الفوائد العلميَّة من موسوعة الأسرة
من خلال المطالعة السريعة للجزء الأول من موسوعة: (دليل الأسرة في الإسلام) يمكنني أن أقف على بعض الفوائد منها، وهذا بيانها:
الفائدة الأولى: التفرقة بين مفهوم العائلة في الحضارات المتعددة؛ فهي عند العرب الجاهلين تتضمن الأقارب والموالي وما يبنى على الادعاءات لا على صلات الدم والنسب؛ فلا يثبت نسب إلا باعتراف، وعند الأوربيين تتضمن جميع أفراد العشيرة ولو لم تربطهم صلة دم، بمجرد الادعاء وتبني رئيس العائلة لهم، أما مفهوم العائلة حاليا فهو مستقر غير أنه ضاق بسبب اقتصارها على (أفراد البيت الواحد من زوج وزوجة وأولاد). [1]
نتيجة: مما نتج عنه تقطع في أوصال العائلة بمفهومها الأشمل والذي يؤديه معنى العشيرة: أي: (المجتمعين في أصل واحد وإن بعد) فترى في أزماننا كثيرا من الناس يجتمعون في جد قريب للغاية، ولا يعرف بعضهم بعضا! وبالتالي لا يتواصلون، أو يتزاورون، فالقطيعة بينهم حاصلة لجهلهم بمدى القرابة، ودرجة الصلة، وإنما نشـأ ذلك من خلال تضييق مفهوم العائلة حتى اقتصر على ما استقر عليه الآن.
وأقترح: أن يتولى كبير كل عائلة مهمة تجميع روافد العائلة من خلال تعريف كل فرع ببقية الفروع المنحدرة منها، مع العمل على إحياء روابط التواصل ولو من طريق بعيد؛ حرصا على الترابط المجتمعي، وإنعاش روح المودة بين أفراد العائلة الواحدة، وتحصيل فضل صلة الأرحام.
الفائدة الثانية: من أكبر المشكلات التي تقع في علاقات الأسر، والتي تسببت في إحداث القطيعة والهجران المتعمد؛ الحسد الناشئ عن التطلع والطمع بما في يد الغير، واستكثار النعم على الآخرين، وهذه آفة مجتمعية منشأها ضعف الإيمان، والتداخل الكبير بين الأقارب بما يُحفظ معه سر، أو تستر نعمة، فيحدث من جراء التواصل إلى درجة التداخل معرفة بكل ما يدور في البيت، فتعقد المقارنات التي توصل إلى الحسد. [2]
والعلاج يكمن في: العمل بمضامين النصوص الشرعية التي تنهى عن الحسد وتذمه، مع العمل على التوعية المجتمعية التي تنشر ثقافة الرضا، والقناعة، والمودة، والإخاء، من خلال مشاركات الإعلام، والجامع، والجامعة، مع الأخذ بالأسباب من خلال المحافظة على خصوصية الأسرة، وعدم السماح بالتدخل في شئونها ومعرفة إسرارها، دون إحداث نوع من الهجران والقطيعة، فهي عملية تنظيم للعلاقات، ووضع حدود لها. [3]
الفائدة الثالثة: التدخل الفج من الأقارب في إدارة الأسرة، سبب من أسباب انهيارها؛ فإن أهل الزوجين يشاركان في التوجيه، واتخاذ القرارات المصيرية المتعلقة بحياة الأسرة وفي أدق التفاصيل؛ لشعورهم بعجز الزوجين على مواجهة مصاعب الحياة ومشكلاتها، فيتولد عنه تدخل سافر في شئونهما بما يؤثر سلبا على قوام الحياة الزوجية، وتكثر معه المشكلات. [4]
والحل يكمن في: ضرورة أن يتحلى الزوجان بالحكمة والتريث في معالجة ما يظهر على ساحتهما الأسرية من مشكلات دون محاولة من إقحام أحد الطرفين لطرف ثالث في المعضلات الحياتية؛ فإن إمكانية علاجها بعد التدخل أقل بكثير منها قبل تدخلهم؛ فالزوجان العاقلان يحرصان على احتواء المشكلات، والهدوء المتناهي في المعالجة، وكتم الأسرار وعدم افشائها؛ لذا كان من وصية الإسلام ألا يُفشي الزوجان سرا لبعضهما، وألا تخرج المشكلة من إطار البيت إلا إذا استحال حلها، وحينئذ لا تتسع دائرة المعالجة، بل ترفع إلى حكم عاقل من كل طرف؛ قال تعالى: {وَإِنۡ خِفۡتُمۡ شِقَاقَ بَيۡنِهِمَا فَٱبۡعَثُواْ حَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهِۦ وَحَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصۡلَٰحٗا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيۡنَهُمَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرٗا} [النِّساء: 35] وقد نجد من الأهلين من لا يُستغنى عن رأيه ومشاركته في اتخاذ القرارات عن طريق المشاورة لا الإلزام. [5]
فائدة: ولما كان تدخل الأهل في شأن الأسرة مضر بهذه الدرجة كان من الحتمي على الزوجين أن يتفقا في البداية على تحجيم دور الأهلين قبل الزواج، فإن هذا مما يقلل من المشكلات الناجمة عن تدخلهما، أما وإن هذا لا يحصل في الغالب لجهل الزوجين بطبيعة الحياة الزوجية، وإمكانية حصول الاختلاف بينهما لما في قلبيهما من الحب الذي يُظن معه ألا وجود للمشكلات؛ لذا تأتي أهمية دور التوعية المؤسسية في توعية الشباب المقبلين على الزواج بطبيعة الحياة الزوجية، ونقل الخبرات إليهم عن طريق تنظيم اللقاءات التوعوية بين المعتنين بهذا الشأن من أصحاب الخبرات العلمية والعملية الميدانية من السادة الوعاظ لإدراك الشباب وتوعيتهم. [6]
الفائدة الرابعة: الزواج بالأقارب من المعضلات التي تنشأ عنها كثير من الخلافات التي لم تكن تحدث مع الغريب؛ فقد ينشأ عن مشكلاته تفكك في العائلة، وتقطيع للرحم، ووأد للمودة، وتناحر بين أفراد العائلة الواحدة؛ لذا كان من الضروري أن يتريث المرء قبل اتخاذ هذا القرار؛ فإن كثيرا من الدراسات الطبية المتخصصة تثبت حصول أنواع من العقم والإعاقة والتشويه الجنيني بسبب زواج الأقارب، مما حمل كثيرا من العلماء على القول بأولوية الزواج من غير القريبات؛ ولعل من أكبر الأدلة على صحة ما قررته الدراسات الطبية ما نراه في المجتمع الخليجي من ارتفاع معدلات الإعاقة في الأبناء الناتجين عن زوجين قريبين. [7]
وبالنظر لقضية زواج الأقارب يتضح أن وراءها من الأسباب المادية ما يتنافى مع تحصيل المقصد الأسمى من الزواج وهو الاستقرار النفسي والعاطفي، فقد يكون السبب هو المحافظة على التركة والميراث في العائلة فلا يخرج إلى غيرها، فيسعى معه ولي الفتاة إلى تزويجها أحد أفراد العائلة غير مبال بما بينهما من فروق عمرية أو عقلية أو نفسية، فيتحقق له ما أراد من المحافظة على المال، وتضييع معه الفتاة لعدم قدرتها على الانسجام والتلاحم مع شخص ترى أنه لا يناسبها، ولا يخفى ما يحمله هذا الزواج من ظلم، وعرقية.
وقد يكون السبب فيه: ما درجت عليه بعض المجتمعات من إبرام الاتفاق على زواج القريبين وهما صغار؛ فيتفق وليهما على ذلك دون احتاج لمعرفة رأيهما، فيشبان وقد تحددت علاقتهما، وسواء عليهما رفضا أو قبلا فلا مجال للرجوع والاختيار، فتتم الإجراءات للزواج، وتستمر العلاقة وهي على فوهة بركان يكاد ينفجر!!.
والعلاج يكمن في: الابتعاد عن الزواج بالأقارب قدر الطاقة؛ رغبة في نجابة النسل، وسلامة العلاقات العائلية، فإن كان لابد فاعلا فليكن الاختيار نابعا من الزوجين لا من الأهلين؛ فإرغام الأهل لأحد الطرفين على الزواج من قريب معين، عادة جاهلية مقيتة، يجني بها من تسبب فيها على مصير أسرة كاملة تظل في تباعد وتنافر وعدم انسجام إلى أن يشاء ربي شيئا، فليس من السهل حصول الألفة والتوافق والانسجام بين مجبرين على الاقتران يريان أنهما ضحايا للعادات العائلية، والتقاليد القبلية، وقد يكون لكل منهما اختيارات ورغبات في الزواج بآخرين لم تتم؛ فيحدث هذا مشكلة أخرى كالخيانات الزوجية، أو الطلاق لصعوبة الانسجام، فالزواج عن تطلع ورغبة آكد في المودة، وأكمل في المحبة، واستمرار الزوجية. [8]
كما تؤكد الأبحاث والدراسات الطبية في علم الوراثة على: أهمية القيام بالاختبارات الطبية الدقيقة قبل تنفيذ الزواج؛ تجنبا للمشكلات الناتجة عن إهمال ذلك، من حصول أنواع من العقم، أو التشويه الجنيني، أو الأمراض الوراثية، أو الإعاقات المتنوعة، فإذا سلمت النتائج المعملية وصدرت التحاليل بأنه لا مانع طبيا من الاقتران فبها ونعمت، وإلا فمن الظلم بالأجيال والنسل تنفيذ زواج علم تحقق الضرر للأبناء الناتجين عنه، مع العلم أن الفحص الطبي لا يؤدي إلى الوقاية منها، ولكنه يقلل عدد المصابين بها. [9]
ومن باب الأمانة: لابد أن نذكر أن كثيرا من الأطباء يفندون الزعم بأن زواج الأقارب متسبب في الأمراض والتشويهات، فيذهبون إلى أن نسبة ما يحدثه من أضرار قليلة جدا، ولا تظهر إلا مع تكرار الزواج داخل الأسرة، وبتقاريرهم أخذ جماعة. [10]
والخلاصة: أن الذي يجوز الزواج من الأقارب الاختيار النابع من رغبة لا إكراه فيها؛ فالناظر إلى حكمة الإسلام يرى أنه منح الزوجين الاختيار والموافقة على الاقتران، فليس لأحد الحق في أن يجبر أحدا على الاقتران بمن لا يرضاه، أو تنسجم نفسه معه، فحق الأهل متوقف عند حدود تقديم الرأي والمشورة دون إلزام أو تحجر، والعاقل يختار لنفسه، والسفيه من لا يقدر على الاختيار بين الأشياء لعدم أهليته، أما كامل الأهلية فلا يجوز أن يتدخل أحد مهما كان في اختياراته إلا بالنصح والتوجيه.
الفائدة الخامسة: سوء الفهم الحاصل لمسألة إباحة الإسلام لتعدد الزوجات كان سببا في حصول كثير من المشكلات على كافة الأصعدة؛ فقد تضرر من جراء سوء الفهم لها الزوج والزوجة الأولى وما ترتب عليه من زوجات، والأبناء، والمجتمع؛ حيث نشأ عن ذلك تسرع الزوج في اتخاذ القرار بالتعدد غير ملتفت أو مبال بما يتعلق بإباحتها من اشتراطات شرطها العلماء؛ كـ: (القدرة المالية، والنفسية، والبدنية، والعدل بين الزوجات، والوفاء بمتطلبات الأبناء وحقوقهم الكاملة) فتزوج الفقير وهو لا يملك، والمريض وهو لا يقدر على الوفاء، وضعيف الشخصية وهو لا يستطيع قيادة نفسه، والجائر الذي لا يعرف عن العدل شيئا، والمهمل في شئون الأولاد قبل التعدد، فنتج عن ذلك كله مشكلات أسرية ومجتمعية تصدعت بسببها العلاقات، وانحرف من أجلها أجيال، وكثر أطفال الشوارع، وانعدمت التربية في البيوت، ونحو ذلك. [11]
والعلاج يكمن في: تكثيف التوعية المجتمعية في المساجد وأندية الشباب ونقاط تجمعاتهم حول موضوع التعدد لبيان أن إباحة وتشريع التعدد ليس على إطلاقه بل مقترنا بشروط يجب تحقيقها مما سبق الإشارة إليه، مع توجيه الخطاب لأولياء الفتيات ألا يُسارعن في الموافقة على تزويج بناتهم لمتزوج إلا بعد السؤال والاطمئنان على قدرة الرجل على الجمع بينها وبين غيرها دون حصول ضرر على أهله وأولاده، فلا ينبغي المشاركة في تشتيت بيت كامل للتحصيل منفعة فردية من تزويج الفتاة، والفراغ من همها، فهذه نظرة قاصرة في معالجة الأمور وتناولها؛ لأن مشكلة الفتاة لا تنتهي بمجرد التزويج، بل بحسن الاختيار الذي يترتب عليه استقرارها في بيت زوجها، وسعادتها معه.
الفائدة السَّادسة: تعددت صور التفكك المجتمعي نظرا لاتساع دائرته وضيقها؛ فعلى صعيد الأسرة الواحدة نلحظ تفككا خطيرا جعل أفرادها لا يتواصلون وهم في بيت واحد، بسبب الانكباب على وسائل التواصل الاجتماعي، وكثرة أعباء الحياة التي جعلت الزوجين يدوران في فلكها للعمل والتكسب للوفاء بمتطلبات الأسرة، مما تسبب في تضييع لكثير من المسئوليات التربوية، وعلى صعيد العائلة الواحدة نشاهد حالة من قطع الرحم، وذبح التواصل بين الأقارب حتى إن أجيالا من أبناء العائلة أصبحت لا تعرف بعضها، بسبب النمو السريع في حركة المواليد، مع قلة العلاقات، فنتج أولاد لا يعرفون عمهم، أو ابن عم أبيهم، ولعل ذلك كله في العائلة ناتج عن قلة الوعي بأهمية التواصل، مع كثرة انشغال أولياء الأسر، وموت كبير العائلة الذي كان يجمعهم، وحصول النزاعات على الميراث ونحوه بين أفراد العائلة، وعلى مستوى المعارف والصدقات نرى تمزيقا في العلاقات بسبب الحسد، والحقد، وانعدام الوفاء، وطغيان المادية على الصداقات.
والعلاج يكمن في: استشعار كل إنسان واجبه نحو محيطه العام؛ فالتواصل حق للجميع، ومن التواصل ما يلزم فعله، ومنه ما يكون من النافلة؛ فإن صلة الأرحام والتواصي بالحق بين الناس مما لا مسوِّغ فيه لأحد، فإذا ما علم المرء واجباته التي عليه وقام بها حق القيام نعم المجتمع كله بصلات خير تعين على الحق، كما أن دور التوعية المجتمعية بأخطار وأضرار وسائل التواصل التي فككت الصلات بين أفراد الأسرة الواحدة فضلا عما هو أوسع منها حتى فرضت على الناس نوعا من التوحد والعزلة الاختيارية، والعيش في عالم وهمي، وقطع الصلات بكل ما يصرفهم عنه، من هنا وجب على العلماء والدعاة والمثقفين أن يتبنوا الحديث عن تلك المشكلة الخطيرة، لتوجيه الناس إلى الاستفادة من وسائل التواصل بكل صورها ولكن في حدود التزود من المعرفة، والتواصل مع المعارف والأقارب.
الفائدة السَّابعة: انتشار ظاهرة: (زنا المحارم) بين المجتمعات المسلمة المحافظة، ويرجع لك إلى ما منيت به الأمة المسلمة من تطلع لتقليد الغرب في كل ما وصل إلينا منه، فإن هذا مما ترفضه الطباع السليمة، وتأباه الفطر المستقيمة؛ فالنفس لا تقر صاحبها على إقامة علاقة جنسية مع أحد محارمها سواء كانت أما، أو أختا، أو خالة، أو عمة، أو جدة، ونحوهم؛ فثمت نفور طبيعي، ولكن مع انسلاخ الفطرة، وضعف الإيمان، وقلة الحياء يحصل ما لا يُعقل توقع حصوله، ولعل من أهم الأسباب التي أدت إلى رواجه وانتشاره: [12]
التقليد الأعمى للمجتمعات الغربية المنسلخة من القيم السلوكية، والأعراف المجتمعية، والضوابط المرعية، والقيود الشرعية، فقد صُدِرت لنا هذه الثقافة التي لا تتناسب مع ديننا وأعرافنا عبر وسائل التواصل المرئية والمسموعة، وقد روِّج لها من خلال الأفلام، والمسلسلات، والأعمال الدرامية في بلاد المسلمين، ومن هنا نستشعر جميعا دور الإعلام والفن في توجيه المجتمع إلى الرذيلة والفحش والحرام.
وأقترح في هذا الصدد: ضرورة أن تقوم المؤسسات الرقابية والثقافية المخول إليها متابعة الجهات الإعلامية ومحاسبتها فيما يصدر عنها بواجب المسئولية التي كلفهم الله تعالى بها، لإنقاذ الأجيال الصاعدة من خطر يهدد دينهم وأخلاقهم حين تنتشر الفواحش ويروج لها عبر الإذاعات المرئية والمسموعة.
ومن الأسباب أيضا: الانفتاح التكنولوجي الذي أتاح للشباب الحصول السهل على مواد الإغراء من مقاطع إباحية، ومناظر خليعة، وصورا عارية، فنتج عنه إثارة كوامن الشهوة الحارقة في نفسه؛ فسعى لإخمادها دون جدوى، فلم يجد أمامه في هذا الوقت - الذي أُغلقت فيه عليه منافذ العقل والحكمة - إلا أخته النائمة على فراشها، فانقض عليها انقضاض الحمار على الجيفة، فما أفاق إلا وقد صُمَّت أذنه من شدة صرخة أخته وهي تحته وقد فض غشائها، وانتهك عرضها، وتسبب لها في عقدة نفسية لا تسلم منها.
والعلاج يكمن في: العمل على إحياء الضمير الميت، وبث قيمة المراقبة في النفوس، من خلال تدعيم دور العلماء والوعاظ في توجيه الشباب ومعايشة مشكلاتهم، مع ضرورة إدراك خطر تلك المرحلة التي يمر بها الشباب من مراهقة وغفلة وضعف، وعلى البيت مسئولية كبيرة تجاه الأبناء، فأين دور مراقبة الوالدين، وتوجيههما للأولاد، والعمل على مشاركتهم الهموم، والفصل بين الأبناء في المضجع، ونحو ذلك.
ومن الأسباب أيضا: تأخر سن الزواج لأسباب كثيرة منها فقر الأسرة، مع الشعور بالحاجة الماسة إلى تفريغ الشهوة والطاقة فيترتب عليه القيام بإخراجها عن طريق اغتصاب أحد محارمه، وربما كان بتوافق بين الطرفين؛ فالبنت تعاني مما يُعاني منه الولد، فيجتمعان على فعل الفاحشة بتوافق وتراض، وهما يريان أن هذا علاج لمشكلة تأخر زواجهما، ويحصل هذا في غياب من الأسرة. [13]
والعلاج يكمن في: العمل على إزالة أسباب تأخر الزواج بكل سبيل عن طريق تثقيف الناس بتخفيف المهور، وتسهيل أموره، ونبذ الطبقية المجتمعية التي تحرم الفقير من الزواج؛ لكونه لا مطمع فيه، وكل هذا يتم من خلال الإعلام، والعلماء.
ومن الأسباب أيضا: وقوعه ممن غُيِّبت عقولهم عن طريق تعاطيهم للمخدرات، وتناولهم للخمر، فحين يغيب العقل لا يعرف المرء ماذا يفعل، والمطالع لصفحات الحوادث وقصص الناس يرى أن غالب الحالات من هذا النوع، وقد روِّج للمسكرات حتى انتشرت وتفشت في المجتمعات، فترى المتاجرة فيها الآن انتقلت من المرحلة السرية إلى الجهرية؛ فبيعت المخدرات في الشوارع والطرقات، وعلى عين وأذن الناس عامة. [14]
والعلاج يكمن في: التصدي الحقيقي لهؤلاء الظلمة المتاجرين بعقول أبناء المسلمين، من خلال فرض العقوبات المشددة عليهم، مع القيام بحملات تنظيف للمجتمع لإلقاء القبض عليهم، وتخليص الناس من شرورهم وآذاهم، مع السعي في التوعية المجتمعية لمخاطبة الشباب وبيان حرمة تعاطيها؛ للتذكير والردع بنصوص الشرع الشريف، وأقوم وسيلة للمعالجة منع الإعلام من تقديم المادة المسممة التي تحتوي الدعوة إلى تعاطي الخمور والمخدرات من خلال الأفلام والمسلسلات والإعلانات التي ترسم المجرمين من القتلة ومتاجري السلاح والمخدرات على أنهم نجوم مجتمعية، وقدوات فنية، وأقمار سماوية، فسارع الشباب في تقليدهم.
ومن الأسباب أيضا: وقوعه من المرضى النفسيين بدون إرادة منهم؛ فإن من جملة الحالات التي سجلت انتهاكات جنسية ترجع السبب إلى تعرض الفاعل لصدمات نفسية، أو مشكلات عقلية، أو اضطرابات شخصية لم يتمكن معها صاحبها من التحكم في نفسه. [15]
والعلاج يكمن في: متابعة الأسرة لجميع أفرادها لمعرفة من ظهرت عليه أمارات الاختلال العقلي، أو الاضطراب النفسي، للمسارعة في معالجته، والتعاون معه، حتى لا يقع الفأس في الرأس فتعض أصابع الندم.
ومن الأسباب أيضا: تقصير المشرع المصري في سن قانون يجرم زنا المحارم ويفرض له العقوبات الرادعة؛ مما جرأ كثيرا من المتهاونين على الإقدام عليه لأمن العقوبة، وكثير من الحالات التي رصدت وتم القبض عليه ثم حصل الإفراج. [16]
والعلاج يكمن في: سرعة قيام الأزهر الشريف من خلال مجمع البحوث الإسلامية بمشروع قانون يجرم زنا المحارم استنادا للحرمة الشرعية، وما يترتب عليه من آثار نفسية ومجتمعية خطيرة، مع انتشار الظاهرة في المجتمع المصري بطريقة مفزعة تدعو للقلق، وتقديمه للجنة الدينية بمجلس النواب المصري لمناقشته، ومن ثم تشريع القانون وإقراره؛ فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.
ومن الأسباب أيضا: عدم التزام الآداب الشرعية بين أفراد الأسرة؛ كارتداء البنات للملابس الشفافة القصيرة أمام الأولاد مما يثيرهم جنسيا، أو عدم الفصل بين الجنسين في مكان النوم، أو ترك الاستئذان قبل دخول الغرف مما قد يفاجأ معه الداخل بانكشاف العورات بما يثير مكامن الشهوة، أو التساهل في المداعبات الجسدية بين الجنسين بحجة اللعب والمزاح، أو التلامس والاحتكاك بين الجنسين أثناء النوم لضيق المسكن وكثرة الأفراد مما يحرك شهواتهم ويدفعهم لإقامة اتصالات آمنة بينهم. [17]
والعلاج يكمن في: التوعية الدينية بالآداب الشرعية من خلال قيام السادة الوعاظ وإخوانهم من الأئمة بتناول تلك الموضوعات في الخطب والندوات والمحاضرات، لحصول نوع من التنبيه إليها، والتذكير بها، مع بيان الخطر الناجم عن عدم الأخذ بها.
ومن الأسباب أيضا: الجهل بين المتزوجين مما يحصل معه تزوج الرجل أحد المحرمات عليه، وقد يكون الجهل بالحكم، فلا يعرف أن زواجه بمن تزوج بها حرام لا يجوز، أو الجهل بمعرفة درجة القرابة، فقد حُدِّثنا عمن تزوج بامرأة بان له بعد أنها أخته؛ بسبب تضييع الأنساب، أو زواج الرجل بغير امرأته وإنجابه منها سرا.
والعلاج يكمن في: حرص المرء على السؤال وتعلم أمور دينه حتى لا يقع في مثل هذه المشكلات التي ينتج عنها اختلاط في الأنساب، وتشويه للنفسية، وتقطيع للأرحام، وعلى الأب أن يكون واضحا وصادقا مع أهله في تحديد من يشترك معهم في النسب من خلاله، فإن لم يفعل كان خائنا وغاشا، والنصوص تبين عظم جرمه وخطورة فعله.
الفائدة الثَّامنة: إن مما يفسد على المرء لذة الحياة وبهجتها ويسوِّدها في وجهه ويقطع عليها طريق السعادة = جار السوء وما ينتج منه من مشكلات؛ كسوء خلقه في المعاملة من سب وقذف، وتعرض بالتعدي، أو تطلعه على ما في يد جيرانه فيحسدهم أو يحقد عليهم، أو يتمنى لحقوق الأذى بهم، أو سير النساء في خراب بيوت بعضهن البعض عن طريق الغيبة والنميمة الذي قد يحصل معه إفشاء الأسرار؛ مما يترتب عليه خراب في البيوت، وتصدع للأسر، بالوصول إلى الطلاق، ولوقوع الجار في الامتداد المكاني للمرء كانت المشكلات الصادرة عنه تتسبب في إزعاج كبير لعدم توقفها، أو إزالتها بالزوال عن موقعها؛ فكل مشكلة يتوقف تأثر المرء النفسي بها حين يغادر بيئتها، فكيف بمشكلة بيئته المكانية؟!. [18]
والعلاج يكمن في: حرص المرء على اختيار جاره وانتقائه؛ فالجار قبل الدار، فإذا رغب المسلم في اختيار مكان ليستقر فيه مع أسرته فلا يتهاون في اختيار المكان الأكثر راحة وطمأنينة لنفسه وأهله، ولتكن نظرته مستقبلية؛ فإن الجار إذا صلح أمن المرء على نفسه وماله وأهله وعياله بمجاورته، وإذا خبث تحولت الحياة إلى جحيم مستعر؛ فالجار هو الجليس الصالح أو الجليس السوء كما ورد في الحديث، فأما إذا ابتلي المرء بجار سوء كأن يكون قدم إلى المكان بعده أو نحوه فليلجأ إلى اتخاذ الأساليب التي تحفظ له خصوصيته، وتصون له كرامته، ولا يسمح بالتعدي على حرمه الذي فرضه لنفسه، ولا يقدمن للناس أذى وليحسن إليهم رجاء أن يؤثر فيهم الإحسان؛ فـ: [البر حمل ثقيل؛ من بر فقد أوثق، ومن جفا فقد أطلق] كما قال الحكيم الترمذي.
الفائدة التَّاسعة: تضخم مشكلة التحرش الجنسي في المجتمع مما تسبب في الإيذاء النفسي والجسدي والعاطفي لمن تحقق لها، وقد تسوِّغ بعض المجتمعات المنفتحة على الثقافة الغربية التحرش من خلال التساهل في العلاقات بين الجنسين؛ كونهم في عمل واحد فيه اختلاط وتعامل مباشر، أو علاقات ذات طابع الصداقة، فيأتي التحرش استغلالا لطبيعة العلاقة مع تغطيته بغطاء المزاح. [19]
والعلاج يكمن في: ضرورة الأخذ بكامل الستر والتحشم في لباس الفتاة وكلامها؛ لأن أعظم أسباب الحرام توفر الداعي له، مع مناسبة البيئة، وتهيئة الظروف لفعلها، فإذا لم يجد المتحرش سبيلا لفعلته فلن يقدم عليها؛ فما زنا زان إلا حين دعته زانية بفعل، أو قول، أو ملبس، ونحوه، فلابد من التزام الفتاة بالفضيلة والعفة في ملابسها حتى تسلم من أذى المنحرفين؛ قال تعالى: {فَلَا تَخۡضَعۡنَ بِٱلۡقَوۡلِ فَيَطۡمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلۡبِهِۦ مَرَضٞ...} [الأحزاب: 32] وقال في آية الحجاب: {...ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن يُعۡرَفۡنَ فَلَا يُؤۡذَيۡنَۗ} [الأحزاب: 59] ومما يساعد الفتاة على التستر إلزام وليها لها، فهذا من أبجديات المسئولية الأبوية أن يحافظ عليها بأمرها بما يحفظ لها كرامتها، ويصون عفتها، ولا يجعلها مبتذلة تطالها يد كل غاد ورائح، ووالله كم أعجب من رجال ذا الزمان الذين انطفأت في قلوبهم الغيرة، وماتت في حلوقهم كلمات النخوة، وانعدمت فيهم روح الأمانة، فتساهلوا في خروج بناتهم في تبرج صارخ يحكي قسوة قلب، وعمى بصر، وموت بصيرة، فكانوا سببا مباشرا في انتشار الفاحشة وشيوعها في المجتمع، وتأذت الفتيات، ولم يقو الشباب على مواجهة تلك الموجة الجارفة من التبرج الناطق بفساد البيوت، وانحراف مسار التربية، وجفاف منابع الحياء، فانجرف الشباب في بحور الرذيلة غارقين، فما بين متحرش، ومختلس لنظرات الحرام، ومنهم من تمكن وخلا فاغتصب أو زنى، فامتلأت الحياة بأنفاس المعصية، وهتكت أعراض، وتهتكت علاقات، ولو اتقينا أسباب الفاحشة بالستر والاحتشام لنجونا جميعا.
كذلك يجدر أن يعتني المجتمع ويتضافر على الحد من جرائم التحرش ونحوه عن طريق نشر ثقافة تحديد طبيعة العلاقات بين الرجال والنساء؛ فالمجتمع كله مسئول عن كل ما آلت إليه الأمور؛ فاستبدال عادات الطهر والعفاف والفضيلة بعادات غربية من اختلاط بلا داع في المحافل والمناسبات، وتزاحم على محاكاة غير المسلمين، مع إقرار مجتمعي من الجميع سهم مسموم غُرس في قلب الحياء العام، فذُبحت الكرامة بانتشار الرذيلة دون استحياء فاعليها.
كذلك لابد من سن العقوبات الرادعة لكل من تسوِّل له نفسه إيذاء المسلمين في أعراضهم بالتحرش بالفتيات باللفظ أو الفعل؛ فإن من أمن العقوبة أساء الأدب، فليعاقب المتحرش بالعقاب الصارم أيا كان، بدون استثناء أو محاباة أو مجاملة، فالأخذ على يد المجرم رادع له ولأمثله، وجالب للأمن في المجتمعات.
أما إذا حصل التحرش من داخل أسرتها الأصيلة فعلى الفتاة أن تخبر أحد والديها فورا وألا تتخاذل؛ لأنه يعد رضا منها بذلك، مما قد يُطوِّر العلاقة لتصل إلى زنا المحارم، وعلى الوالدين حينئذ معالجة الأمور بالحكمة والعقل دون تسرع أو حماس زائد، حتى لا يترتب ضرر أكبر من الواقع؛ كانتشار الأمر وتأثر سمعة الفتاة حيث يتناقل الناس أخبارا فحواها سوء أخلاق البيت كله بما فيهم الفتاة الضحية، مما ينتج عنه نفور خطابها، وسوء الظن بها. [20]
وأما إذا حصل من أحد أفراد عائلة زوجها فعليها أن تنصحه وتنهاه عن ذلك وتهدده بإخبارها زوجها، مع تجنب أماكن ظهوره، فإن كررها أخبرت زوجها، وعليه أن يتصرف بحكمة في معالجة الأمر؛ فإن كثيرا من هذه الحالات تصل بالبيت الواحد إلى التهاجر، وربما اندفع الزوج فأضر بالمتحرِّش وأوقع به الأذى، وربما يصل إلى القتل. [21]
الفائدة العاشرة: إن انتشار ظاهرة البغاء وتجارة الجنس من أعظم أسباب انحراف المجتمعات التي تقر الفحش، وتقنن للرذيلة؛ ففيها تضييع الأنساب، وتهلك النساء، ويصبح المجتمع أشبه بالمجتمع الحيواني، الذي لا يُراعي حرمة لعرض أو لشرف، كما أن ذلك جالب لسخط الله تعالى على الناس؛ ومن أعظم أسباب انتشار الأوبئة والأسقام التي لم تظهر من قبل؛ كما عند ابن ماجه عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "ولم تظهر الفاحشة قط في قوم حتى يعلنوا بها إلا فشت فيهم الأوجاع والأسقام التي لم تكن في أسلافهم.
والعلاج يكمن في: أهمية تشريع قوانين تجرم المتاجرة بالجنس وانتشار الملاهي الليلية وبيوت صاحبات الرايات الحمر سواء على الصعيد الميداني في شوارع وطرقات المسلمين، أو على الصعيد الإعلامي من نشر أفلام الفحش والخلاعة والمجون عبر شاشات التلفاز الرسمية والخاصة، وتجريم حرية نشر المقاطع الإباحية الماجنة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع التي غزت بيوتات العامة والخاصة، فإن أعظم وسيلة يُحارب بها الفساد والرذيلة الهجوم لا الدفاع؛ فمهما وعظ الوعاظ، وتكلم العلماء الأفذاذ، ونظر المحللون والتربويون، لخطورة الحرام، وشيوع ضرره، فقرار واحد بقانون يجرم ذلك أبلغ في التأثير، وأكمل في الزجر، وأعظم في الردع، وليعلم المشرع المصري الحكيم بأن أمن واستقرار الوطن الداخلي مرهون باستقامة الناس على الدين، وتحريم الحرام، وتجريم الرذائل؛ فما انتشرت الفاحشة في قوم ذي حضارة إلا أبادت حضارتهم، وأهلكت بنيانهم، وأفسدت معيشتهم، وجرَّت عليهم العقوبات المهلكة للحرث والنفس والنسل؛ والمطالع للتاريخ يبين له ذلك، وما قوم عاد وثمود ولوط وشعيب عنا ببعيد!.
الفائدة الحادية عشرة: إن حصول التوتر بين الزوجين بسبب العلاقة الحميمية يرجع في معظم حالاته إلى ما أدمنه الزوجان من مطالعة ما ينشر على شاشات الإعلام ووسائل التواصل من عرض حقيقي لما يحصل من علاقات حميمية بين ممثلي الأفلام ومشاهد الإباحية والإغراء عالميا، مما وصل بالزوجين إلى تطلع الزوجين أو أحدهما إلى تقليدهم في كافة ما يقومون به من أفعال ولو خالفت الشرع وأضرت بالآخر؛ ومن أكثر ما يُذكر في هذا الصدد: إرغام الزوج زوجته على قبول الجماع من الدبر، وفيها نص شرعي بالتحريم، أو حصول عجز جنسي عند الزوج، أو برودا جنسيا عند المرأة، أو شرها عند أحدهما، هذا وغيره أحدث فجوة كبيرة بين الزوجين توترت بسببها العلاقات الزوجية حتى وصلت في بعض الأحيان إلى الطلاق، وقد تصل إلى الخيانة الزوجية. [22]
والعلاج يكمن في: إدراك قضية مهمة وهي أن العلاقة الحميمية حق لكلا الزوجين بنص الشرع؛ فالزواج عقد بين رجل وامرأة يحل بمقتضاه لكلا الطرفين الاستمتاع بالآخر في حدود ما أحله الله تعالى وشرعه؛ والتطلع على الحرام ومحاولة تقليده بدون نظر إلى ما قرره الشرع من علامات الجرأة، أو الجهل المطبق، أو وضعف الوازع الديني؛ لذا كانت أهمية التثقيف الشرعي فيما يتعلق بمسائل الزواج للشباب، فكثير من الحرام يقع تحت غطاء الجهل، والجرأة على النظر المحرم والتطلع لفعل ما لا يجوز، وهذا يظهر من خلال إدمان النظر في الصور والمقاطع الإباحية؛ ومن هنا كان للتوعية والسعي على إحياء روح المراقبة والخشية في نفوس الناس أثر كبير في الحفاظ على الأسر من الهدم بالطلاق أو التصدع بالخيانات.
الفائدة الثَّانية عشرة: انتشار الزواج العرفي بين الشباب؛ وفيه يتزوج الطرفان في غياب من البيت، وحينها قد يحدث حمل فيتنكر له الرجل بحجة عدم وجود ما يثبت الزواج؛ ففي إحصائية صادمة صادرة عن وزارة التضامن الاجتماعي: تؤكد أن هناك (552) ألف حالة زواج عرفي بين طلبة الجامعات المصرية والبالغ عددهم خمسة ملايين من الطلاب! والكارثة أن هذا الزواج أثمر عن إنجاب (41) ألف طفل مجهول النسب، ناتج عن تلك الزيجات غير الموثقة! فيحدث عن هذا الإنكار مشكلات مجتمعية كبيرة منها: [23]
1 - ضياع نسب المولود: وذلك بسبب إنكار أحد الطرفين له مما يَلجأ معه الطرف الآخر للتفلت من مسئوليته أمام المجتمع؛ إذ كيف يواجه فرد المجتمع بمولود لا ينتج إلا من طرفين؟! فيهرب من الفضيحة بالتبري منه بأي طريقة.
2 - إعراض الرجال عن تلك الغنمة التي تخلى عنها ذئبها: فينتج عن ذلك عنوسة مسببة؛ فلئن كان الذئب قد ترك فريسته وزهد فيها بعد أن حصل منها على مراده فإن غيره فيها أزهد؛ إذ كيف يحرص الراعي على رعاية أغنام غيره؟!.
3 - فساد العلاقة بين أسرتي الزوجين: فكلاهما يلقي اللوم على الآخر، وذلك بعد وقوع الجريمة التي تُؤثر سلبا على الإنسانية جمعاء، فينتج عنه تفكك في المجتمع؛ لأن الطرفين لا يحرصان على تفهُّم الأمر، والوقوف بعقل لمعالجته، والخروج منه بأقل الأضرار المترتبة عليه، فيتسبب الأمر في شقاق متصل بين الطرفين وحواشيهما.
4 - تفكك البيوت القائمة على الزواج بهذه الصورة: لأنه يعتمد على الخفاء لا الإشهار، وعليه يعيش الزوجان في خوف دائم من مواجهة المجتمع بهذه الزيجة؛ لعلمهما بعدم موافقته عليها، وبالتالي يُحرم البيت القائم عليه من روح السكينة والاطمئنان والاجتماع الآمن الذي يقتضيه الزواج الشرعي.
5 - ضياع حقوق المرأة من مهر ونحوه لانعدام ما يثبت حقيقة الاقتران: فإن القانون جامد ولا يعترف بالعاطفة، بل يحتاج إلى إقناع عن طريق تقديم ما يثبت صحة الدعاوى ليعترف بالزواج، ويُقرر الحقوق، وليس مع المرأة ما يُفيد زواجها من هذا الذئب الذي افترس ضحيته ثم تركها لنوائب الدهر.
6 - ظلم الأبناء الناتجين من تلك الزيجات: لتربيتهم بعيدا عن أصلهم من الأجداد والأقارب؛ لأنهم لا يعترفون بهم، أو لا يعرفون شيئا عنهم، وربما تنازلت الأم عن أمومتها وألقت بوليدها في الطريق، وأمام المساجد، ودور الرعاية؛ لأنها ترى فيه عارها، ولا تستطيع أن تواجه المجتمع به.
7 - كثرة المتسولين، وأطفال الشوارع: إن الولد الناتج من هذه العلاقة المشبوهة يخرج إلى الدنيا فيجد أن الذئب والنعجة قد تخليا عنه؛ فأبوه تبرأ منه كما يتبرأ الشيطان من أتباعه، وأمه رمته على الطريق هربا من الفضيحة، فحينها يخرج فلا يجد من يرعاه، ويقوم بتربيته كبقية أبناء سنه؛ فيسعى في سن مبكرة جدا للاعتماد على النفس من خلال التسول في الشوارع والطرقات؛ لجلب ما يقوِّته، ويحفظ عليه حياته، فإن لم يجد جدوى من ذلك تحول إلى مجرم يُرهب المجتمع حتى يستطيع أن يعيش فيه؛ فالمجتمع في نظره متهم؛ لأنه تخلى عنه في أشد أوقات ضعفه وحاجته، فهو لا يُبالي بالناس جميعا، وهذه الظاهرة منتشرة في غالب المدن الكبرى؛ فأطفال الشوارع والمتسولون قنبلة مؤقتة تكاد أن تنفجر فتسبب في خراب مدمر.
8 - ما يعانيه الأبناء من الشعور بالغربة في المجتمع: وذلك عن طريق تنكُّر الناس منهم؛ لعلمهم بطريقة وجودهم في هذه الحياة؛ بل ربما تجد من يعيره بذلك من الجهلة؛ فإن الولد الناتج عن علاقة محرمة لا ذنب له، بل المسئولية كلها تقع على عاتق المرأة حين سلمت كرامتها لمن لا يقدرها، وبطريقة غير شرعية، وكذلك على هذا الذئب مسئولية كبيرة لا تمحى إلا بالتوبة إلى الله، ثم إصلاح ما انكسر عن طريق الزواج بهذه الضحية، والاعتراف بالولد.
الفائدة الثَّالثة عشرة: ظاهرة غلاء المهور المتسببة في عجز كثير من الشباب عن القيام بتكوين أسرة، مما ترتب عليها كثير من المشكلات المجتمعية والأسرية الكبيرة، ونظرا لأهميتها؛ فقد أفردتها بالبحث وكتب فيها بحثا خاصا خارج هذا البحث، وقد سميته: [مهور بنات المسلمين بين العرف والدين] وسوف أتشرف بتقديم نسخة منه طي هذا البحث لتقديمه للأمانة العامة المساعدة للدعوة والإعلام الديني بمجمع البحوث الإسلامية. [24]
الفائدة الرَّابعة عشرة: تعد ظاهرة إفشاء أسرار الزوجية من أحد الزوجين من أكبر المشكلات التي تواجه استقرار البيوت؛ فكثير من المتزوجين يسعى في إفشاء الأسرار الخاصة بالحياة الزوجية وما يترتب عليها من علاقات في ما مجالسه العامة والخاصة مما يُحدِث فجوة كبيرة بين الزوجين قد تصل إلى الطلاق والفراق بسبب شيوع الفضيحة لانتشار أسرار تناولتها ألسنة الناس بالترويج والتضخيم. [25]
والعلاج يكمن في: أهمية التوعية الدينية والتربوية المجتمعية من خلال بيان حرمة إفشاء السر، والتأكيد على قدسية العلاقة الزوجية وما يترتب عليها؛ فهو الميثاق الغليظ، وحث الإسلام أتباعه على المحافظة على كل سر استؤمن عليه المرء، وعند مسلم من حديث أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يُفضي إلى امرأته، وتفضي إليه ثم ينشر سرها" مع بيان أن الحفاظ على الأسرار الزوجية من شأنه أن يحفظ الكرامة للزوجين أمام المجتمع، ويزيد من روابط المودة بينهما، ويعزز الاستقرار الأسري، وقد بينت مؤشرات الإحصائيات الرسمية أن من أهم أسباب الطلاق المتزايد في الفترات الأخيرة: (إفشاء الأسرار الزوجية، والتدخل السافر من الأقارب).
الفائدة الخامسة عشرة: ظاهرة التنشئة السلبية للأبناء والناتجة عن خلل في النظام الأسري؛ حيث نرى تفاوتا من الأسر في تربية الأبناء، ما بين التدليل: كالإفراط في تلبية الرغبات للأبناء دون حكمة، والحماية الزائدة، وبث معالم التعالي في نفسه، والقسوة: كالضرب والطرد، والدفع بهم للعمل المبكر والاعتماد على النفس في تحمل المسئوليات، مما يتسبب في إحساس الابن بنوع من الضعف والحرمان، مما أخرج للمجتمع أمثالا لا يُعتمد عليها، ولا تتحمل المسئولية، أو مشوهين نفسيا، ناقمين على المجتمع، بما رضعوه من قساوة في البيت، وقد تسببت هذه المشكلة في اهتزاز الكيان المجتمعي؛ لما يشهده من قلة في الأسوياء من أبنائه، وبناء عليه تظهر المشكلات التربوية كالسلبية المجتمعية، أو الجنوح إلى العنف، أو إدمان المخدرات، والمثلية الجنسية، والحقد المجتمعي، والانحراف النفسية، وكل هذا راجع لضعف الثقافة، وقلة الوعي عند المربين من أولياء الأمور. [26]
والعلاج يكمن في: التوعية المجتمعية بأهمية التربية على أسس من العلم والمعرفة؛ لتجنب الوقوع في المشكلات المهددة للأجيال والمجتمعات، وذلك من خلال تضافر كل المؤسسات لتقديم ما يمكن تقديمه من توعية معرفية من خطب ومحاضرات وندوات ولقاءات تثقيفية عبر الشاشات، وطباعة وزارة الثقافة والتربية والتعليم والتعليم العالي للكتب والمشورات المفيدة في هذا الشأن؛ فالتربية السوية مسئولية الأفراد والمؤسسات المجتمعية عامة. [27]
إن الجهل بحقائق التربية وطبيعتها مفسدة عظيمة، لكن الأعظم منها استقالة الأبوين أو أحدهما تربويا؛ اعتذارا بالانشغال بالتكسب والسعي على الرزق، أو عدم تحمل المسئولية من خلال ترك الأولاد للشارع، أو الإعلام، أو الأصدقاء ليتولوا تربيتهم؛ فينتج عن ذلك فساد عريض، ومشكلات لا نهاية لها؛ لذا حثنا الإسلام على الاعتناء بالتربية فبين أنها مسئولية وأمانة؛ ففي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته؛ فالرجل راع في أهل بيته ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت بعلها وولده ومسئولة عن رعيتها".
(1) دليل الأسرة في الإسلام، ص: (1/ 25).
(2) المرجع السَّابق، ص: (1/ 52).
(3) المرجع السَّابق، ص: (1/ 53).
(4) المرجع السَّابق، ص: (1/ 54).
(5) المرجع السَّابق، ص: (1/ 58).
(6) المرجع السَّابق، ص: (1/ 59).
(7) المرجع السَّابق، ص: (1/ 60).
(8) المرجع السَّابق، ص: (1/ 61).
(9) المرجع السَّابق، ص: (1/ 134).
(10) المرجع السَّابق، ص: (1/ 136).
(11) المرجع السَّابق، ص: (1/ 137).
(12) المرجع السَّابق، ص: (1/ 144).
(13) المرجع السَّابق، ص: (1/ 146).
(14) المرجع السَّابق، ص: (1/ 145).
(15) المرجع السَّابق، ص: (1/ 145).
(16) المرجع السَّابق، ص: (1/ 145).
(17) المرجع السَّابق، ص: (1/ 147).
(18) المرجع السَّابق، ص: (1/ 186).
(19) المرجع السَّابق، ص: (1/ 191).
(20) المرجع السَّابق، ص: (1/ 192).
(21) المرجع السَّابق، ص: (1/ 193).
(22) المرجع السَّابق، ص: (1/ 352).
(23) المرجع السَّابق، ص: (1/ 341).
(24) المرجع السَّابق، ص: (1/ 575).
(25) المرجع السَّابق، ص: (1/ 537).
(26) المرجع السَّابق، ص: (1/ 442).
(27) المرجع السَّابق، ص: (1/ 446).