حديث الـنَّمـلـة في القرآن دروس وعبر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
وبعد: فإن المتدبر لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:١٨] يرى كثيرا من مظاهر الرقي التي وصلت إليها أمة النمل، فلقد خصهم الله تعالى بكثير من الصفات، وحباها بجملة من الفضائل؛ فسمى سورة من سور القرآن الكريم باسمها على الرغم من أن ذكرها في السورة لم يتجاوز آيتين؛ آية النملة، وبعض آية الشكر، وإنما كان هذا ليُعلِّم الله تعالى عباده ألا يمرروا ما يدور حولهم من مواقف وأحداث حتى يستفيدوا منها، وألا يستنكف المسلم أن يتعلم من غيره أيا كان شأنه، ومن القيم والمبادئ التي نتعلمها من تلك الأمة العظيمة:
1 - أن الحفاظ على أمن وسلامة العامة ليس من مسئولية الدولة والقادة فحسب؛ بل على كل من يرى خطرا وضررا يُحاك للأمة أن يسعى لتقديم النصيحة، والتبيين لأولي الأمر؛ فالقيادة في بلاد المسلمين تقوم على المشاركة لا المغالبة.
2 - على الدول والمؤسسات أن تزرع في نفوس أفرادها الحرص على تقديم النصيحة وإنكار المنكر، وألا تفرض نوعا من القيود والحدود على إبداء الرأي، وتقديم العون؛ لأن النفس تأبى المشاركة في الأجواء الملبَّدة بغيوم الجبر، والقهر، والاستقلال بالرأي؛ فرأي الفرد تشقى به الأمم، وتهلك به الشعوب، أما رأي المجموع فهو الأقرب للنجاء.
3 - لا ينبغي أن تكون المشاركة المجتمعية قاصرة على فئة دون فئة، فلا تُشترَط الشروط التي تحجِّم وتقلل من عدد الأفراد الذين يحق لهم إبداء الرأي، والتنبيه على الأزمات؛ فهذه نملة شاركت برأيها وهي ضعيفة في أمتها، وليست من العلية، والقادة بدليل التنكير في قوله تعالى: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾.
4 - على الفرد إذا أراد أن يُقدِّم النصح أن يكون بليغًا في بيانه، صادقًا في تبيانه، يعتمد منهج الوضوح والشفافية، مُعلِّلًا على كلامه، لا يُصيغه بصيغة الأمر الملزم؛ بل يعرضه في صورة الالتماس بالنظر وإبداء الرأي، وهذا ما نتعلمه من قصة النملة حيث أمرت بالدخول إلى المساكن، ثم علَّلت الأمر بأنه سبب للنجاة من تحطيم الجنود، ثم اعتذرت لجنود سليمان حيث لا يرونهم لقوتهم وصغر حجم النمل؛ قال تعالى: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
5 - على المرء أن يلتمس الأعذار للمخطئ في حقه؛ فإنه لن يجد إنسانًا كاملًا خاليا من العيوب، سليما من الأخطاء؛ فليست العصمة لأحد من البشر سوى لمقام النبوة، وهذا الدرس نتعلمه من قول النملة في الآية: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
6 - احترام أفراد المجتمع وقت بيان النصح والتوجيه؛ فإن النفس مجبولةٌ على حب الثناء، والمدح، فلا يجوز في قانون التغيير أن يكون بطريقة شديدة اللَّهجة، صاخبة الصوت، متعالية الأسلوب كأن صاحبها في برج من عاج.
7 - اعتبار رأي الفرد رأيا للمجموع لاسيما فيما كان فيه دفع ضر، أو جلب منفعة لجماعة المجتمع، لذا فإن الدول المتقدمة هي التي تسعى لاحترام أبنائها، وتقدير آرائهم، والاستعانة بنصائحهم، والاسترشاد بتوجيهاتهم.
8 - لقد أمرتِ النملة بما فيه منفعة محقَّقةٌ لمجموع النمل، ودفع مفسدة واقعة، ولم تترك بقية أفراد أمتها يُواجهون مصيرهم المؤلم، بل تقمَّصت دور القائد، وتحملت المسئولية، وأمرت بالدخول إلى المساكن؛ خوف وقوع الهلاك بهم.
9 - لقد بينت النملة علَّة الأمر عقب إصداره لتلفت أنظار بني جنسها إلى أنه ليس من باب التعسف، والتكلُّف، والاستبداد؛ ليكون الأمر أخف على النفوس، فبينت أن تنفيذ الأمر فيه نجاتهم من جيش سليمان عليه السَّلام، ومن هنا نتعلم أن الحق يُقبل بدون النظر إلى قائله.
10 - لقد أحسنت النملة حين اعتذرت لسليمان عليه السَّلام وجنوده بكونهم لا يشعرون بهم إن حطموهم، وهي بهذا الكلام تعلمنا ثقافة الاعتذار، وأن المرء ينبغي أن يعذر من أساء إليه، وأن يُحسن به الظن، وتقديم المعروف مع الإساءة أعظم من تقديمه مع الإحسان.
وقد بقيت كثير من الفوائد التي يحتملها النص الشريف، ويستطيع المتدبر أن يقف عليها منتفعا مستفيدا مفيدا، فأوصيكم بقراءة القرآن الكريم بهدف التدبر والفكر، وإمعان الفهم والنظر؛ فالكنز لا يفتح إلا لمن تتبعه وبذل في تقصيه الجهد الأكبر، فاجعلوا للتدبر من وقت قراءتكم نصيبًا كبيرًا.