مشاهد الموت والقبر
لقد أَزكَمت أنوفَنا رائحةُ الموت من حولنا، فما من يوم يمرُّ إلا ونسمع نعي فقيد نعرفه وبيننا وبينه خلَّة أو صداقة أو صحبة، وما لا نعلمهم أكثر بكثير ممَّن نعلمهم، ومع كثرة مشاهد الموت التي نراها بعيوننا أو عن طريق شاشات الأجهزة الحديثية لم يتحقَّق لكثير منَّا الخوف من الموت والمسارعة في الاستعداد له!.
وما من أحد إلا وتمرُّ عليه ساعات يعلو فيها الإيمان، ويقوى فيها الإحسان، ويرتقي فيها الوجدان، ولو أنَّ المرء مات عليها لكان سعيدًا من جملة السُّعداء، لكنَّ كثيرًا من النَّاس يُجاوزون هذه السَّاعات، وتأتي المنيَّة في أحوال ليست صافية الإقبال، ولا خالية من مقال، ومن عاش على شيء مات عليه.
الموت يأتي بغتة
كأنِّي بك وكنت صحيحًا سليمًا لا تشتكي من أذى، ولا تشعر بالقذى، وفجأة أحسست بدبيب الموت يتسلَّل إلى جسدك الضَّعيف البالي؛ فيخرَس اللِّسان، وتذبل العينان، وتثقل الأذنان، وتبرد الأطراف، وتضعف الحركة، ويضيق الصَّدر، وتتسارع نبضات القلب، ويقلُّ زمن النَّفس، وتتلاحق الأنفاس، وترتعش الأنامل، وتهرب الدِّماء...
أشدُّ النَّدم ساعة الاحتضار
وكأنَّي بك في هذه السَّاعة وشريط حياتك كلِّها يُعرض على ذاكرتك عرضًا دقيقًا لا يكاد يُسقط مشهدًا، حينها ترى بعينك الأهوال، وتعالج بنفسك السَّكرات، وتذوق كأس المنايا الذي أخبروك عنه لكن وصفهم كان دونه بكثير، فمهما أخبروك عن الموت فإنَّه يبقى مجهولًا لديك على الحقيقة حتى تجرِّبه لتذوق منه ذوقة مجرب معانٍ من أهواله وأحواله وشدَّته وبأسه؛ فلو أنَّ المرء ضربه عدوُّه المتربِّص المنتقم بالسَّيف ألف ضربة لما تساوت الآلام بين المضروب بالسَّيف ومن يُعالج سكرات الموت وساعات الاحتضار!.
إنَّ ممَّا يُنغِّص مشهد الموت ما يقع فيه من تذكُّر المرء لمجريات حياته خاصَّة ما كانت في المعصية، وقد ذكر غير واحد تجربتهم التي مرُّوا بها في مشاهد ظنُّوا فيها الهلاك ثمَّ حصلت لهم السَّلامة فرووا لنا أنَّهم حين شارفوا على الموت رأوا بعين قلوبهم ما وقعوا فيه من ذنوب جعلت اللَّوم يزيد، وكأنِّي به يرى موقف إغلاق النَّوافذ على نفسه من أجل مشاهدة ومباشرة ما لا يُرضي الله تعالى!.
وكأنِّي بك في هذه السَّاعة الشَّديدة تندم ندمًا لو كان في وقته لحملك على نقل الجبال الرَّاسيات في سبيل التَّخلُّص من مرارته، ولكنَّه حين يخرج وقته لا يزيد مشهد الاحتضار إلى شدَّة وثقلًا.
ثقل ساعة الموت وأهوال السَّكرات
وكأنِّي بك تستجمع كلَّ قوَّة بقيت في أطراف جسدك الواهي الضَّعيف ليجتمع لك قدر منها لا يكفي لرفع يد أو تحريك جفن عين، ولكنَّك من حَرِّ ما تجد ومن شدَّة ما تلقى تصرف قوَّتك المجتمعة في صرخة تظنُّها من قوَّتها قد وصلت إلى أسماع جميع المخلوقات، بينما لم يصل منها إلى من حولك من أهلك وجلسائك المنصتين لك ما يُشعرهم بأنَّك قلت شيئًا أو تريد أن تقول، وهم يحاولون استنطاقك دون جدوى أو تفاعل منك.
وكأنَّي بك في ثنايا مجاهدتك تشعر بروحك تُنزع من جسدك نزعًا من أخمص قدميك إلى ركبتيك وتأخذ في الصُّعود حتى تصل إلى التَّراقي، ومع كلِّ مرحلة يشتدُّ الخطب ويعظم الموقف، فيعرق جبين المؤمن من هوله، ويسودُّ وجه الكافر من كربه؛ وتشخص العين، ويصمُّ السَّمع، ويتجافى الفكَّان، ويجمد العظم، ويتلاشى ضوء العين إلا عن الحقائق، ويصرخ الأهل والنُّدماء مات فلان، وتتعالى أصوات الجالسين بالتَّرجيع والحوقلة والتَّهليل، وبهذا تخرج الرُّوح النَّفيسة من الجسد البالي ليبدأ في رحلة الدَّفن والتَّحلُّل، أو التَّعفُّن والتَّسلُّل، ويسقط الجسد مغشيًّا عليه لا حراك به ولا حركة.
مشاهد التَّغسيل
وكأنِّي بك بعد خروج الرُّوح وقد أسرع الأهل والأصحاب في طلب مغسِّل حاذق على وجه السُّرعة لتغسيلك وتكفينك قبل أن يفوح منك العفن وما لا يُطاق، فيُسرع ولدك أو صديقك أو أقرب النَّاس إليك في إحضار متطلَّبات الغسل والتَّكفين والتَّشيع، ويتمُّ ذلك في أسرع وقت؛ فإكرام الميت دفنه، ويصبح جسدك في نعش يحمله النَّاس إلى المسجد ليُصلِّي عليك المسلمون ومن ثمَّ يتَّجهون بك إلى قبرك.
صعود الرُّوح إلى السَّماء
وأمَّا روحك فيحملها الملك ويصعد بها إلى السَّماء فلا يمرُّ بملأ ملائكيٍّ إلا مدحوا أو ذمُّوا، ونوديت لأحبِّ اسم أو أقبحه، ثمَّ يُنادى اكتبوا روح عبدي في عليِّين أو في سجِّين ثمَّ أعيدوها إلى الأرض، كلُّ هذا يتمُّ في السَّماء وجسدك لمَّا يدخل القبر بعد.
مغادرة الدُّنيا إلى الآخرة
وكأنَّي بك وقد فرغوا من تكفينك ورفعوك على الأعناق والأكتاف ليُخرجوك من بيت طالما ألفت السَّكن فيه، وبذلت من الجهد والمال من أجل بنائه وتشييده، وها أنت الآن تخطَّف منه ويُنزع منك انتازاعًا، حينها تُنادي اتركوني فلا تُجاب، وتصرخ أنقذوني فلا تُسمع، وتخرج من سعة بيتك إلى ضيق قبرك، ومن طيِّب عيش تخدمك فيه الجوار والغلمان إلى مرتع الدُّود لتكون طعامًا مأكولًا في بطونها، فيا من تأكله دودة اعرف قدرك ولا تعتدي.
مشهد الصَّلاة عليك
وكأنِّي بك الآن وقد حملك الرِّجال على أعناقهم واتَّجهوا بك إلى المسجد تنتظر قدوم النَّاس للصَّلاة عليك، وفي أثناء ذلك جاء واعظ يعظ النَّاس بك، ويُخوِّفهم بما وقع لك، ثمَّ تُقام الصَّلاة الحاضرة ويعقبها صلاة عليك، فلا تنتظر أن يُخلص في دعائه لك مَن ظلمته أو حرمته؛ فتحلَّل من المظالم قبل حلول أجلك، واعمل لنفسك ولا تنتظر من يعمل لك؛ فما حكَّ جلدك مثل ظفرك، فتولَّ أنت جميع أمرك.
الخطوات إلى القبر
بعد الصَّلاة يحملك مشيِّعوك إلى قبرك الذي ستُدفن فيه؛ فقد حفروا لك في بطن الأرض حفرة ضيقة مُظلمة مُرعبة مُخيفة يتركونك فيها ويولُّون حتى إنَّك تسمع قرع نعالهم ودبيب أقدامهم حين يُولُّون، فتُنادي بأعلى صوت - لا يخرج خارج قبرك - وتقول: انتظروا معي، آنسوا وحشتي، خفِّفوا من شدَّتي، فلا يستجيب لك إنسان، ولا يبقى معك قريب حبيب.
وأصبحت وحيدًا!
وكأنِّي بك حينها وقد أيقنت بمفارقة كلِّ شيء؛ فقد تخلَّى عنك من كنت تنشغل به وتهتمُّ، وسارع في التَّرك من ضيَّعت عمرك في معالجة جرح أمره حتى التئم، تركوك للظٌّلمة تبدِّد في قلبك نور النِّعم، وللدُّود يأكل اللَّحم ويشرب الدَّم، وللعفن ينخرُّ في الجسد ويُهلك العظم.
وكأنَّي بك في القبر وحيدًا فريدًا تُعاني الخوف والهلع، وبينما أنت كذلك إذ سمعت أصوات أقدام أصحابك تولِّي وتهرع، وفي النَّاحية المقابلة تسمع صوتًا قويًّا يُزلزل أرض قلبك قبل أرض جسدك، فتدقِّق النَّظر في المقبل عليك فترى ملكان أسودان أزرقان يحفران الأرض بأنيابهما، ويطآن في أشعارهما، أعينهما كالبرق الخاطف، وأصواتهما كالرعد القاصف، معهما مزربة لو اجتمع عليها أهل منى لم يقلُّوها، يا لها من لحظات تميت بعد الموت رعبًا وخوفًا، ولكنَّها تكتفي بالتَّرهيب دون الموت، وهذا والله أعظم في التَّخويف والأثر، فمعاينة الأهوال دون موت أشدُّ من الموت بكثير.
موعظة ووصيَّة
هذا طرف من مشاهد الموت من بداية السَّكرات إلى لقاء فتَّاني القبر ملكيه اللذين يسألان العبد سؤالًا قد تمَّ تسريبه منذ زمان، وجابته معلومة لكل إنسان، ومع هذا يرسب فيه الكثير؛ فاختبار القبر لا يُنجى منه بالحفظ والإدراك، بل بالثَّبات والإدراك؛ فمن أدركه الله باللُّطف في هذا الموقف المهيب ممَّن عاش مسلمًا ومات مسلمًا ثبتت حجَّته، ومن لا فلا ولو كان أشعر من النَّابغة وأحفظ من الشَّافعيِّ وأخطب من قسِّ بن ساعدة، فاعرف ما يُراد بك ممَّا هو مقبل عليك، واتَّخذ العدَّة لسفرة طويلة تبدأ من ساعة الاحتضار وتنتهي بحطِّ رحالك في الجنَّة أو النَّار، ازرع هنا في دُنياك ما تحبُّ أن تحصده هناك في قبرك وأُخراك، واعلم أنَّ الدُّنيا مزرعة للعمل وفرصة لتحقيق الأمل، فاغتنمها في البذر والزَّرع والسِّقاية، واعمل فيها ما تحبُّ أن تراه في بيت الوحشة والغربة والجزاء، اللَّهمَّ هيِّئ لنا عملًا صالحًا بين يدي الأجل.