الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

حكم التَّمويل العقاريِّ من البنوك لشراء مسكن؟

الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف المرسلين.

وبعد: فلهذه المعاملة صورتان:

الصُّورة الأولى: الجائزة:

ولها شروط يجب توفُّرها فيها حتى تكون جائزة، وإجمالها:

1- أن يشتري المموِّل (البنك أو ما في معناه) العقار شراءً شرعيًّا صحيحًا تكاملت فيه أركانه، من الطَّرفين، والثَّمن، والصِّيغة، والإيجاب والقبول، مع انتقال العقار لملكيَّة البنك انتقالًا حقيقيًّا لا صوريًّا، بأن يستلم مفاتيحَه وكيل عن البنك يضمن دخول العقار في حدود ملكيَّته؛ لأنَّه لا يجوز بيع ما لا يُملك.

2- أن يبيع المموِّل (البنك أو ما في معناه) العقار بعد شرائه للعميل بيعًا صحيحًا بعقد صريح يتضمَّن نقل الملكيَّة منه إليه، مع تحديد الثَّمن، ولا مانع من الزِّيادة عن ثمن الشِّراء الأوَّل للمرابحة من الآمر بالشِّراء، أو الاتِّجار والتَّكسُّب، أو التَّقسيط على مراحل، (بتقسيم الثَّمن المعلوم على الأشهر المعلومة) ولا مانع شرعًا من زيادة الثَّمن من أجل القسط؛ فالزَّمن له ثمن، بشرط أن يكون المبلغ معلومًا من بداية العقد، وألَّا يترتَّب على التَّأخُّر عن سداد الأقساط غرامة؛ لأنَّ هذا يكون من ربا النَّسيئة.

3- ألَّا يفرض المموِّل (البنك أو ما في معناه) على العميل غرامة تترتَّب على تأخير دفع الأقساط حين التَّعثُّر ونحوه؛ لربويَّة ذلك؛ لأنَّه مال نتج عن مال من غير استحقاق، فهو كقرض جرَّ نفعًا.

الصُّورة الثانية: غير الجائزة:

وهي التي يختل فيها شرط من الشُّروط السَّابقة في الصُّورة الجائزة:

1- عدم ملكيَّة المموِّل (البنك أو ما في معناه) للعقار وقت التَّعاقد؛ لعدم جواز بيع ما لا يُملك.

2- ألَّا يتمَّ البيع من المموِّل (البنك أو ما في معناه) للعميل بصورة صحيحة؛ كأن يُقرضه مالًا لشراء العقار ثمَّ يفرض عليه زيادة مقابل الإقراض؛ فهذا عين الرِّبا لأنَّه من القرض الذي جرَّ نفعًا؛ قال ابن عبد البرِّ رحمه الله: "ولا يجوز أن يُسلف أحدًا شيئًا على أن يريده فيما يقضيه أو على أن ينفعه المتسلِّف من أجل سلفه قلَّت أو كثرت بوجه من الوجوه، وكلُّ زيادة في سلف أو منفعة ينتفع بها المسلف فهي ربا، ولو كانت ‌قبضة ‌من ‌علف، وذلك حرام إن كان شُرط" [1] وقال ابن المنذر رحمه الله: "وأجمعوا على أنَّ المسلف إذا شرط عُشر السَّلف هديَّة أو زيادة، فأسلفه على ذلك، أنَّ أخذه الزِّيادة ‌ربا" [2]

3- أن يفرض المموِّل (البنك أو ما في معناه) على العميل غرامة على تأخير دفع الأقساط حين التَّعثُّر ونحوه؛ لربويَّة ذلك، ولأنَّ المقصد من القرض والتَّسليف الإعانة وتفريج كربة المعسرين، فتناسب معهم الإسقاط والتَّخفيف لا التَّحميل والتَّثقيل؛ "فإنَّ موضوع عقد القرض الإرفاق والقربة، فإذا شرط المقرض فيه الزيادة لنفسه خرج عن موضوعه، فمنع صحَّتَه؛ لأنَّه يكون بذلك قرضًا للزِّيادة لا للإرفاق والقربة" [3] 

وممَّا يلحق بالجواب:

1- الاحتياط والورع في المعاملات الشِّرائيَّة أنفع للعبد من التَّهوُّر والجرأة على الحرام لأضعف الفتاوى وأوهن الحجج؛ والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطَّلع عليه النَّاس وإن أفتاك النَّاس وأفتوك.

2- الفتوى في الأمور الماليَّة فيها طرفان ووسط، فالمؤسَّسات الإفتائيَّة الحكوميَّة تتساهل في جواز المعاملات الماليَّة الصَّادرة من البنوك والمؤسَّسات والحكومات؛ لئلَّا تتصادم مع سياسات الدَّولة الاقتصاديَّة والأمنيَّة.

3- كلُّ عقد يحتوي على بنود تؤدِّي إلى الحكم عليه بالحلِّ أو الحرمة، فلا يكون التَّحريم الذَّاتيُّ إلَّا للحرام المتَّفق على حرمته؛ كتحريم الرِّبا والخمر والزِّنا، أمَّا المعاملات فلمَّا كان الأصل فيها الحلُّ كان التَّحريم فيها سببيًّا معلَّلًا بعلَّة حكميَّة تؤدِّي إليه.

والله أعلم وأحكم وهو أعز وأكرم

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله