التَّدليس في الأسانيد
إنَّ من النَّاس من يُجاز في القرآن الكريم بغير ما تحمَّل تدليسًا وافتراءً؛ سواء أكان التَّدليس في بيان طريقة عرضه، أو تحمَّل أعلى من الطَّريقة الواقعة، أو الزِّيادة في بيان القدر المعروض إيهامًا بطول الصُّحبة وكثرة العرض، ونحو هذا، فإن وقع مثل هذا فقال المجاز: "عُذرًا، فلا جريرة لي في هذا؛ فقد أجبرني المجيز أن أكتب فيها ما يخالف حقيقة العرض" رُدَّ عليه: بأنَّ هذا العذر لا يُقبل منك؛ لأنَّك كنت تقدر على الاعتراض والرد، أمَا ولم تفعل، فقد دلَّ على الرِّضا التَّامِّ، والإقرار المطلق لما حوته.
شبهة وردُّها
فإن قال: "لم أنتبه لما كتبه المجيز في الإجازة من ألفاظ" رُدَّ عليه: بأنَّ هذه غفلة لا تبرَّر، وعذرٌ أقبح من ذنب، وبه يسقط إسنادك، وتصير إجازتك كالعدم؛ لأنَّك عجزت بغفلتك عن التَّحرِّي والتَّدقيق في أمر يقوم عليه شرفك وفخرك، فأنت لما سوى نفسك أشدُّ في الإهمال والغفلة، فالرِّواية تحتاج إلى مزيد يقظة لم يتوفر لك منها شيء.
تقسيم المشتغلين بالقرآن الكريم
اعلم يا صاحبي أنَّ شيوخ القرآن ليسوا على رتبة واحدة؛ بل هم متفاوتون في المنزلة والمكانة والتَّخصُّص الدَّقيق، ويُمكن أن نقسِّمهم بالنَّظر للميدان القرآنيِّ القرائيِّ إلى ثلاثة أقسام:
الأوَّل: القرَّاء؛ وهم الذين أجادوا القراءة والأداء العمليِّ للقرآن الكريم، مع جودة في الصَّوت، وبراعة في التِّلاوة، مع قلَّة علمهم بالأحكام العلميَّة، وعدم تمكُّنهم من التَّأصيل العلميِّ للأداء العمليِّ، وهؤلاء كُثر في الأمَّة، ومنهم أئمَّة المساجد، وقرَّاء المحافل، وأعضاء المقارئ في الغالب، ومدرسو القرآن الكريم ومعلِّموه في المراكز والمؤسَّسات التي تُعنى بالتَّعليم، وهم في مرتبة عالية في الفضل؛ فقد يدخل النَّاس في الدِّين بسبب سماع أصواتهم التي تفوق الجمال في الجمال، ويُمكن أن نضع الضَّابط المحدِّد لهم بقولنا: "هم كلُّ من برع في الأداء العمليِّ، مع عدم إلمامه أو اختصاصه بالجانب العلميِّ".
الثَّاني: علماء القرَّاء؛ وهم الذين برعوا في دراسة الأحكام العلميَّة، مع إجادة التَّصنيف والتَّأليف في القراءات القرآنيَّة، وما يتعلَّق بها من مسائل؛ كالتَّجويد، والوقف والابتداء، والفواصل، ورسم المصحف، وغيره، مع كونهم ليس لهم ختمات إذاعيَّة، أو مسجَّلة، أو لهم ولكن خلت من الملكات الصَّوتيَّة العالية، فيُسمع لهم للتَّعلُّم لا للتَّفكُّه، ولم يُجيدوا الأداء العمليَّ كإجادة العلميِّ؛ فهم أقدر النَّاس على تعليم القرَّاء، وانتقاد قراءتهم، والتَّعقيب على الأخطاء الفنِّــيَّة الواردة في القراءة، وهم أهل التَّخصُّص والعلم.
الثَّالث: القرَّاء العلماء؛ وهم النَّفر القليل الذين جمعوا بين جودة الأداءين: العلميِّ والعمليِّ، فبرعوا في التَّأليف والتَّصنيف براعةً جعلهم من النُّخبة المتخصَّصة الذين يحرص على القراءة لهم، ولم يُحرَموا من إجادة جانب الإلقاء فرُزقوا مهارة الأداء، مع حلاوة الصَّوت، ودقَّة التَّصوير، فلهم ختمات مسجَّلة يستفيد منها النَّاس، وهم في الحقيقة نفر قليل، ولا يخلو منهم زمان ولا مكان.
ضوابط الإجازة في القرآن الكريم
لا يُجاز الطَّالب بالقرآن الكريم حتى يسلم من ستَّة أشياء:
1 - تكلُّف يُناقض اليُسر.
2 - جهل بالأحكام يناقض العلم بها.
3 - عجلة تُناقض الصَّبر على التَّعلُّم.
4 - كبر يُناقض التَّواضع.
5 - تجرُّؤ يُناقض الورع.
6 - اعتماد على النَّفس يُناقض التَّلقِّي.
أهمِّيَّة حفظ المتون العلميَّة
إنَّ طالب العلم لا يستغني بحال من الأحوال عن اعتماد الطَّريقتين؛ والعلم المدروس هو الذي يُحدِّد الأولى في هذه المسألة؛ فالعلوم النَّقليَّة إلى النَّظم أحوج من العلوم العقليَّة التي تحتاج فهمًا أكثر، وتعتمد على التَّعبير من خلال الفهوم، بخلاف العلوم النَّقليَّة لاسيَّما علوم الرِّواية والتَّلقِّي؛ كالقراءات القرآنيَّة، والمصطلحات التَّخصُّصيَّة في كلِّ علم، فيُستحبُّ فيها حفظ متن منظوم يضبط شاردها، ويجمع شتاتها، وعلى كلٍّ فإنَّ أهل العلم قد اتَّفقوا على أنَّ حفظ النَّظم مقدَّم على حفظ النَّثر؛ لأنَّ الأوَّل أخصر في الذِّكر، وأيسر في التَّذكُّر، وأقعد للمسائل، وأحبُّ إلى نفس السَّائل؛ ولله درُّ الإمام أبي بكر الغرناطيِّ الأنَّدلسيِّ المالكيِّ في نظمه: (مُرتقى الوصول إلى علم الأصول):
وَبَعـــدُ: فَالعِلــمُ أَجَــلُّ مُعتَنًـى بِــهِ وَكُــلُّ الخَيرِ مِنـهُ يُجتَنَـى
وَالنَّظمُ مُدنٍ مِنهُ كُلَّ مَا قَصَى مُزَلِّلٌ مِن مُمتَطَاهُ مَا اعتَصَـى
فَهــوَ مِـنَ النَّثـــرِ لِفَهمٍ أَسبَـــقُ وَمُقتَضَــاهُ بِالنُّفُـــوسِ أَعلَـــقُ