ليس لليهود حقٌّ في سيناء
لا ينبغي للمحتلِّ الصُّهيونيِّ الغاصب أن يبني خطَّته الاستيطانيَّة الاستخرابيَّة على عقيدة مزيَّفة تجعل لليهود الحقَّ في أرض سيناء بناءً على بقاء أصولهم فيها زمنًا حين خرجوا من مصر مع موسى عليه السَّلام - بعد أن نجَّاهم الله تعالى من فرعون وجنوده - وإلى قبل دخول الأرض المقدَّسة مع يوشع بن نون عليه السَّلام؛ لأنَّهم كانوا مُنتقلين منها إلى الأرض المقدَّسة التي كتبها الله تعالى لهم في زمن أنبيائهم عليهم السَّلام ثمَّ حرَّمها عليهم بعد ذلك، فبقاؤهم في أرض سيناء زمن التِّيه= بقاء عبور ومعاقبة، وليس بقاء استقرار وعطاء، فقد امتنعوا عن الدُّخول إلى الأرض المقدَّسة مع نبيِّهم موسى عليه السَّلام لجبنهم وخوفهم من الجبَّارين حتَّى قالوا: {قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَآ أَبَدٗا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذۡهَبۡ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي لَآ أَمۡلِكُ إِلَّا نَفۡسِي وَأَخِيۖ فَٱفۡرُقۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ * قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيۡهِمۡۛ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗۛ يَتِيهُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ} [المائدة: 24-26] فكانت المعاقبة لهم بحرمانهم من دخول الأرض المقدَّسة بالوقوف على أبوابها في سيناء؛ لتتحقَّق المعاقبة بالحرمان، ولكي يهلك جيل الجبن والهلع ويُربَّى جيل الفتح والنَّصر قريبًا من أرض المعركة.
سبب عدم استجابة بني إسرائيل
وأُرى أنَّ الخوف والرُّعب الذي تحكَّم من نفوس بني إسرائيل وقت خروجهم من مصر فحملهم على الامتناع عن الاستجابة لنبيِّ الله موسى عليه السَّلام حين أمرهم بدخول الأرض المقدَّسة وهم في أمسِّ الحاجة إلى وطن يجمعهم كان بسبب ما أحدثته العقوبات الفرعونيَّة المتكرِّرة على هذا الشَّعب من زمن أحمس الأوَّل الذي عاقبهم أشدَّ معاقبة بعد أن طرد الهكسوس من مصر وقامت دولة الأسرات المصريَّة القديمة، وتعاقب على تعذيبهم ملوك المملكة المصريَّة القديمة حتَّى بلغ العذاب أشدَّه في زمن فرعون، ونتج عن هذا العذاب هلاك البدن، وضعف الصِّحَّة، وقتل الشَّخصيَّة، وبثُّ الرُّعب والهلع في نفوس الأجيال المتعاقبة على رؤية التَّعذيب وتذوُّق طعومه أشكالًا وألوانًا على يد أظلم شخصيَّة بشريَّة عرَفها التَّاريخ؛ فلمَّا تأثَّرت النَّفس سلبًا بما جرى كان الجواب المتوقَّع منهم هو ما سطَّره القرآن الكريم، ومن هُنا كانت المعالجة في الانتظار حتَّى يهلك الجيل الضَّعيف المتأثِّر بالتَّربية الفرعونيَّة الجائرة، وإعداد جيل جديد صالح يُربَّى على يد نبيٍّ كليم عليه السَّلام، فلم تنته عقوبة التِّيه إلَّا وفنِيَ جيل الهزيمة، وترعرع جيل النَّصر، وهم من قاد بهم فتى موسى يوشع بن نون عليه السَّلام المعركة التي فتح الله تعالى عليها فيها بيت المقدس.
سبب ضعف بني إسرائيل بعد الخروج
إنَّ الذي حصل لبني إسرائيل بعد خروجهم من مصر من ضعف وخَور وهلع ورعب كان نتيجة لما مورس عليهم من تخويف وتقتيل وتذبيح وتجويع وتسخير وإذلال وأد شخصيَّتهم، وذبح العزَّة فيهم؛ قال تعالى: {وَإِذۡ نَجَّيۡنَٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ} [البقرة: 49] وقال سبحانه: {وَلَقَدۡ نَجَّيۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مِنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡمُهِينِ * مِن فِرۡعَوۡنَۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَالِيٗا مِّنَ ٱلۡمُسۡرِفِينَ} [الدخان: 30-31] وهذا الذي حصل لبني إسرائيل أثَّر على تكوينهم القياديِّ والنَّفسيِّ فأنتج الضِّعاف المرتبكين= المهتزِّين نفسيًّا، والمرتعشين جسديًّا، والمشلولين فكريًّا، وهذه نتيجة حتميَّة - يُصدِّقها التَّاريخ - لكلِّ جيل يتربَّى تحت سياط القهر، والإذلال، والامتهان، والقسوة، والعقوبات المفرطة، والتَّعذيب، والتَّجهيل، والتَّجويع، والإعلال، والإفقار، والظُّلم، والبطش، والطُّغيان، ومشاهد العنصريَّة، وحياة الطَّبقيَّة، والحكم بالجبر والقسر والحديد والنَّار، والجلد بالسِّياط، والزَّج في المعتقلات، وتسفيه الرَّأي، وحكم المأجورين، وقيادة التَّافهين، وتحكُّم الجاهلين، واستئساد العسس على الرَّعيَّة، وطمس معالم الهُويَّة الإسلاميَّة، واغتيال معالم وملامح الشَّخصيَّة القويَّة، وهذا ما يُفسِّر طول زمن الضَّعف والاستعباد وتسلُّط العدوِّ على مقدَّساتنا؛ فإنَّ الجيل الذي تحكَّمت هذه الوسائل في تربيته لا يصلح لمواجهة فأر الدَّار، فهل يُمكنه مواجهة العدوِّ العنيد الجبَّار المدجَّج بالسِّلاح والذَّخائر؟!.
مفاسد منهج التَّربية العنيفة
والنَّاظر في واقع كثير من دول العالم اليوم يرى أنَّ الاتِّجاه العامَّ فيها يعتمد منهج التَّربية العنيفة القاسية التي تقوم على الكبت وقمع الحرِّيَّات، وإطفاء شعلة النَّشاط والحركة، وتولية الفسدة المتواطئين مع العدوِّ زمام الحكم والقيادة والسِّياسة؛ فنتج عن ذلك إفساد نظم الحياة ووسائل صناعة القادة في بلادهم؛ فأفسدوا التَّعليم، ودمَّروا الصِّحَّة، واغتالوا الاقتصاد، وهمَّشوا الجيوش، وعطَّلوا عجلة التَّقدُّم، وأوقفوا البناء، وجنَّبوا الدِّين وأهله، وتوسَّعوا في المحرَّمات، وقنَّنوا الفواحش والمنكرات، فنتج جيل شهوانيٌّ جاهل مريض مُتخلِّف فقير لا دين له يرفعه، ولا قوَّة معه تمنعه، ولا صحَّة لديه تدفعه؛ فطال زمن استئساد الفئران الأعداء المغتصبين للحمى والمحارم والمقدَّسات، ونامت أسود الأمَّة في غياهب السُّجون، وأسرَّة المرض، وفرُش الموت، وبطون القبور، وأصبحت الأمَّة الثَّكلى الجريحة وحدها في مواجهة جحافل الكفر ومواكب الضَّلال، وهي على أمل أن يُولد جيل جديد يُدركها قبل أن تفنَى وتهلك، وهذا المولود الذي يُنتظر لا يكون إلَّا بالأخذ بأسباب الصَّلاح من خلال العودة الصَّادقة الحقيقيَّة إلى الدِّين، وتحكيم شريعة ربِّ العالمين، وإسناد الإمامة إلى الصَّالحين، واستئصال شأفة كلِّ عميل للكافرين، وهذا درس مهمٌّ جدًّا نستفيده من الجيل الأوَّل في بني إسرائيل بعد الخروج من مصر، وكيف أعدَّ موسى عليه السَّلام الجيل الصَّالح الذي فتح الله تعالى على يديه بيت المقدس، وقد كانت مدَّة التِّيه كافية لإعداد جيل الغلَبة والتَّمكين.