادي، تح: عبدالله الغنيمان، ص: (61-63)

(6)  ذكره ابن النَّديم في: الفهرست، ص: (55) وقال: "ولم يقع لي شيء من أسماء مصنَّفاتهـم".

(7) أحد القرَّاء السَّبعة، ومن أئمَّة القراءة بالكوفة، انتهت إليه رئاسة الإقراء بالكوفة بعد الإمام عاصم بن أبي النِّجود، والإمام أبي محمد سليمان بن مهـران الأعمش، كان إمامًا حجَّة ثقة ثبتًا، عالـمًا بالفرائض، عارفًا بالعربيَّة، حافظًا للسُّنَّة عديم النَّظيـر، وكان يعمل في تجارة الزَّيت إذ كان يجلبه من العراق إلى حلوان ويجلب الجوز والجبن إلى الكوفة، وكان أمينًا عُرف بأمانته وصدقه، ولد: (80ه) وتوفِّي: (156) أو (158ه) والأوَّل أصوب. قال عبد الله العجليُّ:  قال أبو حنيفة لحمزة: شيئان غلبتنا عليهما لسنا ننازعك فيهما القرآن والفرائض. وقال أيضًا: ما قرأ حمزة حرفًا من كتاب الله إلَّا بأثر. وقـال عبيد الله بن موسى: كان حمزة يُقرئ الـقـرآن حتَّى يتفرَّق النَّاس ثمَّ ينهض فيصلِّي أربع ركعات، ثمَّ يُصلِّي ما بين الظُّهر والعَصرِ، وما بين المغرب والعشاء، وكان شيخه الأعمش إذا رآه أقبل يقول: هذا جدُّ القرآن. وقال سفيان الثَّـوريُّ: غلـب حمزة النَّاس على القرآن والفرائض، وكـان لا يتقاضى شيئًا على القرآن الكريم فلم يكن على قرآنه متأكِّلًا؛ لأنَّه تمذهب بحديث التَّغليظ فـي أخـذ الأجرة عليه. وكان إذا جاءه من يعرض عليه أجرًا قال: أنا لا آخذ أجرًا على القرآن أرجو بذلك الفــردوس. يُنظر ترجمته مفصلة في: إزالة الغبار عن تراجم القراء الكبار لراقم هذه الصَّفحات.

(8)  قـال سعيـد بن منصور: سمعت مالـك بن أنس يقول: قراءة أهل المدينة سنَّة. قيل: قـراءة نافع قال: نعم. وقال عبـد الله بـن الإمام أحمد بن حنبل: سألت أبي: أيَّ القراء أحبُّ إليك؟ قال: قراءة أهل المدينة قلت: فإن لم يكن؟ قال: قراءة عاصم. وقال أبو عبيد: وإلى نافع صارت قراءة أهـل المدينة. وقال ابن مجاهـد: وكان الإمام قام بالقراءة بعد التَّابعين بمدينة رسول الله  نافع، وكـان عـالـمًا بوجوه القـراءات متَّبعًـا لآثـار المـاضيـن ببلده. وقال اللَّيث بن سعد: حججت سنـة ثلاث عشرة ومئــة وإمام النَّاس في القراءة بالمدينة نافع. وقال قالون: كان نافع من أطهر النَّاس خلقًا ومن أحسن النَّاس قراءة، وكان زاهدًا جوادًا صلَّى في مسجد النَّبيِّ ﷺ ستِّين سنة. وقال الأعشى:  كان نافع يُسهِّل القـرآن لمن قرأ  عليه إلَّا أن يقول له إنسان: أريد قراءتك. وكان ورعًا متقنًـا انتهت إليه رئاسة الإقراء في المدينة بعد شيخه أبي جعفر وكان إذا قرأ القرآن شمَّـت رائحة المسك مِـن فيه، فلمَّا كان يُسئل عـن ذلك يقول: رأيت النَّبيَّ ﷺ يقرأ القرآن في فيَّ. قال عليُّ بن الحسن المعدِّل: حدَّثنا محمد بن عليٍّ، حدَّثنا محمد بن سعيد، حدَّثنا أحمد بن هلال قال: قال لي الشَّيبانيُّ: قال رجل ممَّن قرأ على نافع: إنَّ نافعًا كان إذا تكلَّم يُشمُّ من فيه رائحة المسك. فقلت له: يا أبا عبدالله أتتطيَّب كلَّما قعدتَّ تُقرئ النَّاس؟ قال: ما أمسُّ طيبًا ولا أقرب طيبًا ولكنِّي رأيت فيما يرى النَّائم النَّبيَّ ﷺ وهو يقرأ في فيَّ، فمن ذلك الوقت أشمُّ من في هذه الرَّائحة. وقال المسيِّبيُّ: قيل لنافع: ما أصبح وجهك وأحسن خلقك!. قال: فكيف لا أكون كذلك وقد صافحني رسول الله ﷺ وعليه قرأت القرآن . يعني في النَّوم. للمزيد ارجع إلى: إزالة الغبار عن تراجم القرَّاء الكبار؛ لكاتب المقال.

(9)  ذكره ابن النَّديم في: الفهرست، ص: (55) وقال: "ولم يقع لي شيء من أسماء مصنَّفاتهم".

(10)  قال الجعبريُّ: قيل له: لم سميت الكسائيَّ؟ قال: لأنِّي أحرمت في كساء. وقيل: لأنَّه كان في حداثة سنِّه يبيع الكساء. وقيل: لأنَّه كان من قرية من قُرى السَّواد يُقال لها: باكسايا. وقيل: لأنَّه كان يتَّشح بكساء، ويجلس في مجلس حمزة، فكان حمزة يقول: اعرضوا على صاحب الكساء. قال الأهـوازيُّ:  وهذا القول أشبه بالصَّواب. وكان إمـامًا في القـراءة والعربيَّة والنَّحو واللُّغة، وانتهت إليه الرِّياسة في كلِّ هذه العلوم؛ قال الشَّافعيُّ: من أراد أن يتبحَّر في النَّحو فهو عيال على الكسائيِّ. وقال ابن مجاهد: كان الكسائيُّ إمام النَّاس في القراءة في عصره. وقـال أبوبكر بن الأنباريِّ: كـان الكسائيُّ أعلم النَّاس بالنَّحو، وأوحدهم في الغريب، وكان أوحد النـَّاس في القرآن، وكان يقرأ ويضبط النَّاس عليه. وقال نصر: كان الكسائيُّ إذا قرأ أو تكلَّم كأنَّ ملكًا ينطق على فيه، ورؤيَ في المنام فقيل: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بالقـرآن. توفِّي سنة: (189ه). يُنظر: إزالة الغبار في تراجم القرَّاء الكبار، لراقم هذه الصَّفحات.

(11)  ذكره السُّيوطيُّ في: الإتقان في علوم القرآن، (2/599).

قال الدُّكتور أحمد بن عزِّ الدِّين: "وتُوجـد منه نسخة في مكتبة (قَوَلَة) ونسخة في المكتبة الأهليَّة بباريس تحت رقم: (665) وتحت عنوان (متشابهات القرآن) ونسخة (ميكرو فيلم) في معهد المخطوطات التَّابع لجامعة الدُّول العربيَّة، تفسير رقم: (240) وتقع في: (80) ورقة، وقد اكتفى المصنِّف بجمع آيات المتشابهات من اللَّفظ بحسب ترتيب السُّور، ولم يتعرَّض لأسرار المتشابه وبيان فروقه الدَّقيقة.

(12) البرهان في متشابه القرآن، للكرمانيِّ، ص: (56).

(13) الإتقان في علوم القرآن، للسُّيوطيِّ، (2/132).

(14) متشابهات القرآن، للكسائيِّ، تح الدُّكتور محمد محمد داود، ص: (24).

(15) نسخة باريس برقم: (أول: 665) بعنوان: (المشتبه في القرآن) وفي نسخة الكتبخانة العمومية استانبول برقم: (436) بعنوان: (مشتبهات القرآن) وفي نسخة مكتبة قولَة بدار الكتب المصريَّة (1/28) رقم: (15) قراءات: (ما تشابه من ألفاظ القرآن وتناظر من كلمات الفرقان).

(16) كشف الظنُّون عن أسامي الكتب والفنون، لحاجِّي خليفة.

(17) هداية المرتاب، وغاية الحفَّاظ والطُّلَّاب، لعلم الدِّين السَّخاويِّ، تح: عبدالقادر الخطيب، ص: (25-27).

(18) متشابه القرآن العظيم، لابن المنادي، ص: (61).

(19) المرجع السَّابق نفسه.

(20) ولد بسخا وهي من أعمال مصر سنة ثمان وخمسين أو تسع وخمسين وخمسمئة، ثمَّ رحل إلى مصـر والإسكندريَّة وسمع بهما من كبار الشُّيوخ، ثمَّ رحل إلى الدِّيار الشَّاميَّة وظلَّ بدمشق حتَّى توفِّي بها بمنزله بالتُّربة الصَّالحيَّة، ودُفن بسفح قاسيون، وذلك في ثاني عشر من جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وستِّمئة، سمع من أبي طاهر السِّلفيِّ، وهبة الله البوصيريِّ، وعساكر بن عليِّ، وإسماعيل بن ياسين، والقاسم بن عساكر، وحنبل بن عبدالله، وابن طبرزذ وغيرهم، وقرأ على أبي القاسم الشَّاطبيِّ وانتفـع، وأبي الفضل محمد بن يُوسُفَ الغزنويِّ، وأبي الجود اللَّخميِّ، قال عنه الذَّهبيُّ:كان إمامًا كاملًا ومقرئًا محقِّقًا ونحويًّا علَّامة مع بصره بمذهب الشَّافعيِّ، ومعرفتـه بالأصول وإتقانه وبراعته في التَّفسير، وإحكامه لضروب الأدب. وقال الجزريُّ: كان إمامًا علَّامة محقِّقًا مقرئًا مجوِّدًا بصيرًا بالقراءات وعللها إمامًا في النَّحو، واللُّغة، والتَّفسير، والأدب، أتقـن هذه العلوم إتقانا بليغًا وليس في عصره من يلحقه فيها، وكان عالـمًا بكثير من العلوم غير ذلك مفتيًا أصوليًّا مناظرًا. ينظر: المرجع السابق نفسه.

(21) كشف الظنُّون عن أسامي الكتب والفنون، حاجِّي خليفة، (1/203).

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله