اليهود في زمن نبيِّ الله موسى عليه السَّلام
فرعون يسوم بني إسرائيل سوء العذاب
اشتدَّ العذاب والإيذاء لبني إسرائيل في زمن نبيِّ الله موسى عليه السَّلام بسبب فرعون الذي طغى وبغى واعتدى؛ قال الله تعالى عنه: {إِنَّ فِرۡعَوۡنَ عَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلَ أَهۡلَهَا شِيَعٗا يَسۡتَضۡعِفُ طَآئِفَةٗ مِّنۡهُمۡ يُذَبِّحُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَيَسۡتَحۡيِۦ نِسَآءَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ} [القصص: 4] وقد أراد الله تعالى أن يُهلك عدوَّهم الذي سامهم سوء العذاب قال تعالى: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَنَجۡعَلَهُمۡ أَئِمَّةٗ وَنَجۡعَلَهُمُ ٱلۡوَٰرِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَنُرِيَ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنۡهُم مَّا كَانُواْ يَحۡذَرُونَ} [القصص: 5، 6] وهذا اختبار من الله تعالى لهم؛ قال لهم موسى عليه السَّلام: {قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يُهۡلِكَ عَدُوَّكُمۡ وَيَسۡتَخۡلِفَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرَ كَيۡفَ تَعۡمَلُونَ} [الأعراف: 129] وبالفعل أنجاهم الله تعالى من فرعون وجنوده وكان في إخراجهم من تحت بطشه من الآيات والمعجزات ما على مثله يُؤمن صاحب العقل والقلب، لكنَّهم لم يؤمنوا، لقد أغرق الله تعالى فرعون ومن معه من جحافل الجيوش أمام عُيونهم في اليمِّ= وهو مُقدَّم البحر وأوَّله، أو آخره ممَّا يقترب من السَّاحل الذي يقف عليه موسى عليه السَّلام ومن معه؛ قال تعالى: {وَإِذۡ فَرَقۡنَا بِكُمُ ٱلۡبَحۡرَ فَأَنجَيۡنَٰكُمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ} [البقرة: 50] وكان إنجاء بني إسرائيل بأن فلق الله تعالى لهم البحر فرقين فكان كلٌّ منهما كالجبل العظيم؛ قال تعالى: {فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡبَحۡرَۖ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرۡقٖ كَٱلطَّوۡدِ ٱلۡعَظِيمِ * وَأَزۡلَفۡنَا ثَمَّ ٱلۡأٓخَرِينَ * وَأَنجَيۡنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓ أَجۡمَعِينَ * ثُمَّ أَغۡرَقۡنَا ٱلۡأٓخَرِينَ} [الشعراء: 63-66]
سبب صيام يوم عاشوراء
وبهذه المعجزة الكبيرة خرج بهم نبيُّ الله موسى عليه السَّلام فرارًا من بطش الفرعون مُتَّجهين إلى الشَّام والأرض المقدَّسة، وتبعهم فرعون فغرق ونجوا، وكان ذلك يوم عاشوراء؛ فعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال: "قدم النَّبيُّ ﷺ المدينة، فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال ﷺ: «ما هذا؟» قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجَّى الله بني إسرائيل من عدوِّهم، فصامه موسى عليه السَّلام. قال : «فأنا أحقُّ بموسى منكم» فصامه وأمر بصيامه" [1] وظلُّوا في أرض سيناء زمنًا حتى يُعدُّوا لدخول الأرض المقدَّسة، وأنزل الله تعالى عليهم الرِّزق، وأمرهم نبيُّهم عليه السَّلام ألَّا يطغوا فيه، فعاندوا وطغوا؛ قال تعالى: {يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ قَدۡ أَنجَيۡنَٰكُم مِّنۡ عَدُوِّكُمۡ وَوَٰعَدۡنَٰكُمۡ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنَ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰ * كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَلَا تَطۡغَوۡاْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيۡكُمۡ غَضَبِيۖ وَمَن يَحۡلِلۡ عَلَيۡهِ غَضَبِي فَقَدۡ هَوَىٰ} [طه: 80-81]
عبادة بني إسرائيل للعجل
ولـمَّا ذهب لمناجاة ربِّه عاد فوجدهم قد عبدوا العجل، فغضب وألقى الألواح، وفرض الله عليهم التَّوبة بالذَّبح وقتل النَّفس، واختار موسى عليه السَّلام (70) رجلًا للقاء الله تعالى وتقديم الاعتذار، ثمَّ عادوا ومكثوا في سيناء فترة من الزَّمن، ثمَّ أمرهم بدخول الأرض المقدَّسة، وأمر الله تعالى موسى عليه السَّلام أن يقسِّمهم إلى نقباء وأسباط وفرق ويختار من يصلح للقتال ليُجاهد بهم ويفتح بيت المقدس؛ قال الله تعالى: {وَلَقَدۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَبَعَثۡنَا مِنۡهُمُ ٱثۡنَيۡ عَشَرَ نَقِيبٗاۖ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمۡۖ لَئِنۡ أَقَمۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيۡتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرۡتُمُوهُمۡ وَأَقۡرَضۡتُمُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ فَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} [المائدة: 12] قال ابن كثير رحمه الله: "وهكذا موسى عليه السَّلام كان الله قد أمره أن يُجنِّد بني إسرائيل، وأن يجعل عليهم نُقباء... والمقصود أنَّ الله تعالى أمر موسى عليه السَّلام أن يكتُب أسماء المقاتلة من بني إسرائيل ممَّن يحمل السِّلاح ويُقاتل ممَّن بلغ عشرين سنة فصاعدًا، وأن يجعل على كلِّ سِبط نقيبًا منهم" [2]
خوف بني إسرائيل من مواجهة العماليق
وقد أرسل موسى عليه السَّلام: (12) منهم يأتون بأخبار بيت المقدس، فعادوا في ذعر وخوف ممَّا رأوه من ضخامة سكَّانها وقوَّة بنيتهم، وكانوا من العماليق الحيثيِّين واليبوسيِّين والكنعانيِّين، فدبَّ الذُّعر فيهم وأبوا الدُّخول؛ قال تعالى عن ذلك: {قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ فِيهَا قَوۡمٗا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَا حَتَّىٰ يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ} [المائدة: 22] ففرض الله عليهم عقوبة التِّيه في صحراء سيناء: (40) سنة، حتى يفنى جيلُ الجُبن؛ قال سبحانه وتعالى: {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيۡهِمۡۛ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗۛ يَتِيهُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ} [المائدة: 26] وفي هذه الأثناء مات هارون عليه السَّلام وبعده بقليل لحقه موسى عليه السَّلام وكان عُمره: (120) عامًا، وعهد من بعده إلى فتاه يوشع بن نون عليه السَّلام الذي اصطفاه الله تعالى بعد موسى عليه السَّلام وجعله نبيًّا وتحمَّل راية بني إسرائيل، وكانت وفاة موسى عليه السَّلام نهاية زمن التِّيه الذي ضربه الله تعالى على بني إسرائيل.
بنو إسرائيل في عهد يوشع بن نون عليه السَّلام
وفي عهد نبيِّ الله يوشع بن نون عليه السَّلام حصل الفتح، وازدهر اليهود، ودخلوا بيت المقدس فاتحين مُنتصرين، وأمرهم نبيُّهم عليه السَّلام أن يدخلوا الباب سجَّدًا متواضعين فعاندوا وكابروا، فعوقبوا بالمرض والطَّاعون [3]؛ قال تعالى: {وَإِذۡ قُلۡنَا ٱدۡخُلُواْ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةَ فَكُلُواْ مِنۡهَا حَيۡثُ شِئۡتُمۡ رَغَدٗا وَٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا وَقُولُواْ حِطَّةٞ نَّغۡفِرۡ لَكُمۡ خَطَٰيَٰكُمۡۚ وَسَنَزِيدُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} [البقرة: 58] ثمَّ عادوا ففتح الله لهم بقيَّة المدن، وقسَّمها يوشع بن نون عليه السَّلام على أسباطهم، وأقام فيهم التَّوراة، وظلَّ هذا الجيل مستقيمًا على الطَّريق مدَّة 26 سنة، ثمَّ مات يوشع بن نون عليه السَّلام، وتبعه جيله ممَّن ربَّاهم موسى عليه السَّلام للفتح، وتابع يوشع بن نون عليه السَّلام استقامتهم وثباتهم، ويُعرَفون بالشُّيوخ، وبذلك بدأت حِقبة أخرى من تحوُّل بني إسرائيل السَّريع وانحرافهم عن منهج الأنبياء عليه السَّلام؛ فظهر فيهم الفساد والكبر والظُّلم والفواحش [4].