الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

الإقامة لصلاة الجماعة بين التَّعجيل والتَّأخير

سؤال:

ينتظر النَّاس الانتهاء من القرآن الإذاعيِّ الثَّاني الذي تبثُّه إذاعة القرآن الكريم من القاهرة بعد أذان الفجر، ممَّا يتسبَّب في تعب ومشقَّة بسبب الانتظار، فهل يتعيَّن هذا على النَّاس؟ أم تجوز الصَّلاة بعد الأذان بقليل؟

وللجواب أقول:

الصَّلاة بعد الأذان جائزة وصحيحة؛ فالأذان = إعلام بدخول الوقت المجوِّز لبدء الصَّلاة، فلا يجوز تقديم الصَّلاة حتى يدخل الوقت بالأذان؛ قال تعالى: {إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا ‌مَّوۡقُوتٗا} [النِّساء: 103] فإذا دخل الوقت جاز أداء الصَّلاة مباشرة في حقِّ الرِّجال المنفردين والنِّساء في المساجد وغيرها، وكذلك جماعة المساجد من الرِّجال والنِّساء، فليس في المسألة نصٌّ مقيِّد بوقت على وجه الإلزام والتَّحتُّم، وإنَّما يخضع لمصلحة النَّاس؛ لإعانتهم على أداء الصَّلاة في وقتها وفي جماعة؛ قال ابن بطَّال رحمه الله: "قال بعض الفقهاء: "أمَّا ‌كم ‌بين ‌الأذان ‌والإقامة في الصَّلوات كلِّها؟ فلا حدَّ في ذلك أكثرُ من اجتماع النَّاس، وتمكُّن دخول الوقت" [1] وقال ابن حجر العسقلانيُّ رحمه الله: "قوله: "باب ‌كم ‌بين ‌الأذان ‌والإقامة؟" إشارة إلى أنَّ التَّقدير بذلك لم يثبت" [2] لكن يُراعى في جماعة المسجد أمور تعمل على تحقيق الأصلح لمجموعهم في ضوء الحِكم من الجماعة، منها:

1 - استحباب ترك مدَّة يسيرة بعد الأذان تسمح للمرء بالتَّطهُّر، والوضوء، وصلاة ركعتين - سواءٌ كانتا سنَّة وضوء، أو تحيَّة مسجد، أو نافلة الصَّلاة القبليَّة سواء كانت راتبة أم غير راتبة -، واغتنام الوقت في الدُّعاء بين الأذان والإقامة؛ لأنَّه من أنفس أوقات القبول والإجابة؛ لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «الدُّعاء لا يُرَدُّ بين الأذان والإقامة» [3] وتقدَّر هذه المدَّة بما يتناسب مع أحوال النَّاس وما غلب عليهم من إنجاز التَّطهُّر والوضوء والحضور للمسجد وصلاة ركعتين؛ جاء في الموسوعة الفقهيَّة الكويتيَّة: "صرَّح الفقهاء باستحباب الفصل بين الأذان والإقامة بصلاة أو جلوس أو وقت يسع حضور المصلِّين فيما سوى المغرب، مع ملاحظة الوقت المستحبِّ للصَّلاة، وتكره عندهم الإقامة للصَّلاة بعد الأذان مباشرة بدون هذا الفصل؛ لأنَّ المقصود بالأذان إعلام النَّاس بدخول الوقت ليتهيَّئوا للصَّلاة بالطَّهارة فيحضروا المسجد، وبالوصل ينتفِي هذا المقصود، وتفوت صلاة الجماعة على كثير من المسلمين" [4] ويمكن تقديرها في زماننا هذا بنحو 20 دقيقة تقريبًا.

2 - رعاية مصلحة الحيِّ والنِّطاق الجغرافيِّ ليجتمع في صلاة الجماعة أكبر عدد ممكن دون فوات أجر الجماعة عليهم، فمن حكم صلاة الجماعة اجتماع النَّاس عليها، وتلاقي الوجوه، وتصافح الأيدي، وحصول المودَّة بين أفراد المجتمع المسلم، فإذا كانت مصلحة القوم في تأخير إقامة صلاة الظُّهر بعد الأذان نصف ساعة حتى يعودوا من وظائفهم وأعمالهم فلا حرج في ذلك، أو في تأخير إقامة صلاة العصر بعد الأذان نحو ساعة حتى يستيقظ النَّائم من قيلولته لعودته المتأخِّرة من عمله فلا حرج، بشرط اتِّفاق جماعة المسجد على ذلك من غير إكراه لهم أو مشقَّة؛ فالقصد من هذا التَّخفيف لا الإثقال؛ قال الصَّنعانيُّ رحمه الله: "إلَّا أنَّه يُقوِّيها المعنى الذي شُرع له الأذان، فإنَّه ‌نداء ‌لغير ‌الحاضرين ليحضروا للصَّلاة، فلابدَّ من تقدير وقت يتَّسع للذَّهاب للصَّلاة وحضورها، وإلَّا لضاعت فائدة النِّداء" [5]

3 - تفاوت توقيتات الانتظار بين الأذان والإقامة بتفاوت الصَّلاة وما يحتفُّ بها من ملابسات تقتضي ذلك؛ فصلاة الفجر من الصَّلوات اللَّيليَّة النَّهاريَّة؛ فتأتي في آخر اللَّيل وأوَّل النَّهار، فهي فرق بين اللَّيل والنَّهار، وهذا وقت نوم النَّاس، وقد جرت عادة النَّاس - في الأزمان المتأخِّرة إلى يوم النَّاس - التَّأخُّر في النَّوم ليلًا، ممَّا يجعل اليقظة شاقَّة عليهم إلى حدٍّ لا يُقبل، فتأخير إقامة صلاة الفجر أنفع من تعجيلها؛ حتى يستيقظ النَّائم، وينتبه الغافل، ويجتمع على الصَّلاة جموع المصلِّين الرَّاغبين في أداء الجماعة وفيه موافقة الهدي، وإذا اجتمع أغلب أهل الحيِّ من جماعة المسجد كان في تعجيلها النَّفع لهم وإصابة الهدي، فعن ‌عائشة رضي الله عنها قالت: "إن كان رسول الله ليُصلِّي الصُّبح فينصرف النِّساء متلفِّعات بمروطهنَّ، ما ‌يُعرَفن ‌من ‌الغلس" [6] بينما يكون الأنفع في صلاة المغرب تعجيل الإقامة لأنَّه وقت إفطار الصَّائمين مع مظنَّة حصول الصَّوم من بعض المصلِّين، فرعايتهم بتعجيل الإقامة أنفع من التَّأخير عليهم؛ فعن ‌أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "كان المؤذِّن إذا أذن، قام ناس من أصحاب النَّبيِّ يبتدرون السَّواري، حتى يخرج النَّبيُّ وهم كذلك، يُصلُّون الرَّكعتين قبل المغرب، ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء" [7] وعن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: "كنَّا نصلِّي المغرب مع النَّبيِّ ، فينصرف أحدنا، وإنَّه ليُبصر ‌مواقع ‌نَبله" [8] قال النَّوويُّ رحمه الله: "المغرب تُعجَّل عقب غروب الشَّمس، وهذا مجمَع عليه، وقد حُكي عن الشِّيعة فيه شيء لا التفات إليه ولا أصل له، وأمَّا الأحاديث السَّابقة في تأخير المغرب إلى قريب سقوط الشَّفق فكانت لبيان جواز التَّأخير كما سبق إيضاحه، فإنَّها كانت جواب سائل عن الوقت، وهذان الحديثان إخبار عن عادة رسول الله المتكرِّرة التي واظب عليها إلَّا لعذر، فالاعتماد عليها والله أعلم" [9]

4 - الالتزام بما تُقرِّره وزارات الأوقاف وشئون المساجد أو الهيئات المفوَّضة منها في توقيت المدد البينيَّة بين الأذان والإقامة واجب إذا وقع اختلاف بين المصلِّين؛ فرأي وليِّ الأمر رافع للاختلاف، ويجب المصير إليه والاعتماد عليه؛ لحسم مادَّة النِّزاع، وتنزيه بيوت الله تعالى عن وقوع الاختلاف وما يترتَّب عليه من آثار نكِدة تُفسد الصَّفَّ وتزرع الضَّغينة والكراهية، فإذا اجتمعت كلمة جماعة المسجد الواحد على خلافه فلا بأس به؛ فهم أدرى بما ينفعهم، وليس في المسألة نصٌّ مُلزِم.

واعلم - وفَّقني الله وإيَّاك - أنَّ ممَّا يُستأنس به في رعاية التَّوقيتات:

1 - حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: "كان النَّبيُّ يُصلِّي الظُّهر بالهاجرة، والعصر والشَّمس نقيَّة، والمغرب إذا وجبت، والعشاء أحيانًا، وأحيانًا إذا رآهم اجتمعوا عجَّل، وإذا رآهم أبطأوا أخَّر، والصُّبح كان النَّبيُّ يُصلِّيها ‌بغلس» [10].

2 - حديث بريدة بن الحصيب الأسلميِّ رضي الله عنه أنَّ رجلًا أتى النَّبيَّ فسأله عن مواقيت الصَّلاة؟ فقال ﷺ: «اشهد معنا الصَّلاة» فأمر بلالًا فأذن ‌بغلس فصلَّى الصُّبح حين طلع الفجر، ثمَّ أمره بالظُّهر حين زالت الشَّمس عن بطن السَّماء، ثمَّ أمره بالعصر والشَّمس مرتفعة، ثمَّ أمره بالمغرب حين وجبت الشَّمس، ثمَّ أمره بالعشاء حين وقع الشَّفق، ثمَّ أمره الغد، فنوَّر بالصُّبح، ثمَّ أمره بالظُّهر فأبرد، ثمَّ أمره بالعصر والشَّمس بيضاء نقيَّة لم تخالطها صُفرة، ثمَّ أمره بالمغرب قبل أن يقع الشَّفق، ثمَّ أمره بالعشاء عند ذهاب ثلث اللَّيل أو بعضه، فلمَّا أصبح قال : «أين السَّائل؟ ما بين ما رأيت وقت» [11]

وأمَّا ما يُروى في هذا الموضوع من حديث ‌جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أنَّ رسول الله قال لبلال رضي الله عنه: «يا بلال، إذا أذَّنت فترسَّل في أذانك، وإذا أقمتَ فاحدر، واجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرُغ الآكلُ من أكله، والشَّارب من شُربه، والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته، ولا تقوموا حتى تروني» [12] فضعيف.

الخلاصة:

وبعد هذا العرض يُمكن القول بأنَّ رعاية مصلحة النَّاس في المسجد الواحد مقدَّمة على الجمود والتَّقيُّد بنظام صارم لا يتناسب مع جموع المصلِّين، والأمر في هذا راجع لإمام المسجد وإدارته بتعاونهم مع جماعته وروَّده؛ لتحقيق أنفع المنافع وأصلح المصالح لعموم النَّاس؛ فإذا كان المصلُّون من أهل الفجر يجتمعون عقب الأذان مباشرة فلا داعي للانتظار الطَّويل الذي يُجهدهم أو يشقُّ عليهم، وإن تأخَّروا عادةً مع مشقَّة إلزامهم بالتَّبكير كان الانتظار أحسنَ من التَّعجيل؛ لرعاية الأنفع لهم، فالمتعجِّل ينتفع بطول الوقت الذي يغتنمه في الدُّعاء والذِّكر والتَّنفُّل وقراءة القرآن، والمتأخِّر ينتفع بفضل وأجر إدراك تكبيرة إحرام الجماعة الأولى؛ قال الشَّوكانيُّ رحمه الله: "فيه مشروعيَّة ‌ملاحظة ‌أحوال المؤتمِّين، والمبادرة بالصَّلاة مع اجتماع المصلِّين؛ لأنَّ انتظارهم بعد الاجتماع ربَّما كان سببًا لتأذِّي بعضهم، وأمَّا الانتظار قبل الاجتماع فلا بأس به لهذا الحديث، ولأنَّه من باب المعاونة على البرِّ والتَّقوى" [13]

ويُستفاد من مجموع ما ورد في الجواب من نصوص ما يلي:

1 - عدم تحديد وقت معلوم لإقامة الصَّلاة بعد الأذان في عموم الصَّلوات، وإنَّما يخضع الأمر لدخول وقت الصَّلاة، وحضور النَّاس الذي بهم تقوم الجماعة من أهل المسجد الحريصين على الجماعة.

2 - سماحة الإسلام في عدم إلزام جماعة المسجد بما قد تقع به المشقَّة لمجموعهم أو لبعضهم، وإنَّما ترك لهم مجالًا لاختيار ما يتناسب مع مجموعهم لرفع الحرج والمشقَّة والإعانة على الجماعة، وسدًّا للذَّرائع المفضية إلى اختلاف الأمَّة بتحديد ما يقع فيه الخلاف، وترك ما سواه ممَّا يكون في ترك تحديده منفعة.

3 - حرص النَّبيِّ وأصحابه رضي الله عنهم على إقامة الصَّلاة في أوَّل وقتها وفي الجماعة، لما لذلك من أثر كبير على استقامة القلب وصلاح الجوارح؛ فهي عماد الدِّين، وأداؤها على وقتها من أعظم الأعمال.

4 - سدِّ الذَّرائع وإغلاق أبواب الفتنة بإسراع النِّساء في مغادرة المساجد بعد الصَّلاة لئلَّا يجتمعن بالرِّجال في الطُّرقات أثناء الخروج من المساجد؛ لئلَّا تقع الفتنة بالنَّظر والتَّلطُّف والاستحسان واللِّقاء والاستخفاف بالشَّعائر وأماكن العبادة؛ لئلَّا تتحوَّل بيوت الله تعالى إلى نادٍ يختلط فيه الرِّجال بالنِّساء؛ فهذه مفسدة تذهب بروح العبادة، وتؤذن بخراب المجتمعات؛ قال ابن بطَّال رحمه الله: "هذه السُّنَّة المعمول بها أن تنصرف النِّساء في ‌الغَلَس قبل الرِّجال؛ ليخفِين أنفسهنَّ، ولا يتبيَّنَّ لمن لقِيَهنَّ من الرِّجال، فهذا يدلُّ: أنَّهنَّ لا يُقمن في المسجد بعد تمام الصَّلاة، وهذا كلُّه من باب قطع الذَّرائع، والتَّحظير على حدود الله، والمباعدة بين الرِّجال والنِّساء خوف الفتنة ودخول الحرج، ومواقعة الإثم في الاختلاط بهنَّ" [14] وواقع النِّساء الآن في المساجد ومصلَّيات الأعياد عجيب غريب، لا يُقرُّه الشَّرع الشَّريف، ولا يرتضيه المسلم العفيف؛ فقد بلغت الوقاحة، وخفَّة الدِّيانة، وقلَّة العقل، وانتحار الحياء، مبلغًا عميقًا في التَّسفُّل والانحدار حمل النَّساء على التَّساهل في الصَّلاة بجوار الرِّجال دون تمعُّر الوجه واحمرار الخدِّ حياءً كما كان يقع للصَّالحات من النِّساء إذا وقع لها ما تستحيي منه، بل أصبح الكتف في الكتف والقدم في القدم كأنَّهنَّ الرِّجال مع الرِّجال، وما نتج هذا إلَّا بعد زوال المروءة، وذبح النَّخوة، وفساد الأذواق، وانحدار الكرامة عند الرِّجال، فتنسوَن الرِّجال!، وترجَّلت النِّساء!، ووقع الاختلاط بينهما في المساجد وساحات العبادة؛ فأُطلقت الأبصار ووقعت على المفاتن حال القيام والسُّجود والرُّكوع، فجمحت نيران الشَّهوة وأثارت في النُّفوس الخضوع، وخرجت العبادة عن حقيقتها ورُفع من القلب الخشوع:

أَلَا لَيتَ الحَيَاءَ يَعُودُ يَومًا *** فَأُخبِـرُهُ بِمَا فَعَــلَ النِّسَاءُ

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله