توجيهُ: نهي القَوم
أن يقربَ المسجدَ من أكل البصلَ والثَّوم
سؤال وجواب:
الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف المرسلين.
وبعد: فقد وجَّه إليَّ بعض الفضلاء سؤالًا مضمونه: ما علَّة النَّهي عن الاقتراب من المسجد لمن أكل الثَّوم والبصل في قوله ﷺ: «من أكل من هذه البقلة الثَّوم - وقال مرَّة: من أكل البصل والثَّوم والكرَّاث - فلا يقربن مسجدنا؛ فإنَّ الملائكة تتأذَّى ممَّا يتأذَّى منه بنو آدم» ([1]) مع أنَّه حلال؟.
وللجواب أقول:
إنَّ البحث عن علَّة الأمر والنَّهي لارتقاء الإيمان وعلوِّ اليقين بصدق هذا الدِّين لا مانع منه؛ وأمَّا طلبه للتَّشكيك في أحكام الشَّريعة، أو البحث عن ثغرات لردَّ التَّكاليف بحجَّة عدم الاقتناع، فلا يكون من مسلم؛ فالاستسلام المطلق حقيقة الإسلام؛ قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلٗا مُّبِينٗا} [الأحزاب: 36]
علَّة اعتزال المسجد لآكل الثَّوم:
ويُمكن ذكر بعض العلل الظَّاهرة من خلال التَّأمُّل في الحديث الشَّريف كما يلي:
حصول الأذيَّة:
1 - حصول الأذيَّة بها لمن بالمسجد من الملائكة وصالحي الإنس؛ فالمسجد بيئة إيمانيَّة يُقبل فيها العباد على الله تعالى بالصَّلاة والدَّعوة والتعلُّم، وهي أعمال تتلاقى فيها الوجوه، وتتجاور الأجساد، وتتردَّد الأنفاس في محيط المسجد ثمَّ تخيِّم على رءوس العاكفين والرُّكَّع السُّجود، فإن كانت حسنة أمطرت سكينة وخشوعًا وطمأنينة، وإن كانت غير ذلك أمطرت ضيقًا وضجرًا ونفورًا؛ من هنا حرص الإسلام على توجيه المسلمين إلى تنظيف المساجد وتطيبها لتكون أطهر بقعة على وجه الأرض، فهي بيوت الله تعالى، ومعلوم أنَّ بيت الملوك طاهرة نظيفة دائمًا، وبيت ملك الملوك أولى وأعظم وأجلُّ.
تطهير المسلم والمسجد:
2 - تعويد أفراد الأمَّة على النَّظافة الشَّخصيَّة بتنظيف الفم من كلِّ رائحة خبيثة، بهجر الخبيث من المطعوم والمشروب والملفوظ، مع تنظيف الفم والأسنان لئلَّا يعلق المأكول فيه فيُحدث رائحة نتنة جدًّا لا تزول إلَّا بمشقَّة، والاهتمام بتطهير بيت الله تعالى كذلك من كلِّ ما يُؤذي روَّاده من الإنس والملائكة؛ امتثالًا لقول الله تعالى: {وَطَهِّرۡ بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ} [الحج: 26] وقد تحوَّلت بعض المساجد إلى تجمُّعات للطَّعام والشَّراب دون اهتمام بالنَّظافة العامَّة، وهذا ليس من تعظيم الشَّعائر؛ قال تعالى: {ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ} [الحج: 32] فلا ينبغي إدخال مثل هذه المذكورات في المطابخ الملحقة بالمساجد إلَّا أن تكون مفصولة عن ساحات المساجد ومواضع السُّجود؛ لئلَّا يتأذَّى أحد.
أدنى الطَّعام:
3 - كونه من أدنى الطَّعام الذي طلبه بنو إسرائيل من موسى عليه السَّلام، لرغبتهم في تنويع مطعوماتهم طمعًا وتكبُّرًا وإمعانًا في عدم شكر المنعم الجليل، والوصف بالأدنى قابل ما كانوا يطعمونه من طيِّب الطَّعام الذي امتنَّ الله تعالى به عليهم من المنِّ والسَّلوى يأتيهم من غير مشقَّة، فلمَّا تمرَّدوا على النِّعمة، وذكروا أنَّهم لا يصبرون على طعام واحد، وطلبوا ما هو أدنى من رزقهم الذي امتنَّ الله به عليهم، أجابهم الله تعالى إلى ما طلبوه من أنواع الطَّعام الأدنى، وهو بمعنى الطَّعام الرَّديء والمنحطِّ [2] بما يُشعر بالتَّوبيخ والإعراض بتذكيرهم بمصر التي كانوا فيها معذَّبين لعلَّهم يعتبرون بالتَّذكير [3]؛ قال سبحانه وتعالى: {وَإِذۡ قُلۡتُمۡ يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصۡبِرَ عَلَىٰ طَعَامٖ وَٰحِدٖ فَٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُخۡرِجۡ لَنَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلۡأَرۡضُ مِنۢ بَقۡلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَاۖ قَالَ أَتَسۡتَبۡدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدۡنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيۡرٌۚ ٱهۡبِطُواْ مِصۡرٗا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلۡتُمۡۗ وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلۡمَسۡكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ} [البقرة: 61] ووجه كون المذكورات من أدنى الطَّعام أنَّها مطعومات أرضيَّة تُزرع فتنبت في بطن الأرض، ثمَّ تُسقى، ثمَّ تظهر وتنمو، ثمَّ تستوي وتحرث، ثمَّ تؤكل، فبين الزَّرع والأكل زمن جهد وتعب وبذل، وليس ما ينبت في الأرض كالذي ينزل من السَّماء من المنِّ والسَّلوى [4]؛ قال تعالى: {وَظَلَّلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡغَمَامَ وَأَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰۖ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡۚ} [البقرة: 57] لكنَّ طمعهم وتسفُّل همَّتهم حملهم على طلب الطَّعام الأدنى ([5]) دون الأكبر المنعَم به عليهم من الله تعالى.
خبث شجرتها:
4 - أنَّها شجرة خبيثة لها رائحة كريهة، وكان النَّبيُّ ﷺ لا يُحبُّها محبَّة طبع لا شرع، فلم تكن حرامًا، ولكنَّه ﷺ كان لا يُحبُّها ولا يميل إليها؛ ففي الحديث عن أبي سعيد الخدريِّ رضي الله عنه قال: "لم نَعدُ أن فُتحت خيبر، فوقعنا - أصحابَ رسول الله ﷺ - في تلك البقَلة - الثَّوم - والنَّاس جياع فأكلنا منها أكلًا شديدًا، ثمَّ رُحنا إلى المسجد فوجد رسول الله ﷺ الرِّيح، فقال ﷺ: «مَن أكل من هذه الشَّجرة الخبيثة شيئًا فلا يقربنا في المسجد» فقال النَّاس: "حرِّمت، حرِّمت" فبلغ ذاك النَّبيَّ ﷺ فقال: «أيُّها النَّاس، إنَّه ليس بي تحريم ما أحلَّ الله لي، ولكنَّها شجرة أكره ريحها» [6]
ملحقات:
ويُلحق بهذه المذكورات في النَّهي ما أشبهها في علَّة النَّهي من خبث الشَّجرة، وقبح الأصل، وكراهة الرَّائحة، وعليها تُقاس الأكلات النَّفَّاذة كالفسيخ، ويعظم النَّهي إذا كانت محرَّمة كالخمر والتَّبغ والسَّجائر والمخدِّرات وما شاكلها [7]؛ فلا يجمع مع خبث الرَّائحة وقذارتها حرمةَ الفعل؛ لئلَّا يعظم الإثم، ومن صلَّى بجوار مدخِّن علم قُبح ما يصدر من فيه من رائحة لا يُطيقها من له أنف وجهاز تنفُّس.
النَّيء غير المطبوخ:
واعلم أنَّ النَّهي موجَّه إلى هذه الأنواع حين تكون نيِّئة؛ لاشتداد الرَّائحة المؤذية المنبعثة منها، والتي لا تذهب بالمنظِّفات ولا بطول المدَّة، بل تبقى في الفم وقتًا تزداد مع زيادته إذا بقي شيء من أثرها بين أسنانه ولثته، فيتأثَّر المرء بها في خروج الغازات ذات الرَّائحة الكريهة منه، وانبعاثها من فمه، وبذلك يتأذَّى جلساؤه والأقربون منه من الإنس والملائكة.
وأمَّا المطبوخ منها فلا يدخل في النَّهي؛ لانكسار رائحتها المنبعثة المؤذية [8]؛ فالطَّبخ وتسخين المطعومات يُذهب أكثر رائحتها، وما يتبقَّى بعد الطَّبخ يزول بأيسر عوامل إزالته، كالفواكه ذات الرَّائحة الطَّيِّبة، والمنظِّفات النَّفَّاذة الأثر كالمعجون الطِّبِّيِّ، والأدوات المساعدة كالسِّواك والفرشاة، فمن أكل شيئًا من ذلك فليُبالغ في تنظيف فمه بُعيد الأكل لسرعة زوال الآثار.
النَّهي المؤقَّت لا يعني التَّحريم:
إنَّ أكل شيء من هذه المذكورات لا مانع فيه شرعًا، فهو ممَّا أحلَّه الله تعالى، والنَّهي عن الصَّلاة في المساجد مع تناوله لا يعني حرمة أكله؛ لأنَّ النَّهي معلَّل بعلَّة ظاهرة في النَّصِّ، وهي تحقُّق أذيَّة الملائكة [9] وأهل المسجد من رائحتها، فالنَّهي محدَّد بوقت الصَّلاة، فيجوز أكله من غير كراهة أو نهي في غير وقت الصَّلاة، وإهمال ذلك بأكله في وقت الصَّلاة مع الذَّهاب إلى المسجد فعل لا ينبغي تعمُّده لما فيه من الجرأة على فعل المنهيَّات، وفعل ذلك عمدًا مع هجر الجماعة لأجله تعريض بصلاة الجماعة يُجتنب، فمن أراد شيئًا منها فليكن في وقت بعيد عن وقت الصَّلاة بما يكفي لذهاب الرَّائحة، مع العمل على كسر الرَّائحة قبل أكله بالماء واللَّيمون أو القرنفل، وبعد أكله بغسل الفم وتنظيفه بأدوات التَّنظيف، مع تطييب رائحة الفم بالرَّوائح الذَّكيَّة الفوَّاحة.
وفي الختام: هذا ديننا لم يترك شيئًا إلَّا بيَّنه وأحكمه، فليُرنا امرءٌ دينه وما عنده.
والله أعلم وأحكم، وهو أعزَّ وأكرم