الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

بيان كيفيَّة العمل في حلقات تحفيظ السُّنَّة النَّبويَّة

يتم تقسيم مراحل العمل في الدورة إلى ست مراحل:

المرحلة الأولى: حفظ الجديد، وفيه يلزم الطالب بحفظ قرابة عشرين حديثا من أحاديث كتاب: (الأربعين + بلوغ المرام) وجملة أحاديثهما = (1600) حديثا، ثم قسمناها ÷ اثنين وسبعين يوم عمل من جملة المئة يوم المقررة؛ فإن الناتج الصادر عن عملية القسمة = (22) حديثا في اليوم، وذلك عن طريق تصحيح قراءة الطالب للنصوص الحديثية محل الحفظ قبل الشروع فيها، ويكون الحفظ وفق الترتيب التسلسلي العام، فنبدأ بأحاديث الأربعين في يومين، ثم ننتقل منها إلى أحاديث البلوغ، وفي كل مرة يعرض الطالب الجديد من حفظه صحيحا سالما من الأخطاء، وبعد الانتهاء من العرض لا ينتقل الطالب إلى المراجعات حتى يصحح قراءته فيما سيتم حفظه في اللقاء القادم.

الوقت المقرر: يُخصص لهذه المرحلة عرضا وتحملا نحو ثلث الساعة من جملة الوقت الكلي= 70 دقيقة، بينما يُخصَّص مثله لمرحلة المراجعات القريبة، وقريب منه لمرحلة المراجعات البعيدة.

فائدة (1): ضوابط التصحيح: لابد للمعلم أن يهتم بهذا الجانب كثيرا؛ لأنه ينبني عليه أمر الحفظ كله؛ إذ كيف يحفظ الحافظ حفظا صحيحا سليما من الأخطاء اللغوية والفنية إن لم يقرأ على شيخه قبل بدء الحفظ؛ لذا فقد عظمت أهمية هذه المسألة، وهناك بعض الأمور التي يجدر بركني العملية التعليمية مراعاتها، منها:

الأول: لا يُعفى أحد من الطلاب من التصحيح؛ وإن حسنت قراءته، فلابد أن يعرض النص المراد حفظه على شيخه قبل أن يحفظه؛ لأنه إن حفظ بطريقة خاطئة فسيعاني كثيرا حتى يصوبه، ولعل حفظها يكون بطريقة خاطئة إن كان من المخزون الحفظي - يعني الـذي كان يحفظه المشارك من خلال مطالعاته وإعداده - فإن المعلم سوف يتدارك الخطأ في مرحلة التصحيح، فإن لم يحدث لسهوه - وهذا أمر وارد - فسيتداركه في مرحلة التسميع.

الثاني: لابد أن تؤتي مسألة التصحيح ثمارها المرجوة من اطمئنان قلب المعلم إلى سلامة ما سيعرض الطالب في وقت العرض؛ لأنه وقت ينشغل فيه الطالب بإقامة المحفوظ إقامة تمكنه من تقليل الأخطاء الواردة في سياق نص الحديث الشريف؛ لذا فإنه لا ينشغل كثيرا بالتراكيب الحرفية والكلمية، بل يهتم بالتراكيب الكلية في الجمل؛ فنشغله في مرحلة التصحيح بما لا ينشغل به في وقت التسميع، ومن ثمرته أن الطالب يأخذ تصورا عاما عن المصحَّحِ قبل الدخول فيه فيكون هذا بمثابة المقدمة للموضوع.

الثالث: وقت التصحيح في بداية الحفظ فلا يجوز - صناعة - أن يتأخر عن العرض؛ وإلا كان من باب تحصيل الحاصل، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولا يتأخر عن الربط الخاص أو العام، وإنما يتقدم هذه المراحل كلها فهو بمثابة الأساس الذي يبنى عليه الشيء وبغيره فلا وجود له في الحقيقة، فالتصحيح أولا، ثم الحفظ والمتابعة، ثم العرض المفرد، ثم الربط الخاص، ثم الربط العام في نهاية مرحلة حفظ الجديد.

الرابع: لا يجدر بالمعلم أثناء تصحيح الطالب أن يتهاون في تصويب الأخطاء بحجة أنها ستُصحَّح في مرحلة متقدمة! لأن فائدته ستكون أقل في النفع والإفادة، والإشكالية التي تنتج من هذا أن الخطأ يستشري في أجزاء المحفوظ بما لا يهتدي معه المعلم إلى ملاحظته، فالمعالجة فورية لا على التراخي.

الخامس: لا يجدر بالمعلم في أثناء العرض والتصحيح أن ينشغل عن الطالب؛ لأن هذا ينافي الأمانة والتحري، فقد يخطئ الطالب وهو لا يدري، فإن كان ثمت أمر لابد منه فعلى المعلم الرشيد أن يوقف الطالب حتى يقضيه ثم تُستأنف عملية التصحيح، مع تمام العلم أن المرحلة لا يجوز قطعها إلا بما كان من جنسها، أو ترتب عليه مصلحة أعظم من القائمة.

السادس: يحسن بالمعلم الكريم ألا يدخل في تعليقات مطولة مع الطالب في الحلقة عند معالجته الأخطاء التي يقع فيها الطالب، بل يكون مقتصدا في التعليقات بقدر الإمكان مراعيا للمقام القائم، فهو مقام حفظ، فيكون التعليق لتصويب الخطأ بأبلغ لفظ وأوضح عبارة؛ إذ كثرة التعليق في مثل هذا المقام لا تنفع؛ بل ربما أضرت بالوقت العام للطلاب، فإن كان ثمت ما يستوجب التعليق مما سيستفيد منه الطالب فعلى المعلم أن يقيده في كراسته ليفيده به بعد المراحل.

السابع: لا ينبغي للمعلم أن ينهر الطالب لكونه أخطأ في أثناء العرض بما من شأنه أن يؤدي به إلى التضايق واليأس؛ كأن يقول له: "هل أنت أعمى لا ترى" أو نحو ذلك من الألفاظ التي لا يحسن به أن يتلفظ بها، بل عليه أن يعلمه بلطف وأدب ورحمة، وأن يضع نفسه موضعه ثم يفعل ما يحب أن يفعل معه لو كان في مقامه، وإنما يكون ذلك إذا أخطأ الطالب في مرحلة التسميع خطأ تم التنبيه عليه فيه في التصحيح.

الثامن: يحسن بالمعلم أن يحذر من تصويب الخطأ بخطأ آخر، أو يخطِّئ الطالب مع كونه مصيبا؛ لأن هذا مما ينقص من قدر المعلم في عيون طلابه، وعليه أن يتثبت من السماع ويكثر المراجعة، أو النظر في الكتاب حتى يتفاداه، ويحفظ هيبته.

التاسع: يجدر بالمعلم ألا يعتمد على ما ألف من حفظه إن لم يكن حافظ للنص الحديثي ومتيقنا من ألفاظه، بل عليه ألا يخرج بنظره عن الكتاب؛ حرصا على كمال المتابعة، وقوة المعاهدة لما يقوم الطالب بقراءته تصحيحا وتسميعا.

العاشر: التوسط في طبقة الصوت من الطالب أثناء العرض في كل المراحل؛ حتى لا يؤذي زملائه بعلو صوته في الحلقة، ولا يسقط الحروف، أو يدمج الكلمات بانخفاض صوته عن الحدِّ المعتبر، بل يتوسط في ذلك بين العلو والانخفاض، ويجدر بالمعلم أن يستفهم الطالب إن لم يتمكن من السماع القاضي بالتمكن من الحكم.

حادي عشر: على المعلم ألا يجمع بين اثنين أو أكثر في وقت واحد وإن كانا متفقين في المعروض؛ لأن العرض يحتاج إلى بال متفرِّغ، والذي يفعل هذا على غير الهدي وإن كان نحريرا، بل على المعلم أن يعتمد منهج التحرير لا التمرير، ولابد من الأمانة المطلقة.

ملحوظة: فإذا انتهى الطالب من حفظ حزبه المقرر فعليه أن يربط ربطا عاما = أي يقوم بالربط بين أجزاء المحفوظ على مدار مرحلة الجديد، عن طريق المراجعة المتقنة لكل ما تم حفظه لتكون بمثابة المتابعة للمحفوظ قبل مغادرة ساحته؛ لأنها مرحلة البناء والإجادة، فالحفـظ بمثابة البناء والرفع، والربط بمثابة الملاط الذي يربط بين اللبنتين، ويعرض الطالب على المعلم فإذا ظهر نسيان قبل انتهاء مرحلة الجديد فإن خللا ما قد أصاب تلك المرحلة.

فائدة (2): طريقة الحفظ المثلى للنص الحديثي:

وهي طريقة تعتمد على التأني في الحفظ، وبيانها على النحو التالي:

1 - تقسيم الحديث إلى مقاطع على حسب عدد سطوره، فيكون كل مقطع منه يعادل سطرا في الحديث، ويُعتبر كل سطر من تلك السطور مقطعا مستقلا.

2 - البدء في حفظ المقطع الأول، بقراءته مجملا مرة كاملة، ثم بقراءة كل جملة من جمله أربع مرات، نصفها بالنظر في الكتاب، ونصفها باسترجاع ما تم حفظه عن طريق الاعتماد على العقل، واختبار مدى قدرته على استيعابه، فإن سلِمت الجملة من الخطأ انتقل إلى الجملة الثانية ليفعل معها مثل ما فعل مع الجملة الأولى، فإن سلِمت ربط ربطا خاصا بين الجملتين بالنظر والعرض، فإن سلِمتا انتقل إلى الجملة الثالثة - إن وجدت - وهكذا حتى ينتهي من جمل المقطع الأول كلها، فإن سلمت انتقل إلى الجملة الأولى من المقطع الثاني ليفعل معها مثل ما فعله مع جمل المقطع الأول، وبعد أن ينتهي من هذا المقطع يقـوم تلقائيا بالربط الخاص بين المقطعين، ثم يشرع في جمل المقطع الثالث ليفعل معها مثل ما فعله مع جمل المقطعين السابقين، فإن ثبتت الجمل في مقاطعها تم الربط العام بين مقاطع الحديث الواحد؛ فإن ثبت انتقل من فوره إلى الحديث الثاني ليفعل معه كما فعل مع الحديث الأول، وهكذا حتى ينتهي من أحاديث الجزء الأول، ومن ثَمَّ يقوم بقراءتها عرضا من حفظه على شيخه؛ فإما أن يحكم على حفظه بالإتقان والإفادة، أو بالضعف والإعادة، وعلى الطالب الامتثال لما يُقرَّر.

3 - فإن لم يُسلِّم المعلم للطالب بجودة حفظه للجزء الأول عاود الكرة مرة أخرى للحفظ الجيد ثم العرض الخالي من الخطأ، أما إن سلَّم المعلم للطالب بجودة الحفظ فإنه ينتقل إلى حفظ أحاديث الجزء الثاني بالطريقة السابقة في الجزء الأول، ومن ثم يقوم بعرضها على معلمه من حفظه؛ فإن سلَّم له توقف للربط بين الجزأين ربطا خاصا، وهكذا يتوقف الطالب بعد كل جزء ينتهي منه للربط بينه وبين ما سبقه إلى نهاية الجزء الخامس.  

4 - لا يُشترط في الربط الخاص بين الأجزاء أن يعرض الطالب على معلمه المقاطع المربوط بينها؛ لأن هذا الأمر قد يحتاج وقتا طويلا، وإنما يُكتفَى بمجرد قيام الطالب بالمراجعة الجيدة قبل الانتقال بين الأجزاء؛ ليسهل عليه بعد ذلك الجمع بين كل الأجزاء المحفوظة.

5 - قبل انتهاء وقت المرحلة بقوم كل طالب بعرض ما تم حفظه في المرحلة من أحاديث ولو على سبيل الاختبار؛ للاطمئنان على مدى حفظه.

فائدة (3): ضوابط التسميع: إن بعض المعلمين قد يتعجل تسميع الطالب قبل أن يعطيه الوقت المناسب، أو العكس، فيُوصى الطرفان بالتأني في الحفظ، والتثبت منه قبل عرضه، وذلك بتعهد النظر إليه، فالنظر في المحفوظ من الأمور التي تثبته وتنقشه في الصدر، ويُحرص في هذه المسألة على ما يلي: 

أولا: لابد أن يسمح المعلم للطالب باستغراق الوقت الكافي لإنجاز عملية الحفظ من غير إهماله أو استعجاله؛ حتى يتسنى له أن يأتي بالمقروء على وجهه فتندر أخطاؤه ويسلم عرضه من عيوبه، وأما ما وقع فيه كثير من المعلمين من تعجل الطالب في عرض ما صحح قراءته بحجة أن هذا من باب تحفيز الطالب وتشجيعه فهذا خطأ ينبغي ألا يكون؛ لأن الطالب لو عرض قبل أن يتقن فإن عرضه والعدم آنذاك سواء؛ لأنه لن يكون ضابطا له على الوجه المَرضيِّ، فتركه حتى يردد ويكرر أولى، كما أنه لا ينبغي له أن يتركه مدة طويلة عن المعتاد؛ حتى لا يشرد أو يملَّ من طول الفارق بين التصحيح والتسميع، بل يحرص المعلم على معرفة حال طلابه، فمنهم من يحفظ سريعا فيتعجله إن تأخر عن الوقت الطبيعي الذي يستغرقه، ومنهم من لا يستقيم عرضه إذا أسرع، فلا يتعجله المعلم إلا إذا زاد عن وقته المعتاد؛ كأن تكون عادته أن يحفظ الجزء المكون من عشرة أحاديث في ربع ساعة فإن تأخر تعجله المعلم؛ حرصا على وقته.

ثانيا: من عيوب العرض على المشايخ:

العيب الأول: التلعثم؛ وهو تردد القارئ بين كلمات مختلفة في كلمة واحدة، فلا يثبت على اختيار لفظ، وإنما يتردد عند النطق بالكلمات بصفة مستمرة.

وقد يكون هذا العيب جبليا جعله الله عليه فليس للطالب فيه اختيار، كأن يكون سريع العرض فيتلعثم مع جودة الحفظ والقدرة على اللفظ؛ لأنه لا يحسن الكلام على رسم المتأني، وإنما يسرع فتراه يتلعثم بصورة من صور التلعثم كالتأتئه، أو الفأفئة ونحوهما، وهذا لا يعاب ولا يلام ولا يعاتب، وقد يكون العيب مسببا؛ يحدث بسبب ويزول بزواله، فيكون كالحكم والعلة، فهو يدور معها وجودا وعدما، ومن هذه الأسباب:

1 - السرعة الشديدة من الطالب والتي لا يتأتى معها إلا تلعثم نشأ عن السرعة؛ لأن القارئ لا يكاد يذكر رسم الكلمات من جراء سرعته أثناء العرض، وقد يلجأ القارئ إلى هذه السرعة لأسباب كثيرة أذكر منها:

أ - قلة الوقت المتاح للعرض، وحينها ينبغي أن توفر الإدارة القائمة على شأن العمل الوقت الكافي لعرض جميع الطلاب لأحزابهم المقررة في كل مرحلة من مراحل العمل، وذلك بالمقارنة بين الوقت وعدد الطلاب والأحزاب المقرر تسميعها؛ ليخرج الوقت المقرر لكل مرحلة كافيا للعرض بلا تسرع.

ب - خشيته من تفلت المحفوظ منه قبل عرضه، وهذا الأمر إما أن يكون لقلة مراجعته لحزبه المقرر قبل المرحلة، وحينها ينبه الطالب إلى قيمة استغلال الأوقات لتحصيل الإتقان للمعروض قبل عرضه، مع تنبيهه إلى أن الأصل في مرحلة المراجعات أنها مراحل عرض من الصدر، وليست للنظر في السطر، ولا ينبغي حينها أن يتعذر الطالب بقلة الوقت المتاح بين المراحل؛ فإنه لو أحسن توجيهه لاستفاد منه بمقدار اهتمامه وحرصه، وإما أن يكون لضعف حفظه في الحقيقة, فقدراته العقلية ليست بذاك القدر المطلوب، وحينها يوصى الطالب بكثرة المعاهدة للمحفوظ، والنظر فيه ليثبت في الذاكرة.

جـ - طلب المعلم منه أن يعرض بمرتبة الحدر؛ ليتعود على العرض السريع لمحفوظه؛ لأن السرعة في العرض تدلُّ على إجادة المحفوظ، وإتقان الملفوظ، وحينها ينبغي أن توجه الإدارة المعلمين إلى خطأ هذا المسلك؛ لأن الطالب في مرحلة الحفظ لا يزال ضعيفا، فلا يوجه لفعل ما هو من شأن الحفظة المهرة الذين تدربوا كثيرا على سرعة القراءة من باب قلة الوقت المتاح، وتوجيه الطالب إلى السرعة في العرض أمر من شأنه أن يوقعه في إسقاط بعض الحروف والكلمات وربما لا يشعر المعلم بذلك، فتكون السرعة قد أضرت كثيرا به.

     لكننا يمكننا أن نقول: إن السرعة والبطء من القارئ أمر مرهون ابتداء بمستواه التحصيلي، فليس الطالب بطيء الحفظ ثقيل اللسان كغيره، فيمكن أن نطالب بعض الطلاب بسرعة العرض لقوة حفظه، وفصاحة نطقه، ونمنع بعضهم ممن ثقل لسانه، وضعُف محفوظه؛ لأن هذا يجره إلى الخطأ، وشرط العرض السريع:

أ - أن يكون الطالب قوي الحفظ لا يتأثر عرضه بالسرعة سلبا فلا يقع في الخطأ بسبها.

ب - أن لا تؤدي السرعة إلى وقوع الطالب في الأخطاء الإعرابية؛ بتبديل الحركات.

جـ - أن يكون الطالب متمكنا من سرعته فلا يحدث تداخلا بين الحروف والكلمات، وإنما يفصل بين المفصولات بما لا يؤدي إلى توليد للحركات، أو حذف للموجودات.

د - أن يكون المعلم قادرا على متابعة قراءته حال سرعته, فإن لم يكن قادرا فلا ينبغي.

هـ - ألا يرفع صوته بما يضر بإخوانه في الحلقة، وإنما يقترب من المعلم اقترابا شديدا بحيث يتسنى له أن يستمع إليه بوضوح مع انخفاض صوته قدر الطاقة؛ حفاظا على تركيز زملائه.

2 - قلة المراجعة للمعروض قبل عرضه من أعظم الأسباب التي تؤدي إلى التلعثم أثناء العرض؛ لأن الطالب إذا همَّ ليقرأ من حفظه من غير مراجعة فإنه يتردد ويتلعثم ويخطأ كثيرا؛ لأن الذاكرة عندئذ تكون غير نشطة بما يكفي لتتذكر ما يراد عرضه؛ لأن العهد به كان بعيدا، فحينها يوجه الطالب لضرورة التحضير لما سيقرأ قبل بدء وقته؛ حتى لا يضيِّع وقتا في مراجعته في الحلقة، وإنما يكون مهيئًا بمجرد دخول الوقت أن يشرع في العرض؛ حفاظا على وقته ووقت زملائه، وحرصا على إعطاء المعروض حقه من المراجعة قبل عرضه في المرحلة؛ حتى لا يقع في الخطأ.

العيب الثاني: الخطأ: وهو إبدال كلمة في اللفظ مكان كلمة أخرى؛ لقلة إدراك الذاكرة لها في وقت العرض، وحينها لابد من تصويبها من قِبل المعلم وإلا استشرت في المحفوظ حتى صارت من ثوابته وأصوله، فلا ينبغي للمعلم أن يتكاسل عن رد كل شيء إلى أصله، ولا يتسامح في كثرة الأخطاء بما يبين عدم الحفظ، فليس للطالب أن يخطأ في الصفحة الواحدة أكثر من ثلاثة أخطاء، فإن حدث وجب على المعلم حينئذ أن يرجعه مرة أخرى للمراجعة والتثبيت ثم العرض، وقد نتج عن قلة اهتمام المعلم برد الطالب للحفظ بسبب كثرة أخطائه في الأحاديث أن صعبت مرحلة مراجعة الماضي على كثير من الطلاب، وذلك بسبب تقصير المعلم في رده للتثبيت نتيجة سوء الحفظ بحجة الخوف على مشاعره وحتى لا ييأس من كثرة الرد، وهذه فرية بلا مرية؛ لأن ما يحدث له من جراء ذلك أن يضعف حفظه ويشتد عليه في كل المراحل القادمة، فيكون هذا من باب النظر في مآلات الأمور لاختيار الأنسب للطالب، وأسباب الخطأ كثيرة منها:

1 - عدم إعطاء المعروض العدد الكافي من النظر والمراجعات لتعجل الطالب، وهذا سبب رئيس في وقوعه في الأخطاء التي لا يمكن معالجتها إلا بالتريث الشديد أثناء المراجعة وقبل العرض؛ لأن التعجل في العرض قبل اشتداد عود الحفظ يجعل الذاكرة ضعيفة التذكر لما يُراد قراءته؛ لأنها في الحقيقة لم تحط به؛ فإن الله تعالى منح كل فرد من الناس قدرة معينة على الحفظ والاستيعاب، لكن كثيرا منهم لا يعرف كيف يستثمرها، فمنهم من يكون الحفظ بالسماع عنده أقوى من الحفظ بالنظر وهو لا يدري، فيظل يحفظ عن طريق ما لا يحسن الحفظ عن طريقه، كما أن كثيرا من الناس يحفظ بعد عدد معين من المرات، فإذا تعجل في العرض قبل أن يوفي نصاب العدد المؤدي إلى الحفظ فإنه حتما يقع في الخطأ؛ لأن الذكرة لم تأخذ حقها من العدد.

2 - حرص الطالب على التنافس مع زملائه في المحفوظ بالنظر إلى الكمية بغض النظر عن الكيفية، وهذا أمر من شأنه أن يجعل الطالب غير مبال كثيرا بما وقع في المحفوظ من أخطأ نتجت في الحقيقة من تسرعه في العرض قبل الإجادة؛ حتى لا يسبقه زملائه، وحينئذ ينبغي على الإدارة الراشدة أن تبين أن الأمر ليس بكثرة المحفوظ، إنما هو بدقته وكفيته، ولو كانت العبرة بالكمية لحفظ كل الصحابة كتاب الله، ولتقدم على الناس أكثرهم حفظا ليوضع في غير مكانه، وإنما الأمر بالإجادة للمحفوظ.

ومن باب الأمانة والإنصاف والتجرد أقول: إن كثيرا من الطلاب ليس له جرم في هذا السبب، بل إن الجرم يقع في المقدمة على كاهل قادة المؤسسات القرآنية التي ينتمي إليها، والتي تحرص في منهجها العلمي الذي تتبناه على مجرد القيام بالعمل؛ ليضاف إلى سجلاتها وإنجازاتها من غير إمعان للنظر في مستقبل أفرادها بعد ذلك.

3 - أن يكون الطالب سريع النسيان، وهذا الأمر ينبغي على الهيئة المشرفة على العمل أن تسارع في معالجته بكل سبيل حتى لا يستشري في بدن المؤسسة فيهلكها، ويكمن علاج هذه الظاهرة في توجيه الطالب سريع النسيان إلى فعل ما يلي:

أ - كثرة النظر في المحفوظ؛ فإن إدمان النظر إليه من أعظم الوسائل إلى الاستظهار؛ إذ به ترسم الصفحة في الذاكرة فيسهل عرضها بعد حفرها على صفحات الذاكرة العقلية، ولا ينبغي أن يملَّ الطالب من المعالجة؛ فإن المريض ببدنه يصبر على مر العلاج، ويبذل من وقته وماله ما ييسر له سبيل الشفاء، فأنت أولى بذلك منه؛ لأنك تعالج ما به تحفظ النص الشريف لتكون من أهل الله وخاصته، فمن عرف قدر ما يطلب، هان عليه ما يبذل.

ب -كثرة السماع للمحفوظ، أو لما سيتم عرضه على شيخه، فإن السماع من أقوى ما يستعان به في معالجة ضعف الحفظ عن طريق النظر، وقد تقدمت الحياة بما يجعل أمر السماع ميسورا لكل الناس، وكثير من الطلاب الذين يعانون من كثرة النسيان موهومون في الحقيقة؛ لأنه ربما كان يحفظ بطريقة لا تناسبه، كالذي يحفظ بالسماع ثم يعاني من كثرة تفلُّت محفوظه، زاعما بأن هذا من قلة موهبته الحفظية، ولو أنه حاول أن يحفظ بطريقة النظر لكان خيرا له وأقوم، فالنصيحة أن يجمع الطالب بين طريقة النظر والسماع.

جـ - كتابة ما اشتد حفظه عليه في كراسة يخصصها لكتابة مواطن الضعف من الماضي وما اشتد حفظه عليه من الجديد؛ فإن للكتابة شأنا عظيما، وقد كان العلماء يكتبون ويأمرون بالكتابة؛ لعلمهم بما تحدثه الكتابة في الذاكرة من أثر واضح في الحفظ وقوته، ولكن ما أودُّ أن أنبه عليه في هذا المقام أنه لا ينبغي للطالب أن يكتب مواطن ضعفه من الكتاب، وإنما ينبغي أن يكتبها من الذاكرة بعد المراجعة الجيدة للمحفوظ.

إذا وقع الطالب في الخطأ فينبغي أن يصوِّب له المعلم ما أخطأ فيه من غير توان؛ لأن الأمانة تقتضي ألا يمرر الخطأ مع إمكانية تصويبه، ويكون ذلك من خلال ما يلي:

أ - أن يكون قد تحقق وقوع الخطأ، كأن يكون المعلم قد تبين من سماعه لقراءة اللفظ على غير الصواب، فلا يصوِّب خطأ لم يقع فيه الطالب في الحقيقة لانخفاض صوت الطالب وعدم السماع الجيد من المعلم، وحينها ينبغي أن يستفهمه أولا، فإن تبين له خطئه صوَّب وإلا فلا؛ لما فيه من إضاعة الوقت في تحصيل المحصل، فلا ينفق الوقت إلا فيما هو مفيد.

ب - أن يكون التصويب على قدر الحاجة التي يستقيم معها التصويب، فلا ينبغي أن يستطرد المعلم في بيان علة التصويب، ثم يحوم حول بعض المعاني المتعلقة بالألفاظ محل التصويب، ويتطرق إلى ذكر المباحث اللغوية المتعلقة باللفظ، وإن كان كل هذا حسنا إلا أنه يضيع الوقت المخصص للعرض المجرد، وتبقى أوقات الراحة لمن أراد التفصيل؛ بأن يكتب المعلم ما يودُّ التعليق عليه، ويكتب الطالب ما يود السؤال عنه، ليتم إرجائه إلى وقت الراحة للحديث فيه، أما ما توقف التصويب فيه على إدراك العلة فلا بأس ببيان العلة بيانا لا يضر بالوقت العام، وبما يصل الطالب معه إلى إدراك الصواب.

جـ - أن يكون التصويب للأخطاء واضحا ومحددا، فإن كثيرا من المعلمين يصوِّب الأخطاء للطالب بما لا يتبين معه الطالب موقع الخطأ، ولا كيفية التصحيح، فحري بالمعلم أن يقوم ابتداء ببيان الخطأ ثم بذكر العلاج، أما أن يردَّ الطالب من غير تبيين لوجه التصحيح فهذا الأمر هو الذي يجعل الطالب يقع في نفس الخطأ مرة أخرى؛ لأنه لم يتمكن من تحديد الخطأ ثم تصويبه بناء عن معرفته.

د - إذا وقع الطالب في خطأ كان قد سبق له أن وقع فيه حتى صار في حكم الثابت الذي انخرط في أجزاء المحفوظ، فإن المعلم ينبهه إلى ضرورة كتابته في كراسته الخاصة؛ لمتابعته بالنظر في الكتاب، ثم اختبار نفسه فيه بين الفينة والفينة، ويكتبه المعلم أيضا ليتابعه فيه من حين لآخر؛ حتى يثبت على الوجه الصواب.

المرحلة الثانية: مراجعة الماضي القريب: وفيها يلزم الطالب بمراجعة ما يقدر بمقرر ثلاثة أيام خلت من أقرب الأحاديث لجديد اليوم، عن طريق التسلسل العام التنازلي من آخر المحفوظ؛ أي قرابة ستة وستين حديثا هي الأقرب إلى جديد اليوم، وفي اليوم التالي نبدأ من حيث وقفنا، وفي الثالث هكذا ثم نتوقف ونعود من الحديث الوارد قبل حديث جديد اليوم، أي أن مرحلة القريب تستمر على مدار ثلاثة أيام بالتسلسلي التنازلي، ليدخل فيها قرابة مئتي حديث كل ثلاثة أيام، ووقت هذه المرحلة قرابة ثلث الساعة؛ يقرأ فيها الطالب من حفظه حزب المرحلة.

المرحلة الثالثة: مراجعة الماضي البعيد: وفيها يلزم الطالب بمراجعة ما يقدر بمقرر ستة أيام خلت من أول المحفوظ عن طريق التسلسل العام التصاعدي من أول الكتاب؛ أي قرابة مئة وثلاثين حديثا، ووقت هذه المرحلة قرابة نصف الساعة؛ يقرأ فيها الطالب من حفظه حزب المرحلة المقدر بنحو مئة وثلاثين حديثا، وربما يلجأ المعلم إلى طريقة الانتقاء من جملة المقرر إذ عجز الوقت عن الوفاء بمتطلبات المرحلة، لكن العرض الكامل أفضل وأضبط.

الاختبارات المرحلية= رحلات المراجعات:

الرحلة الأولى: مراجعة الماضي الأسبوعي: وفيها يقوم المشرف العلمي المعني بالمتابعة باختبار الطالب في مقدار ما يراجعه في ثلاثة أيام خلت في مرحلة الماضي البعيد بالترتيب التسلسلي؛ أي قرابة أربعمئة حديث، وفي الأسبوع التالي يتم اختباره في الأحاديث التالية للذي توقفت عنده في المراجعة في الأسبوع الماضي.

الرحلة الثانية: مراجعة الماضي الشهري: وفيها يقوم نائب المشرف العام على المشروع التعليمي باختبار الطالب في مقدار ما يراجعه في ستة أيام خلت في مرحلة مراجعة الماضي البعيد بالترتيب التسلسلي؛ أي بما يقدر بثمانمئة حديث، وفي الشهر التالي يتم اختباره في الأحاديث التالية للذي توقفت عنده المراجعة في الشهر الماضي.

الرحلة الثالثة: مراجعة الماضي الكلي: وفيها يقوم المشرف العام على المشروع التعليمي باختبار الطالب في مقدار ما حفظه على مدار المدة المقررة لانعقاد النسخة التعليمية من الدورة، وهذا هو الاختبار النهائي الذي يتحدد به مراكز الطلاب وتقيمهم، مع اعتماد بقية التقييمات السابقة التي حصلت من المعلم، والمشرف العلمي، ونائب المشرف العام، فالتقييمات تكاملية، وبهذا النوع تنتهي الدورة، ويتحدد المتميزون المشاركون كمعلمين في النسخة القادمة من الدورة.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله