الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

أنواع المدارس في الاختبارات

إنَّ المدارس القرآنيَّة في وضع الاختبارات على نوعين:

النَّوع الأوَّل: المدرسة التَّقليديَّة: وهم الذين يعتمدون في وضع الأسئلة على الطَّريقة النَّقليَّة التي تمتاز بوضوح الأسئلة، وبعدها عن الغموض في الموضع المراد، وخلوُّها من مسائل المتشابهات اللَّفظيَّة، والأسئلة التَّعجيزيَّة؛ فالاختبار عندهم لا يحتاج إلى جهد أو وقت في التَّوصُّل للموضع المراد.

النَّوع الثَّاني: المدرسة الابتكاريَّة: وهم الذين يعتمدون في وضع الأسئلة على الطَّريقة العقليَّة التي تمتاز بغموض المواضع المرادة من الأسئلة؛ لأنَّهم يتعمدون توجيه الأسئلة التي تحتاج إلى فكر ورويَّة للوصول إليها، ثمَّ تحتاج إلى تركيز وانتباه أثناء الإجابة عنها؛ فهم لا يحذون حذو المدرسة التَّقليديَّة في وضع الاختبارات؛ بل يحرصون على انتقاء الأسئلة المتشابهة في الصَّدر والعجز لإحداث نوع من الإلباس عند الطَّالب لا يتمكَّن من خلاله من الإجابة إلا بعد تفكُّر، وتثبُّت من الموضع المراد من جملة المواضع التي يحتملها السُّؤال، وذلك عن طريقة معرفة قوانين الاختبارات، ومقيِّدات الإجابة.

مقيِّدات الإجابة عشرة قيود، وهذا بيانها:

الأوَّل: قيد التَّرتيب: وهو ما يتعيَّن المراد من المواضع المتشابهة به بعلَّة التَّرتيب العامِّ للاختبار؛ لأنَّ الأصل في الأشياء التَّرتيب والتَّنظيم فلا يقع متأخِّر قبل متقدِّم، ولا متقدِّم بعد متأخِّر، فإذا ورد سؤال قد تشابه صدره ولم يحدَّد عجزه، أو حُدد بما لا يرفع الإيهام، فحينها يُقدَّم الموضع الأول مراعاة للتَّرتيب العامِّ؛ مثال ذلك: إذا ورد نصُّ السُّؤال: اكتب من قوله تعالى: {وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ‌ٱسۡجُدُواْ ‌لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ} [البقرة: 34] وكان هذا السُّؤال هو أوَّل الأسئلة وروودًا في الاختبار فإنَّ المراد مُتعيِّن بالأوَّل وهو موضع سورة البقرة في الآية (34) ولا يتعيَّن موضع الإسراء الوارد في الآية رقم: (61) ولا موضع الكهف الوارد في الآية رقم: (50) ولا موضع طه الوارد في الآية رقم: (116) ويتأكَّد ذلك بالنَّظر في السُّؤال المتأخِّر عنه؛ فالحافظ في حاجة إلى معرفة السُّؤال السَّابق واللَّاحق ليتمكَّن من تحديد موضع سؤال السِّياق؛ لأنَّ معرفة السَّابق تساعد في التَّرتيب لأختار الذي يليه، ومعرفة اللَّاحق تُفيد من خلال معرفة إخراج موضع من المواضع الدَّاخلة في نطاق التَّشابه لكنَّها غير مرادة في هذا السُّؤال، فحينها يتعيَّن الموضع الحالي دون لبس أو غُموض؛ فاللَّبس سُرعان ما يزول بعد النَّظر في القرائن المذكورة في السُّؤال، وبدون الاهتمام بالمعطيات والقرائن فلن يتمكَّن الحافظ من الاختيار الصَّحيح.

الثَّاني: قيد الأوَّلية: وهو ما يتعيَّن المراد به بعلَّة ورووده في أوَّل المواضع، وهو الأصل الثَّاني بعد التَّرتيب، فإنَّ السُّؤال إذا ورد مُطلقًا وقد خلا من كلِّ قرينة تدلُّ عليه، فإنَّ المراد يتحدَّد بالأوَّليَّة المطلَّقة، مثال ذلك: إذا ورد السُّؤال: اكتب من قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ ‌أَن ‌يُشۡرَكَ ‌بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ} فقد ورد هذا الصَّدر في موضعين من سورة النِّساء في الآية رقم: (48) وفي الآية رقم: (116) ويكون الموضع المتعيِّن بقرينة الأوَّليَّة هو ما ورد في الآية رقم: (48) ولعلَّك لاحظت أنَّه يمكن أن يرد موضعان متَّفقان في سورة واحدة، ويُمكن أن تختلف السُّورة، ففي الأولى يُقدَّم الموضع صاحب رقم الآية المتقدَّم، وفي الثَّانية تُقدَّم السُّورة المتقدِّمة في التَّرتيب المصحفيِّ، فهذه قرينة الأوَّليَّة المطلقة.

الفرق بين قرينتي التَّرتيب والأوَّليَّة

والفرق بين التَّرتيب والأوَّليَّة أنَّ الموضع المحدَّد بقرينة التَّرتيب قد لا يكون أوَّل المواضع وروودًا؛ لأنَّ التَّرتيب يتحكَّم فيه موقع السُّؤال من السَّابق واللَّاحق حتى يتمَّ تحديد الموضع المراد، فقد يتعيَّن الموضع الثَّالث من المواضع المتشابهة لأنَّ الموقع هو الذي أخرج الموضعين السَّابقين حين ورد السُّؤال السَّابق بعدهما، ولا يتعيَّن الرَّابع والخامس لأنَّ الموقع أيضًا أخرجهما لوقوع السُّؤال اللَّاحق قبلهما، ومثال ذلك: قوله تعالى: {كَذَّبَتۡ ‌قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ} فقد ورد في خمسة مواضع؛ في الحجِّ في الآية رقم: (42) وفي ص في الآية رقم: (12) وفي غافر في الآية رقم: (5) وفي ق في الآية رقم: (12) وفي القمر في الآية رقم: (9) فإذا كان السُّؤال السَّابق في سورة فصِّلت فيخرج مواضع الحجِّ وص وغافر، وإذا كان السُّؤال اللَّاحق في سورة النَّجم فيخرج موضع القمر، وبالتَّالي يتعيَّن موضع سورة ق مُراعيًا التَّرتيب التَّسلسليَّ لسور القرآن الكريم.

أمَّا الموضع المحدَّد بقرينة الأوَّليَّة فتتحقَّق فيه الأوَّليَّة الحقيقيَّة؛ فيكون أوَّل المواضع وروودًا في القرآن الكريم، ويتحكَّم في تحديده موقع السُّؤال أيضًا بحيث لا يقع السُّؤال السَّابق قبل الموضع الأوَّل في سياق نصِّ السُّؤال، فتحقُّق الأوَّليَّة يتمُّ بتعيين الموضع الأوَّل دون غيره لعدم تجويز الانتقال إلى ما بعده لوروده ضمن التَّرتيب التَّسلسليُّ للمواضع، ومثال ذلك قوله تعالى: {وَأَقۡسَمُواْ ‌بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ} فقد ورد في أربعة مواضع؛ في سورة الأنعام في الآية رقم: (109) وفي سورة النَّحل في الآية رقم: (38) وفي سورة النُّور في الآية رقم: (53) وفي سورة فاطر في الآية رقم: (42) فإذا كان السُّؤال السَّابق في سورة النِّساء فيتعيَّن الموضع الأوَّل الوارد بسورة الأنعام، والأوَّليَّة فيه حقيقيَّة، وهو داخل أيضًا في التَّرتيب العامِّ.

قيد الوضوح

الثَّالث: قيد الوضوح: وهو ما تعيَّن الموضع المراد فيه بما حواه نصُّ السُّؤال نفسه، بأن يرد السُّؤال محدَّد البداية (الصَّدر) والنِّهاية (العجز) وهذا لا يحتمل أكثر من موضعين في الغالب؛ لعدم تماثل الصَّدر مع العجز إلَّا قليلًا، مثل قوله: اكتب من قوله تعالى: {فَسَبِّحۡ ‌بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلۡعَظِيمِ} [الواقعة: 74] إلى قوله تعالى: {فَسَبِّحۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلۡعَظِيمِ} [الواقعة: 96] فمع كونه من المتشابه إلَّا أنَّه جليٌّ واضح، فإن حدث وتشابها فقيد التَّرتيب مُخرج من الإلباس، فإن لم يكن ترتيب فقرينة التَّرقيم للموضع المراد مقيَّدة، وستأتينا بعد قليل.

وقد يتَّضح المراد من السُّؤال بقرينة الوضوح وتكون الأسئلة المحدَّدة بهذه القرينة على ثلاثة أقسام:

أوَّلًا: ما تماثل صدره وانفرد فيه العجز، فيهتدى إليه بمعرفة العجز؛ مثل: اكتب من قوله تعالى: {كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ} [آل عمران: 11] إلى قوله تعالى: {وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَـَٔابِ} [آل عمران: 14] فقد تماثل صدر هذا السُّؤال، فورد في سورة آل عمران في الآية رقم: (11) وفي سورة الأنفال في الآية رقم: (52) والآية رقم: (54) لكنَّ الموضع الذي يترجَّح من هذه المواضع هو موضع آل عمران بقرينة انفراد العجز به، وهذه قرينة الوضوح، أو: اكتب من قوله تعالى: {وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ} [الصف: 5] إلى قوله تعالى: {فَلَمَّا ‌جَآءَهُم ‌بِٱلۡبَيِّنَٰتِ قَالُواْ هَٰذَا سِحۡرٞ مُّبِينٞ} [الصف: 6] فقد تماثل صدر هذا السُّؤال، فورد في سورة البقرة في الآية رقم: (54) وفي سورة المائدة في الآية رقم: (20) وفي الصَّف في الآية رقم: (5) لكنَّ الموضع الذي يترجَّح من هذه المواضع هو موضع الصَّف لاتِّفاق الصَّدر مع العجز فيه.

ثانيًا: ما تماثل عجزه وانفرد فيه الصَّدر، فيُهتدى إليه بمجرَّد الصَّدر مثل: اكتب من قوله: {فَبِظُلۡمٖ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ طَيِّبَٰتٍ أُحِلَّتۡ لَهُمۡ} [النساء: 160] إلى قوله: {وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا} [النساء: 163] فقد تماثل العجز إذ قد ورد في النِّساء في الآية رقم: (163) وفي الإسراء في الآية رقم: (55) لكنَّ قرينة الصَّدر أوضحت أنَّ المراد هو موضع النِّساء؛ لأنَّ الصَّدر الوارد في السُّؤال لم يجتمع مع  العجز المحدَّد إلا في النِّساء، أو: اكتب من قوله: {قَدۡ جَآءَكُم ‌بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمۡۖ} [الأنعام: 104] إلى قوله: {وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِوَكِيلٖ} [الأنعام: 107] فالصَّدر مفرد معلوم أنَّه في سورة الأنعام، والعجز متشابه حيث ورد في ثلاثة مواضع في الأنعام في الآية رقم: (107) وفي الزُّمر في الآية رقم: (41) وفي الشُّورى في الآية رقم: (6) ويتعيَّن موضع الأنعام بقرينة وضوح الصَّدر، حيث لم يرد الصَّدر مع العجز المذكور إلا في سورة الأنعام.

ثالثًا: ما انفرد طرفاه ولم يرد في القرآن الكريم كلِّه ما يُمكن أن يُقال إنَّه متَّفق مع طرفيه، ومثاله: إذا ورد السُّؤال: اكتب من قوله تعالى: {إِلَّا تَنصُرُوهُ ‌فَقَدۡ ‌نَصَرَهُ ٱللَّهُ} [التوبة: 40] إلى قوله تعالى: {فَهُمۡ فِي رَيۡبِهِمۡ ‌يَتَرَدَّدُونَ} [التوبة: 45] فهذا الموضع قد ورد في سورة التَّوبة منفردًا، أو: من قوله تعالى: {شَرَعَ ‌لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحٗا} [الشورى: 13] إلى قوله تعالى: {وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٞ} [الشورى: 17] فالمتعيِّن موضع سورة الشُّورى بلا ريب؛ لأنَّ الصَّدر والعجز مُنفردان هناك، ولا يخلط البعض عجز السُّؤال الوارد في الشُّورى بما ورد متقاربًا معه في الأحزاب في قوله تعالى: {وَمَا ‌يُدۡرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا} [الأحزاب: 63] فالتَّدقيق في النَّصَّين يُظهر الاختلاف بزيادة الفعل: (تكون) في موضع الأحزاب والذي تأثَّر به الإعراب في الكلمة الأخيرة حيث وقعت خبرًا لـ: (تكون) الذي يرفع المبتدأ وينصب الخبر، بخلاف موضع الشُّورى ففيه الرَّفع لأنَّه خبر لـ: (لعلَّ) الذي ينصب المبتدأ ويرفع الخبر.

قيد القرب

الرَّابع: قيد القُرب: وهو ما تعيَّن الموضع المراد فيه بقرينة القرب من العجز؛ لأنَّ الأصل في الاختبارات التَّيسير والاختصار، فيتعيَّن المراد من المواضع المتشابهة الصَّدر بالأقرب منها إلى العجز، كما في الضَّابط الثَّاني، كما يتعيَّن العجز المراد فيما تشابه فيه العجز بالأقرب للصَّدر؛ مثل: اكتب من قوله تعالى: {عَلِمَتۡ ‌نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ وَأَخَّرَتۡ} [الانفطار: 5] إلى قوله تعالى: {إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ لَفِي نَعِيمٖ} [الانفطار: 13] فقد تشابه العجز فورد في سورة الانفطار في الآية رقم: (13) وفي سورة المطفِّفين في الآية رقم: (22) فيتعيَّن موضع الانفطار لعلَّة القرب من الصَّدر، مع قرينة الأوَّليَّة في مواضع العجز المتشابه لأنَّ البعض يظنُّ أنَّنا نقصد بالأوَّليَّة ما كان في الصَّدر فقط، والصَّواب أنَّ العجز أيضًا تدخل فيه الأوَّليَّة، وهذه تحتاج إلى نظر.

قيد الانفراد المتشابه

الخامس: قرينة الانفراد المتشابه: وهو ما تعيَّن الموضع المراد فيه بقرينة انفراد وروود الرَّأس مع العجز مع كونهما من المتشابه، فيجمع السُّؤال بين الإفراد من جهة عدم اشتباهه مع غيره من السُّور، وبين التَّشابه من جهة أنَّ الصَّدر متشابه مع العجز؛ ومثاله: اكتب من قوله تعالى: {فَسَبِّحۡ ‌بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلۡعَظِيمِ} [الواقعة: 74] إلى قوله تعالى: {فَسَبِّحۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلۡعَظِيمِ} [الواقعة: 96] فإنَّ السُّؤال بهذه الصِّيغة لم يرد إلَّا في سورة الواقعة، فالصَّدر في الآية (74) والعجز في الآية (96) ولم يرد في سورة أخرى بهذه الصِّيغة التي اتَّفق فيها الصَّدر مع العجز في الآية، ولا يدخل موضع الحاقَّة الوارد في الآية (52) لأنَّه مشتبه في طرف واحد، وهناك نوع من الانفراد وهو الانفراد المطلق وهو عدم وروود الموضع في القرآن الكريم كلِّه إلَّا في موضع واحد فإذا أُطلق انصرف إليه؛ إذ لا يحتمل غيره؛ كمثل قوله تعالى: {إِنَّ ‌ٱللَّهَ ‌لَا ‌يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ} [المنافقون: 6] فلم ترد إلَّا مرَّة واحدة في سورة المنافقون.

قيد الرَّسم

السَّادس: قيد الرَّسم: وهو الذي يتعيَّن المراد فيه بقرينة الرَّسم العثمانيِّ، فيكون مجرَّد الرَّسم العثمانيِّ دالًّا على الموضع المراد من المواضع المتشابهة، وهذه القرينة تنضمُّ إلى قرينة التَّرتيب أيضًا، مثال ذلك: إذا ورد السُّؤال هكذا: اكتب من قوله تعالى: {وَمَآ أَنتَ ‌بِهَٰدِي ٱلۡعُمۡيِ عَن ضَلَٰلَتِهِمۡۖ إِن تُسۡمِعُ إِلَّا مَن يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا فَهُم مُّسۡلِمُونَ} [النمل: 81] أكمل بعدها ثلاث آيات؟ فإنَّ النَّاظر في صدر السُّؤال يرى أنَّه من المتشابه فقد ورد مرَّتين، أحدهما في سورة النَّمل في الآية رقم: (81) والآخر في سورة الرُّوم في الآية رقم: (53) ولم يُذكر في السُّؤال ما يدلُّ على المراد منهما سوى قرينة خفيَّة تحتاج إلى دربة في النَّظر إلى رسم الكلمات القرآنيَّة، ومن هنا تظهر قيمة النَّظر الدَّقيق إلى صفحات المصحف، وبالتَّدقيق بين الموضعين نلحظ أنَّ موضع النَّمل هو الموافق في الشَّكل والصُّورة للصَّدر المرسوم في السُّؤال؛ لأنَّه رسم بالياء في: (بهادي) بخلاف موضع الرُّوم فقد رُسم بحذفها.

ومن الأمثلة التي تجري عليها هذه القرينة أن يرد السُّؤال هكذا: اكتب من قوله تعالى: {مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ ‌فَهُوَ ‌ٱلۡمُهۡتَدِيۖ} [الأعراف: 178] بإثبات الياء في: (المهتدي) فهذا الموضع يتميَّز عن موضعي: {وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ ‌فَهُوَ ‌ٱلۡمُهۡتَدِۖ} [الإسراء: 97] بزيادة الواو وحذف الياء، وكذا موضع قوله تعالى: {مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ ‌فَهُوَ ‌ٱلۡمُهۡتَدِۖ} [الكهف: 17]  بحذف الياء.

قيد الضَّبط

ويُلحق بهذه القرينة قيد الضَّبط والمقصود بها ما يقع في الآية القرآنيَّة من ضبط يُفرَّق به بين المواضع المتشابهة؛ لأنَّه يكون في موضع دون البقيَّة، فإذا أراد المقيِّم موضعًا معيَّنًا من جملة المواضع المتشابهة حدَّده بقرينة تُمكِّنه من إقامة الحجَّة على المقيَّم، ويستطيع الأخير الاهتداء إلى الموضع من خلالها، ويتمُّ رسمها في الأسئلة الكتابيَّة، والتَّصريح بها نطقًا في الأسئلة الشَّفهيَّة؛ نحو: ورد قوله تعالى: {فَٱصۡبِرۡ ‌إِنَّ ‌وَعۡدَ ‌ٱللَّهِ ‌حَقّٞ} ثلاث مرَّاتٍ في القرآن العزيز:

الأوَّل: في سورة الرُّوم الآية رقم (60) قال : {فَٱصۡبِرۡ ‌إِنَّ ‌وَعۡدَ ‌ٱللَّهِ ‌حَقّٞۖ وَلَا يَسۡتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ}

الثَّاني: في سورة المؤمن (غافر) في الآية رقم (55) قال: {فَٱصۡبِرۡ ‌إِنَّ ‌وَعۡدَ ‌ٱللَّهِ ‌حَقّٞ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِبۡكَٰرِ}.

الثَّالث: في سورة المؤمن (غافر) في الآية رقم (77) قال: {فَٱصۡبِرۡ ‌إِنَّ ‌وَعۡدَ ‌ٱللَّهِ ‌حَقّٞۚ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعۡضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمۡ أَوۡ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيۡنَا يُرۡجَعُونَ}.

ونُلاحظ أنَّ مواضع هذا السُّؤال قد اشتملت على قرينة رسميَّة ضبطيَّة وقفيَّة يُمكن الاستفادة منها في الأسئلة الإلغازيَّة؛ فقد ورد الموضع الأوَّل مرسوم عليه علامة أولويَّة الوصل: { ۖ} وأمَّا الموضع الثَّاني فلم ترُسم عليه علامة وقف فهو موصول بالعطف، وأمَّا الموضع الثَّالث فرُسمت عليه علامة الوقف الجائز: { ۚ } فإذا أراد المقيِّم أن يختبر قوَّة حفظ ارتباط المقيَّم بالمصحف الشَّريف نظرًا وفهمًا ومتابعة وإدراكًا فإنَّه يعتمد توجيه أسئلة من هذا النَّوع؛ فيرد السُّؤال: اكتب من قوله تعالى: {فَٱصۡبِرۡ ‌إِنَّ ‌وَعۡدَ ‌ٱللَّهِ ‌حَقّٞۚ} ويُراد به موضع سورة غافر؛ بقرينة الضَّبط بعلامة الوقف الجائز، وهذا الموضع بذلك يمتاز عن غيره من المواضع بقرينة الضَّبط، وهي قرينة يُحتجُّ بها في تعيين الموضع المراد سؤالًا وجوابًا.

قيد الموقع

السَّابع: قرينة الموقع: وهو الذي يتعيَّن المراد فيه بقرينة موقع السُّؤال من الآية فيُقدِّم من المواضع ما ابتدأت به الآية على ما توسَّط في الآية، ومثاله إذا قيل: اكتب من قوله تعالى: {وَلِلَّهِ ‌مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ} فقد ورد هذا المقطع في ستَّة مواضع على قسمين:

أوَّلًا: ما وقع في أوَّل الآية: وهذا في سورة آل عمران في الآية رقم: (189) وفي سورة النُّور في الآية رقم: (42) وفي الجاثية في الآية رقم: (27) في الفتح في الآية رقم: (14).

ثانيًا: ما وقع في وسط الآية: وهذا في سورة المائدة في الآية رقم: (17، 18).

فتكون قرينة الموقع أولى بأن تعمل في بداية الآيات لا في أوساطها، وتكون المواضع الأربعة المتقدِّمة في القسم الأوَّل هي التي تدخل نطاق البحث والنَّظر، ويخرج المواضع المتوسِّطة من البحث، مع انضمام القرائن السَّابقة.

وكذلك ما كان في أوَّل الآية في صدر السُّؤال يُقدَّم، وما كان في آخر الآية في عجز السُّؤال يُقدَّم؛ مثال ما كان في الصَّدر إذا قيل: اكتب من قوله تعالى: {ذَٰلِكُمُ ‌ٱللَّهُ ‌رَبُّكُمۡۖ} فقد ورد في 6 مواضع على قسمين:

أوَّلًا: ما وقع في أوَّل الآية: وهذا في موضعين؛ في الأنعام في الآية رقم: (102) وفي غافر في الآية رقم: (62).

ثانيًا: ما وقع في وسط الآية: وهذا في أربعة مواضع؛ في سورة يونس في الآية رقم: (3) وفي سورة فاطر في الآية رقم: (13) وفي الزُّمر في الآية رقم: (6) في غافر في الآية رقم: (62).

فيتعيَّن موضع من موضعي الأوَّليَّة في الموقع؛ وذلك بناءً على رعاية بقيَّة القرائن؛ لأنَّ الأصل في الأسئلة أن تبدأ بأوَّل الآية، وتنتهي بآخر الآية، فإذا أُريد خلاف هذا تمَّ التَّحديد في نصِّ السُّؤال من خلال قرينة التَّرقيم أو الوضوح بتسمية اسم سورة الموضع.

مثال ما كان في العجز: اكتب إلى قوله تعالى: {وَبَشِّرِ ‌ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} ورد في خمسة مواضع على قسمين:

أوَّلًا: ما وقع في أوَّل الآية: وهذا في موضع واحد فقط في سورة الأحزاب في الآية رقم: (47).

ثانيًا: ما وقع في آخر الآية: وهذا في أربعة مواضع؛ في سورة البقرة في الآية رقم: (223) وفي سورة التَّوبة في الآية رقم: (112) وفي يونس في الآية رقم: (78) في الصَّفِّ في الآية رقم: (13).

فيتعيَّن موضع من مواضع الختام في الموقع؛ وذلك بناءً على رعاية بقيَّة القرائن؛ لأنَّ الأصل في الأسئلة أن تنتهي بآخر الآية كما سبق وذكرنا.

قيد التَّرقيم

الثَّامن: قرينة التَّرقيم: وهو ما يتعيَّن المراد فيه بقرينة الرَّقم الخاصِّ بالموضع المتشابه من حيث عدد الوروود، مثال ذلك: اكتب من قوله تعالى: {وَلَقَدۡ ‌يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ} الرَّابعة، إلى آخر السُّورة الكريمة؟ فإنَّ التَّرقيم للموضع المتشابه يحدِّده ويخصِّصه، ليخرج بالتَّحديد بقيَّة المواضع، ويتعيَّن موضع القمر الوارد في الآية رقم: (40) وعلَّة التَّحديد ترقيم الموضع، لكن لابدَّ من معرفة أنَّه لا يُمكن أن يصل الطَّالب إلى الموضع المحدَّد بالتَّرقيم إلَّا إذا كان عارفًا لعدد المتشابه على وجه الدِّقَّة، وعليه ظهر وجه احتياج الطَّالب لعلم المتشابه.

ومثله: اكتب من قوله تعالى: {وَيۡلٞ ‌يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ} الأخيرة في القرآن الكريم، فيتعيَّن موضع سورة المطففين، وتخرج مواضع سورة المرسلات وعددها 11 موضعًا.

ومثله: اكتب من قوله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ‌ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} الأخيرة في القرآن الكريم، فيتعيَّن موضع التَّحريم، وتخرج بقيَّة المواضع وعددها 88 موضعًا.

ومثله: اكتب من قوله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} الأولى في القرآن الكريم، فيتعيَّن موضع سورة البقرة، وتخرج بقيَّة المواضع وعددها 19 موضعًا.

قيد العادة

التَّاسع: قرينة العادة: وهي القرينة التي تخضع لعادة السَّائل في طرح الأسئلة، وقد تخالف قرينة من هذه القرائن المتقدِّمة، كأن تكون عادته إذا ذكر موضعًا تشابه صدره وقُيِّد عجزه بآخر السُّورة أنَّه يريد الموضع الأبعد عن موضع العجز لا الأقرب كما سبق، وعندئذٍ ينبغي أن تُخالف القاعدة لتكون موافقة لمراده قدر الطَّاقة، إذ لابدَّ في الإجابة أن تكون مرادة للسَّائل، إلَّا إذا تعسَّر معرفة مراده فنلجأ إلى أمر من أمرين:

الأوَّل: سؤال السَّائل عن مراده؛ لأنَّه أدرى بمراده، وهذا مرهون بتمكُّنه.

الثَّاني: السَّير على القواعد والضَّوابط المنظِّمة للإجابة في حالة عدم التَّمكُّن من السُّؤال. 

قيد الفكر

العاشر: قرينة الفكر: وهي التي يظهر المراد من المواضع فيها بمجرَّد التَّفكير في الموضعين، كأن يرد السُّؤال متشابه الصَّدر الوارد في سورة واحدة، ثمَّ يحدَّد عجزه بما ورد قبل الموضع الثَّاني؛ مثاله: اكتب من قوله: {كِتَٰبٞ ‌مَّرۡقُومٞ} إلى قوله: {وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا عِلِّيُّونَ} [المطففين: 19] فإنَّ الصَّدر تكرَّر مرَّتين في سورة التَّطفيف في الآية رقم: (9) وفي الآية رقم: (20) وبالنَّظر في العجز يبين لنا من غير عناء أنَّ العجز قد وقع قبل الموضع الثَّاني؛ إذ ورد في الآية رقم: (19) فيتعيَّن المراد من الموضعين بهذه القرينة التي تحتاج إلى فكر ورويَّة.

ثمَّ اعلم أنَّ الأصل في الأسئلة أن تكون في نطاق السُّورة الواحدة، ولا تجمع بين سورتين إلا بقرينة إضافيَّة موضحة كالرَّقميَّة، فإذا أُطلِق السُّؤال وتشابه مع غيره صدرًا وعجزًا، وكان أحد المواضع في سورة واحدة، وغيره يربط بين سورتين؛ كان المراد الموضع ذو السُّورة الواحدة؛ مثل: اقرأ من قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ‌كَفَرُواْ ‌وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} إلى قوله تعالى: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا} فقد ورد مرَّتين في القرآن الكريم:

الأولى: في سورة النِّساء في الآية رقم: (167): (170).

والثَّانية: في محمد في اﻵية رقم: (34) وينتهي بالآية رقم: (4) في الفتح.

فإذا اتَّفقا في الصَّدر والعجز والسُّورة الواحدة قُدِّم ما تقارب فيه الصَّدر من العجز؛ لقلَّة آياته، فإن كانوا سواءً في القرب؛ قُدِّم الأوَّل منهما، فإن أُطلِق سؤال متشابه في صدره، مفرد في العجز، وكان التَّشابه في الصَّدر في السُّورة نفسها؛ كان المراد الأقرب من العجز إلَّا أن تُذكر قرينة صارفة كالرَّقميَّة؛ مثل موضع محمد المتقدَّم، وقوله: اقرأ من قوله: {كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ} [الأنفال: 54] إلى قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ‌ٱلۡخَآئِنِينَ} [الأنفال: 58].

ومن أجل هذا فقد وضعت مذكرة مختصرة ذكرت فيها الضَّوابط العامَّة التي ينبغي أن يتبعها الطُّلَّاب في أثناء الاختبارات التَّحريريَّة والشَّفهيَّة لتحصيل الدَّرجات العالية، وقد دعاني لتسطيرها ما رأيته من حاجة الطُّلَّاب إليها، فسطرتها، ورجوت أن تقع موقع الرِّضا عند أهل الفنِّ والإتقان، وتؤتي ثمارها عند طالبي العلم والقرآن، وقد وضعتُ هذه الضَّوابط من محض الخبرة التي حصَّلتها في أثناء تدريسي ومدارستي لكتاب الله، وأقدِّمها بين يدي الرَّاغبين من أهل القرآن لتكون دليلًا يُعتمد عليه في ضبط الإجابات في الاختبارات القرآنيَّة؛ لتوحيد الطَّريقة التَّقيميَّة ما أمكن.

والله من وراء القصد، وهو يهدي السَّبيل

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله