عقيدتنا في فلسطين
أي بنيَّ، إنَّ قضيَّة فلسطين والقدس من أقدس القضايا في عقيدتنا الإسلاميَّة، وهي محور احتكاك المسلمين بعدوِّهم، فعليها يتقاتل اليهود والنَّصارى والمسلمون، وهي حقٌّ للمسلمين أتباع الأنبياء، وليس لليهود والنَّصارى حقٌّ فيها لكفرهم وجرأتهم على الله سبحانه وتعالى، {إِنَّ ٱلۡأَرۡضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128] وقد كانت لكلِّ نبيٍّ في زمنه يرثها أتباعه، ثمَّ تزول ولايتهم عليها بالهلاك أو الكفر، وتنتقل لمن بعدهم ممَّن حقَّقوا معنى الإيمان، وساروا على درب النَّبيِّين.
واعلموا أنَّ كلَّ أرض يفتحها المسلمون ويرفعون عليها راية الإيمان والتَّوحيد= فهي حقَّ لهم لا يسقط بتسلُّط الكافرين عليها ولو تقادم الزَّمان؛ لذا كان تحرير المقدَّسات والبلاد التي دان أهلها بالإسلام من أعظم ما يجب على أهل الإيمان الاعتناء به، فاسترداد المغصوب حقٌّ مشروع للأمَّة الإسلاميَّة متى قدرت عليه؛ فأرض فلسطين لا تقبل المساومة أو التَّنازل عن أيِّ جزء من أجزائها، وما وقع من اتِّفاقيَّات ومعاهدات بين السَّاسة فغير ملزمة للمسلمين.
لقد كانت ومازالت قضيَّة القدس محور إيمان وكفر ونفاق:
فأهل الإيمان: تنزف قلوبهم دمعًا كالدِّماء، ويسلكون كلَّ سبيل يُوصِّلهم إلى نُصرة القضيَّة الفلسطينيَّة المقدسيَّة على كلَّ صعيد؛ فيُقاطعون اقتصاديًّا العدوَّ ومن عاونه وظاهره على إخراج المسلمين من ديارهم، ويدعون المجاهدين بالسِّلاح والدُّعاء والمدد والمقابلة ما أمكنهم، ويُساهمون بأموالهم في إمداد الفلسطينيَّين بما يحفظ لهم حياتهم وبقاءهم من طعام وشراب ووقود ودواء.
وأهل الكفر: يتَّفقون على أهل الإسلام فيدعمون القتلة بكلِّ سبيل يُمكِّن لهم من جزِّ رِقاب المسلمين، وتدنيس مقدَّساتهم؛ فالكفر كلُّه ملَّة واحدة حين يكون العدوُّ مشتركًا، فتعدِّيهم ظاهر، وعدوانهم سافر، ولا يُراعون حرمة لطفل أو كبير أو أعزل أو امرأة، فحروبهم قذرة ملطَّخة دائمًا بدماء الأبرياء العزَّل، فليس عندهم من القيم والمروءات والأخلاق ما يحملهم على ضبط النَّفس وتوجيه الغضب، فاستراتيجيَّتهم في حروبهم الإبادة والإهلاك والتَّخريب.
وأهل النِّفاق: من بني جلدتنا وفي الظَّاهر من أهل ملَّتنا يفرحون بما يُلحقه الكفَّار من أذيَّة وإهلاك وتدنيس للمسلمين ومقدَّساتهم، بل يعيبون على أهل الإيمان جهادهم ونصرتهم للحقِّ، ويُنادون بالتَّخذيل والتَّثبيط والقعود عن الجهاد والصَّدِّ، فأولئك أخطر على المسلمين من عدوِّهم الظَّاهر وهم أولى بالجهاد والقتال مع إخوانهم من الكافرين؛ قال الله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَٰهِدِ ٱلۡكُفَّارَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱغۡلُظۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ} [التوبة: 73]
الواجب تجاه القدس وفلسطين
إنَّ واجبكم يا بنيَّ تجاه هذا المقدَّس المسلوب والبلد المسلم المغصوب أن تعرفوا القضيَّة بتفاصيلها من أوَّل أمرها إلى يوم حديثي إليكم؛ لتُدركوا حجم الحرب والاعتداء التي يتعرَّض لها المسلمون في هذه البقعة المباركة منذ الزَّمن العتيق الضَّارب بجذوره في أعماق التَّاريخ، ثمَّ تقودكم المعرفة إلى خدمة القضيَّة بالتَّوعية والدَّعوة عبر كلِّ منفذ ومنصَّة ووسيلة، والدِّفاع عن حقِّ الإسلام وأهله في تحرير المقدَّسات المسلوبة والبلاد المنهوبة، ثمَّ الارتقاء إلى بذل الغالي والنَّفيس بالجهاد بالنَّفس والمال والوقت من أجل نصرة القضيَّة العادلة باستفراغ الطَّاقة ببذل ما يُمكن بذله.
توريث قضيَّة القدس وفلسطين
ألا وإنِّي أُشدِّد عليكم يا بنيَّ في أن تورِّثوا لأبنائكم بغض الصَّهاينة اليهود الحاقدين؛ فهم أعداء الله تعالى وأنبيائه وصالحي المؤمنين والملائكة المقرَّبين، فلا تُهاودوهم، ولا تحبُّوهم، ولا تُناصروهم، واحذروا كلَّ الحذر من الرِّضا عنهم أو عن أحد أرضاهم؛ فلن يرضوا عنكم بجموعهم حتى تتهوَّدوا وتتَّبعوا ملَّتهم المزيَّفة، وكتبهم المحرَّفة، وعقائدهم المجرَّفة، عادوهم بكلِّ مخالفة منهم في حقِّ ربِّكم، وبكلِّ نبيٍّ قتلوه غضبًا لأنبيائكم، وبكلِّ نفس مسالمة أزهقوها، وطفلة بريئة ذبحوها، ورضيعة وليدة حرموها، وامرأة ضعيفة اغتصبوها، وامرأة عجوز أهلكوها، وأطفال صغار يتَّموها، ونساء حرائر رمَّلوها، وبيئة آمنة أرعبوها، وبقعة مقدَّسة دنَّسوها، ورقعة خضراء أحرقوها، وبنية قائمة هدموها، ومأذنة مرفوعة قصفوها، عادوهم بما فرضوه على أهليكم من تجويع وتقريع، وتعطيش وتفزيع، وتظليم وتركيع، وحرمان وتفظيع، عادوهم فإنَّ الأرض تعاديهم، والسَّماء تُقاضيهم، والأشجار تعرِّيهم، والدِّماء تُرديهم، والجرحى تلعنهم، والأشلاء تفضحهم، عادوهم فقد عاداهم شركاؤهم في الحرب القذرة، ولفظتهم أوربَّا المجرمة الأشرة، فلا تكونوا مخدوعين بما أظهر لكم صهاينة العرب، وفرُّوا منهم فرار الصَّحيح ممَّن به جرب، ولا تحفظوا لهم كرامة أو مودَّة، فمن وإلى عدوِّي كنت وما أملك ضدَّه، فليس اليهود إلَّا بهم، خابت مساعيهم وهزمت جموعهم.
كفُّوا ألسنتكم عن المرابطين
أي بنيَّ الأوفياء، كونوا عونًا للمجاهدين النُّبلاء، ولا تُقعدوهم بتثبيط أو إيذاء، فلا يُفتي قاعد لمجاهد، ولا يحكم لمستيقظ راقد، وأهل مكَّة أدرى بشِعابها، وأبطال غزَّة أعلم بسككها، فلا تقولوا عنهم إلَّا خيرًا، ولا تذكروا عنهم أمرًا ضيرًا، فهم حملة اللِّواء الصَّامدون، ورافعوا راية الجهاد المخلَصون، وهم بذلك أسياد نخبة، وفرسان صحبة، فاحفظوا لهم صنيعهم، وكونوا عونًا لهم.
لا يعود الحقُّ المسلوب إلَّا بقوَّة السَّواعد
والله لو رأى العدوُّ الظَّالم شرارة الحرارة وبوادر الانتقام قد ظهرت على وجه المظلوم، مع سلاح يحمله في يده قد عزم على استعماله لردِّ الظُّلم لم يتجاسر على إلحاق الأذى به، أمَّا الخنوع والخضوع والصَّمت فطريق إلى المذلَّة والاستضعاف والتَّسلُّط، فلا تصنعوا صنم عدوِّكم بأيديكم، فكيد الشَّيطان ضعيف، واعلموا أنَّ ردَّة الفعل العنيفة يتبعها هدوء وسلامة، وأنَّ ردَّة الفعل الضَّعيفة يصحبها صخب وانتقام، فألزموا أنفسكم المقاومة والمجاهدة والدِّفاع؛ قال تعالى: {وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذۡكَرُ فِيهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِيرٗاۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40]
سياسة العدوِّ في الاستحواذ على المقدَّرات
لقد حرص العدوُّ من خلال الاستعمار على إهانة العرب والتَّحكُّم في مواردهم، وبسط النُّفوذ عليهم، وإفقارهم بنهب ثرواتهم ومقدَّراتهم، وإشاعة الخلافات بينهم للتَّفرقة وسيادة العدوِّ؛ فوالله ما ساد عدوٌّ بين إخوة إلَّا بعد اختلافهم وافتراقهم؛ فينفرد بهم واحدًا بعد الآخر حتَّى يأتي على آخرهم، ولو اجتمعوا ما تجرَّأ على إيذائهم أو التَّعرُّض لهم؛ لذلك أمرنا الله تعالى بالاتِّفاق والاتِّحاد والاعتصام فقال تعالى: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ} [الأنفال: 46]
صرخة ونداء
أيُّها الأسد الهصور واللَّيث الجسور، إنَّ أمَّتك اليوم أحوج إلى عطائك وتضحياتك من أيِّ وقت مضى؛ فقد طال سواد اللَّيل واشتدَّ البلاء، والقدس الأسير تحت يد المحتلِّ أصابه العناء، وإخوانك مِن حوله: يُذبَّحون، ويُقصفون، ويُقتلون صباح مساء، وعلى ثرى فلسطين الطَّاهر تنزف الدِّماء، وتُشتَّت الأشلاء، ويُهدَّم البناء، فأهلها يُهجَّرون قسرًا، ويُجوعون فقرًا، وينامون قهرًا، ويُواجهون عُسرًا، قد حبسهم الحصار، ولفَّهم الجدار، وعزلهم الأقذار، وتخلَّى عنهم الرَّفيق والجار.
وحقيقة أمرهم الصَّبر والرِّضاء، والإيمان بالقدر والقضاء، والثَّبات على حرِّ الرَّمضاء، وهم يُدافعون عن مُقدَّس الإسلام، ويُذبُّون الدَّنس عن حرمه الحرام، ويصمدون في وجه الغضب والانتقام، وهذا حالهم منذ ما يزيد عن السَّبعين خرِيفًا، حتَّى أصبح جسدُهم نحيفًا، وعزمُهم ضعيفًا، وسكوتُنا سخيفًا، وقدرُنا في العُيون خفيفًا.
أبعد هذا ترضى بالهوان، وتُكمل مسيرة العِصيان، وتتخبَّط كالسَّكران، وتترك الأقصى كالجبان، ليس هذا ظنِّي بك أيُّها المغوار؛ فقم وانفُض عن ثوبك الغبار، وصحِّح الطَّريق والمسار، واستعدَّ بقوَّة تُزيل العار، وتجلب العزَّ والفخار، وهذا عهد أشهدنا عليه الملكَ الجبَّارَ.