الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

الرِّسالة الغرَّاء في الصَّبر على البلاء

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفـره، ونعوذ بالله مـن شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله ، خير الأنبياء كلاما، وأعلى الناس مقاما، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وتركنـا على المحجة البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك، ولا يتبعها إلا كل منيب سالك.

     وبعد: فهذه رسالة موجهة إلى من فقد عزيزًا، فهي في الصَّبر لكلِّ من ابتلاه الله تعالى بموت أصله أو فرعه أو أحد أحبابه في حياته، لتكون من باب تسليته في مُصابه الجلل، وقد شرعت في المقصود كتعزية لهم راجيًا من الله أن تؤتي الرِّسالة ثمرتها المرجوة، وهو على كلِّ شيء قدير.

كلُّ مخلوق يفنى

     ألا اعلم أيها المكرم: أن الله تعالى خلق خلقه من العدم، وذلك عن طريق إيجادهم إلى الحياة على غير مثال سابق، فتبارك الله أحسن الخالقين، ثم إنه تعالى جده، وتقدس اسمه قد كتب عليهم أمورا لا يتخلَّف عنها أحد منهم، وقانون السماء عادل لا يُجامل أحدا على حساب أحد؛ ومن أعظم ما كتبه الله تعالى على كل خلقه أنه لا سبيل لبقائهم؛ فكل مخلوق مهما طال عمره فإن له ساعة مكتوبة لا مهرب منها؛ قال تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٞۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَأۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا ‌يَسۡتَقۡدِمُونَ} [الأعراف: 34] وقال سبحانه: {كُلُّ ‌مَنۡ ‌عَلَيۡهَا فَانٖ ٢٦ وَيَبۡقَىٰ وَجۡهُ رَبِّكَ ذُو ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ} [الرحمن: 26، 27] وقال أيضا: {كُلُّ ‌نَفۡسٖ ‌ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۖ ثُمَّ إِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ} [العنكبوت: 57] ومن ثَمَّ فإن المخلوقات جميعا توقن بالموت بعد الحياة، وقد أخفى الله علم ساعة الموت عن خلقه فلا يعلمها ملك مقرب، ولا نبي مرسل؛ حتى يجتهد الخلق في عبادة ربهم، ويكونوا على حذر دائم من ساعتهم؛ قال: {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡأَرۡحَامِۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسٞ مَّاذَا تَكۡسِبُ غَدٗاۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسُۢ بِأَيِّ أَرۡضٖ تَمُوتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرُۢ} [لقمان: 34]

     وقد أقَّت الله تعالى لكل مخلوق من مخلوقاته وقته الذي يموت فيه؛ فإذا حضر الأجل فلن يتمكن أحد من رده، أو دفعه، كما لا يتمكن من تقديمه، أو تأخيره؛ قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفۡسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِ كِتَٰبٗا ‌مُّؤَجَّلٗاۗ} [آل عمران: 145] وقال تعالى: {وَلَوۡ ‌يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلۡمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيۡهَا مِن دَآبَّةٖ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ} [النحل: 61]

لا فديَّة في الموت

     وإذا كان الله تعالى قد كتب الموت على الناس جميعا فاعلم أنه لا سبيل للافتداء بالنفس، أو المال، ولو كان أحد أحق بأن يُفدى من الموت لكان رسول الله  قال تعالى: {وَمَا جَعَلۡنَا ‌لِبَشَرٖ ‌مِّن قَبۡلِكَ ٱلۡخُلۡدَۖ أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ ٱلۡخَٰلِدُونَ ٣٤ كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَنَبۡلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلۡخَيۡرِ فِتۡنَةٗۖ وَإِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ} [الأنبياء: 34، 35] وقال سبحانه: {إِنَّكَ ‌مَيِّتٞ ‌وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ٣٠ ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمۡ تَخۡتَصِمُونَ} [الزمر: 30، 31] وقال جل ذكره: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ ‌خَلَتۡ ‌مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ} [آل عمران: 144] ولله در القائل:

     بل إن الناظر إلى صفحات التاريخ يرى بجلاء أن الموت من أعظم المصائب التي تقع؛ قال تعالى: {إِنۡ أَنتُمۡ ضَرَبۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَأَصَٰبَتۡكُم ‌مُّصِيبَةُ ٱلۡمَوۡتِۚ} [المائدة: 106] والناس مع تلك المصيبة متفاوتون؛ فمنهم من يقابل المصيبة بالجزع، والقنوط، والتشكي، والنواح، والعويل، وربما خرجت بعض الكلمات من لسانه يعترض فيها على قدر الله تعالى؛ كأن يقول: لماذا يا رب؟ أليس في الدنيا كلها غيري؛ حتى يُبتلى بكل هذا البلاء؟ ونحو هذا من الكلمات التي يؤاخذ عليها الشرع، وهذا المرء قد حُرم من كثير من الأجر، بل ربما يأثم بسبب ما يفعل؛ فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «ليس منا من شق الجيوب، ولطم الخدود، ودعا بدعوى الجاهلية» [1]

والمعنى: ليس على كامل هدينا، وقويم طريقتنا كل من يشق الجيب، ويلطم الخد، ويتقول بالكلمات الدالة على السخط، والتسخط؛ فعند ابن ماجه من حديث أنس رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ  قال: «عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط» [2]

والمعنى: أن البلاء، والجزاء قرينان؛ فكلما زاد أحدهما زاد الآخر، فليس كل الناس على درجة واحدة في الجزاء؛ نظرا لتنوع البلاء الذي قد يُستدل به على حب الله لعبده، ثم بين الحديث أحوال الناس مع الابتلاءات؛ فمنهم من رضي، ومنهم من سخط؛ فأما الأول فله الرضا من الله تعالى جزاء رضاه، أو فله جزاء رضاه، وأما المتسخط فله السخط، والغضب.

     ومنهم من يُقابل المصائب بالصبر، والاحتساب، والإيمان بالقضاء، والقدر، والمعرفة المفيدة بتحتم نهاية الأجل، وبلوغ الإنسان إلى نهايته المعلومة؛ وهؤلاء هم أكثر الناس إيمانا؛ فالصبر، والإيمان قرينان؛ كلما قوي أحدهما قوي الآخر بقوته؛ قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ثم يرفع صوته ويقول: ألا لا إيمان لمن لا صبر له؛ فإذا فُقد الصبر فقد معه الإيمان، وإذا ذهب الرأس ذهب الجسد" [3] وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "وجدنا خير عيشنا في الصبر". [4]

     إذا أيقنت بهذا كله يا صاحبي: فاعلم أن الله تعالى يبتلي المرء بموت أعز الناس إلى قلبه؛ كولد، أو والد، أو والدة، أو زوج، أو صديق، أو نحوه، وحينها يعظم الخطب، ويشتد البلاء، ويزداد الجزاء؛ فإن فراق الأحبة من أشد ما يؤثر على النفس، وكل مصيبة يمكن تحملها إلا ما كان من فقد الأحبة؛ لذا فإن عقول العقلاء تطيش عند وقوع هول الموت، ولا يثبت في هذا المقام إلا من ثباته الله تعالى.

     اعلم أيها الصبور أن المصيبة إذا وقعت فقد وجب عليك الصبر، واستُحب لك الرضا؛ فإن الصبر على المصائب من صفات المؤمنين، والرضا بها من صفات المحسنين؛ وقال سبحانه: {فَلَا ‌وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا} [النساء: 65] وإنما كان الرضا من علامات الإحسان لأنه ليس كل الناس يرضى عن الله حقيقة، والعاقل هو من رضي بما قُدِّر له؛ فإنه لا سبيل لرفع البلاء بعد وقوعه؛ لذا فإن الصبر والجزع يستويان في الواقع، وإن كانا يختلفان في الجزاء، والأجر؛ قال تعالى: {سَوَآءٌ عَلَيۡنَآ ‌أَجَزِعۡنَآ أَمۡ صَبَرۡنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٖ} [إبراهيم: 21] وقال سبحانه: {ٱصۡلَوۡهَا فَٱصۡبِرُوٓاْ أَوۡ لَا تَصۡبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡكُمۡۖ إِنَّمَا تُجۡزَوۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} [الطور: 16] وحُقَّ لمن علم أن الصبر، والجزع يستويان بعد وقوع المصيبة أن يصبر، ويحتسب، بل ويرضى عن أقدار الله تعالى؛ لتيقنه بعدم إمكانية عودة الموتى من قبورهم، فالعاقل هو من اتخذ من المحن منحا يرتفع بها في الدنيا بالصبر، والرضا، وفي الآخرة بالأجر العظيم جزاء وفاقا.

     ألا فاعلم أيها الكريم: أن الله تعالى قد ابتلى من هو أقرب إليه منك بفقد أعز أحبته؛ فابتلي نبينا بفقد أولاده كلهم في حياته سوى فاطمة رضي الله عنها، وما كان منه إلا أن تقبل هذا البلاء بقلب ملئه الإيمان، وسكن فيه اليقين؛ ففي الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: دخلنا مع رسول الله  على أبي سيف القين، وكان ظئرا لإبراهيم عليه السلام، فأخذ رسول الله  إبراهيم، فقبله، وشمه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله  تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: وأنت يا رسول الله؟ فقال: «يا ابن عوف إنها رحمة» ثم أتبعها بأخرى فقال : «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» [5]

علَّة موت الأبناء

     وقد تكلم بعض العلماء عن العلة الكامنة في ابتلاء الله تعالى لنبيه  بموت أبنائه في حياته سوى فاطمة فقالوا: إنما كان ذلك لئلا يتعلق قلب النبي بزينة الحياة الدنيا؛ ليتفرغ قلبه من كل الشواغل، حتى لا يكون مشتتا بين هموم الأولاد، ليكون هم الدين أكبر همومه التي يتحرك لها، وهذا من لطف الله تعالى بنبيه حيث ولد يتيما من جهة أبيه، ثم ما لبثت أمه حتى توفيت وهو ابن ست سنين، ثم سرعان ما مات جده عبد المطلب، فانتقلت كفالته إلى عمه أبي طالب، ثم مات عمه، وزوجته خديجة في عام الحزن، ثم أولاده، وهكذا شاء الله تعالى أن يُكثف الابتلاء بالموت على نبيه  ليفرغه من كل الشواغل، فحق لكل مبتلى أن يتخذ النبي  أنموذجا لا يقيس عليه؛ لأنه ما ابتلي أحد بمثل ما ابتلي؛ فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: دخلت على رسول الله  وهو يوعك، فقلت: يا رسول الله، إنك لتوعك وعكا شديدا؟ قال: «أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم» قلت: ذلك أن لك أجرين؟ قال: «أجل، ذلك كذلك، ما من مسلم يصيبه أذى، شوكة فما فوقها، إلا كفر الله بها سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها» [6]

البكاء لا يُنافي الصَّبر

     واعلم يا صاحب القلب الحاني: أن البكاء، والحزن لا يتنافى مع الصبر، بل ولا يطعن فيه، إنما التشكي، والتلفظ بالألفاظ التي تحمل معنى التضجر من الأقدار فعل مخالف للهدي النبوي في التعامل مع الابتلاءات، والمصائب التي تواجه المسلم؛ ففي الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه قال: «قنت رسول الله  شهرا حين قتل القراء، فما رأيت رسول الله  حزن حزنا قط أشد منه» [7]

وسيلة الصَّبر

     واعلم أنَّ المصائب تهون على النفس مهما عظمت إذا ما قورنت بما أبقاه الله تعالى لك من النعم، مع النظر في أحوال المصابين من حولك؛ إن كان الله تعالى قد ابتلاك بفقد ولد من أولادك، فانظر إلى ما أبقاه لك من جنس هذه النعمة؛ حينها سوف يهدأ قلبك، وتسكن جوارحك، فإن لم يكن أبقى لك شيئا فانظر إلى كثرة مصائب الناس من حولك، ثم قارنها بمصيبتك، ترى البون الشاسع، والفرق الواسع.

عبرة من قصَّة موسى عليه السَّلام

     إنك إذا نظرت في موقف موسى عليه السَّلام مع الخضر في شأن الغلام الذي قتله الخضر بأمر من الله تعالى، وليس لوالديه سواه تعلم أن كل ما يقع في الكون له حكمة قد تظهر، وقد تخفى؛ قال تعالى: {فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا لَقِيَا غُلَٰمٗا فَقَتَلَهُۥ قَالَ أَقَتَلۡتَ نَفۡسٗا زَكِيَّةَۢ بِغَيۡرِ نَفۡسٖ لَّقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـٔٗا نُّكۡرٗا} [الكهف: 74] فهذا غلام وحيد لأبوين كبيرين ربما لا يقدران مرة أخرى على الأخذ بالأسباب ليُرزقان بغيره، ومع هذا فقد شاء الله وقدر أن يقتله الخضر؛ لأنه كان سيرهق أبويه في مستقبله؛ فالله تعالى قد كتب عليه الشقاوة بالكفر، وسوف يحمل والديه على الكفر إن بقي معهم، على الرغم من أن هذا لا يتمناه والده؛ قال سبحانه وتعالى: {وَأَمَّا ٱلۡغُلَٰمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤۡمِنَيۡنِ فَخَشِينَآ أَن يُرۡهِقَهُمَا طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗا ٨٠ فَأَرَدۡنَآ أَن يُبۡدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيۡرٗا مِّنۡهُ زَكَوٰةٗ وَأَقۡرَبَ رُحۡمٗا} [الكهف: 80، 81]

     إن الناظر في تلك المشاهد العجيبة التي جرت مع نبي الله موسى يرى من الحكم الإلهية، والفوائد التربوية، والإيمانية الشيء الكثير، منها:

1 - خفاء الحكمة من قتل الغلام على نبي الله موسى مما دعاه إلى الإنكار على الخضر مع كونه يعلم أنه على علم من علم الله علمه إياه.

2 - لا ينبغي التعجل في إصدار الأحكام على الأمور من خلال النظر المجرد إلى الظاهر، بل لابد من محاولة الوصول إلى جوهر الأمر، وتتبع ملابساته، وما يحيط به؛ ليخرج الحكم سليما من الانحراف الذي قد تتسبب في الوقوع في الخطأ في الحكم.

3 - رحمة الله تعالى بعباده؛ فما من حكم قدره الله وقضاه إلا وفيه الخير للعباد، لكنهم لا يفقهون؛ قال الله سبحانه وتعالى: {ٱللَّهُ ‌لَطِيفُۢ بِعِبَادِهِۦ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُۖ وَهُوَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡعَزِيزُ} [الشورى: 19]

4 - فساد الولد يؤثر على صلاح الأبوين، لذا أراد الله تعالى أن يحفظ دين الأبوين فقضى بأن يموت الغلام صغيرا؛ حتى لا يعترض دين أبويه، وصلاح الآباء ينتفع بها الأبناء، وهذه مستفادة من القصة التي تليها في السورة.

وممَّا يُسلِّي صاحب الابتلاء

     ثم اعلم يا صاحب الابتلاء: أنك لست وحدك في هذا المعترك، بل اسعد إذا علمت أنك تزاحم الأنبياء، والعلماء، والصالحين في هذا الباب؛ فإن الابتلاء يشتد، ويعظم عند هؤلاء؛ فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله أي الناس أشد بلاء؟ قال : «الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى العبد على حسب دينه، فإن كان في دينه صُلْبا، اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة، ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد، حتى يتركه يمشي على الأرض، وما عليه من خطيئة» [8]

الأجر المترتِّب على الصَّبر

     ثم ألم تعلم يا صاحب الابتلاء: أنَّ الشَّرع قد رتَّب على صبرك على فقد أحبَّتك أجرًا عظيمًا لا يحده حد، ولا يبلغه عد؛ قال تعالى: {إِنَّمَا ‌يُوَفَّى ‌ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَابٖ} [الزمر: 10] وإنما كان أجر الصَّابرين غير محدود بحساب، أو عدٍّ لأنهم تحملوا مشقة النفس، ومخالفته هواها؛ للفوز برضاء الله تعالى عنهم، فكان لهم ما أرادوا؛ والعبد إذا قبض الله روح ولده فصبر فقد عظم أجره؛ فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ  قال: «إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي، فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده، فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة، وسموه بيت الحمد» [9] لهذا وغيره: يجب على المسلم إذا فقد أحد أحبته أن يحتسبه عند الله تعالى، وأن يستعين بالصبر، ويتسلح بالصلاة، ويتقوى بالرضا؛ قال تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ‌ٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ} [البقرة: 153] وعليه أن يحمد الله على جميل قدره، ويسترجع؛ كما قال الله سبحانه وتعالى: {وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٥٥ ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ ١٥٦ أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ صَلَوَٰتٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَرَحۡمَةٞۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُهۡتَدُونَ} [البقرة: 155: 157]

وفي الختام نسأل الله تعالى أن يرحم متوفَّاكم، وأن يسكنه فسيح الجنات، إنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وقد كتبت هذه السُّطور في تعزية كلِّ مسلم.

هذا، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمد وآله وصحبه أجمعين.


(1) متفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه؛ كتاب: (الجنائز) باب: (ليس منا من شق الجيوب) برقم: (1294) ومسلم في صحيحه؛ كتاب: (الإيمان) باب: (تحريم ضرب الخدود، وشق الجيوب) برقم: (103).

(2) حسن: أخرجه الترمذي في جامعه؛ كتاب: (أبواب الزهد) باب (ما جاء في الصبر على البلاء) برقم: (2396) وابن ماجه في سننه؛ كتاب: (الفتن) باب: (الصبر على البلاء) برقم: (4031).

(3) يُنظر: بصائر ذوي التمييز (3/ 376) وتاريخ الخلفاء للسيوطي (147).

(4) يُنظر: الدر المنثور للسيوطي (1/ 163).

(5) متفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه؛ كتاب: (الجنائز) باب: (قول النبي  إنا بك لمحزونون) برقم: (1303) ومسلم في صحيحه؛ كتاب: (الفضائل) باب: (رحمته الصبيان، والعيال) برقم: (2315).

(6) صحيح: أخرجه البخاري في صحيحه؛ كتاب: (المرضى) باب: (أشد الناس بلاء الأنبياء) برقم: (5648).

(7) صحيح: أخرجه البخاري في صحيحه؛ كتاب: (الجنائز) باب: (من جلس عند المصيبة) برقم: (1300).

(8) صحيح: أخرجه الترمذي في جامعه؛ كتاب: (أبواب الزهد) باب: (ما جاء في الصبر على البلاء) برقم: (2398) وابن ماجه في سننه؛ كتاب: (الفتن) باب: (الصبر على البلاء) برقم: (4023).

(9) حسن: أخرجه الترمذي في جامعه؛ كتاب: (أبواب الجنائز) باب: (فضل المصيبة إذا احتسب) برقم: (1021) والبيهقي في الشعب؛ باب: (في الصبر على المصائب) برقم: (9249، 9250) وأخرجه في سننه الكبرى؛ كتاب: (جامع أبواب البكاء على الميت) باب: (ما يرجى في المصيبة بالأولاد إذا احتسبهم) برقم: (7146).

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله