المقارنة بين المناهج العقابيِّة في الأديان
إنَّ أقلَّ مُقارنة بين نظام العقوبة في الإسلام وغيره من الدِّيانات والقوانين والأعراف المجتمعيَّة يرى البون الشَّاسع بين عدل الإسلام وتميُّزه في باب العقوبات وبين غيره من الأنظمة الَّتي عجزت مع شدَّتها وقسوتها وجبروتها في المعاقبة أن تصل بالمجتمعات إلى برِّ الأمن وشاطئ الأمان؛ ففي تلك المجتمعات من التَّشريعات ما يسمح بالإعدام بالكهرباء، أو الرَّمي بالرَّصاص، ونحوه، ومع ذلك نرى المجتمع الغربيَّ عاجزًا عن مُواجهة الجرائم والانتهاكات الَّتي تقع من الأفراد والجماعات؛ ذلك لأنَّ العقوبة القاسية الَّتي تفرضها تلك المجتمعات لا تكفي لردع الإنسان وتوقيف نزيف الإفراط في استعمال الشَّهوات بالإسراف في فعل الجرائم؛ والعقوبات في الإسلام تكمل طريقة التَّربية السُّلوكيَّة الَّتي تُسهم في إيجاد الفرد الصَّالح في المجتمع الصَّالح، حيث لم تكتفِ الشَّريعة بسنِّ القوانين والعقوبات الواضحة الَّتي تردع النَّفس وتحول بينها وبين المعصية؛ لأنَّ المرء يُمكنه أن يحتال على القوانين والأعراف بالذَّكاء والمكر والخديعة، فتحدث الجرائم النَّكراء دون أن يتوصَّل المسئولون إلى الجاني لتقرير العقوبة عليه.
العمل على تقوية الضَّمير بالمراقبة
لقد تجاوز الإسلام إلى ما يُعالج النَّفس البشريَّة ويسوقها إلى ترك التَّمادي والتَّجاوز والتَّعدِّي من منطلق الذَّات البشريَّة، والَّتي نجح الإسلام في ترويضها من خلال تقوية الضَّمير بالمراقبة الَّتي تحمل الإنسان على السَّير وفق النِّظام المقرَّر في الشَّريعة وإن غاب عن عُيون النَّاس، واستتر عن يد القانون، فربط الإسلام البعد عن الحرام والجريمة بالإيمان فقال تعالى في وسط الآيات الَّتي تتناول حدَّ الزِّنا والقذف: {يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثۡلِهِۦٓ أبدًا إِن كُنتُم مُّؤۡمنِّينَ} [النور: 17] فالإيمان يربطه بالقيم العالية، والأخلاق السَّامية، ويدفعه إلى الأفضل، ويحول بينه وبين كلِّ فعل سيِّء، وسلطان الإيمان على النُّفوس أقوى من كلِّ قانون، وأشدُّ عليها من كلِّ تشريع، وهذه الفلسفة تستهدف أزكى ما في الإنسان، فتعمل على ربط قلبه بالله تعالى عن طريق التَّقوى الَّتي تدفعه إلى ترك الحرام رعاية لنظر الله تعالى الَّذي لا يغيب عنه، وفعل الطَّاعة لإرضاء الله تعالى والظَّفر بما أعدَّه لعباده في جنَّته دار كرامته، وهذا المعنى لم تستطع أيُّ جهة القيام به، فكثرت الجرائم في المجتمعات المتفلِّتة من أحكام الشَّريعة ولو كانت تفرض من العقوبات أقساها، ومن القوانين أشدَّها؛ فاستقامة الأفراد والمجتمعات لا تتأتى بالعقوبة المجرَّدة، فقد تأتي العقوبة بضدِّ ما شُرعت له من تفلُّت الأفراد وانهيار المجتمعات، لذلك كان لابدَّ من منهج تربويٍّ إيمانيٍّ يسير بالتَّوازي مع العقوبة ليُحدِث في النَّفس من الآثار ما يحمل المرء على الاستقامة الذَّاتيَّة الَّتي تنُبع من الرَّغبة في الثَّواب، مع الخوف من الوقوع في الخطأ هربًا من العقوبة المقرَّرة في الحدود الشَّرعيَّة؛ فهما جناحا الاستقامة، لا ينفكُّ أحدهما عن الآخر، فالمقصد من نظام العقوبات في الإسلام التَّوجيه، والرَّدع والزَّجر، والقصاص، وإصلاح الجاني، وحماية المجتمع، وتهذيب النَّفس، وبثُّ القيم، ومحاربة الرَّذيلة، ودعم الفضيلة، وتنشيط المراقبة، ولا يُراد أبدًا من نظام العقوبة في الإسلام التَّشفِّي أو الإهلاك؛ قال تعالى: {مَّا يَفۡعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمۡ إِن شَكَرۡتُمۡ وَءَامَنتُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمٗا} [النِّساء: 147]
أضرار العلمانيَّة وآثارها
لقد عمل الغرب من خلال أنظمته ودُوله على الفصل بين الدِّين والدَّولة بإقرار العلمانيَّة، فكان من نَتاج ذلك أن خرجت العقوبات عن نطاق الشَّرائع السَّماويَّة لأصحاب الدِّيانات المعتبرة، فسمعنا عن العقوبات الحديثة الَّتي لا تتفق مع روح الأديان، وزادت الكارثة بانفصال العقوبات الجنائيَّة عن الدِّين فلم تُفلح دولة غربيَّة - تعاملت بهذا النِّظام - في التَّغلُّب على الجريمة، بل انتشرت جرائم القتل والسَّرقة والزِّنا والسُّكر والانحراف في جنبات المجتمع حتَّى أصبح مليئًا بها، وهذا لا يخفى على بصير، ويمكن ذكر ما يمتاز به نظام العقوبات في الإسلام عن النُّظم الأخرى في ربانيَّة المصدر الَّذي من خلاله يبين للمرء عظمة وقوَّة النِّظام العقابيِّ في الإسلام.
ربَّانيَّّة المصدر العقابيِّ دليل صلاحه
إنَّ ربانيَّة مصدره تعني أنَّ الله تعالى هو الَّذي قرَّر مضامينه في الشَّرع، وهذا يضمن صلاحيَّة النِّظام للتَّطبيق وتحقيق ما رُسم لأجله؛ لأنَّه جاء من عند الله تعالى العليم بخلقه، وبما ينفعهم، وما يضرُّهم، والمدبِّر لشئون الكون، فلا يخرج شيء عن إرادته، ولا يحصل شيء إلَّا بمشيئته، فكانت نصوص العقوبات ومضامينها معصومة من الخطأ في التصوُّر، والخلل في التَّقدير، والإفراط أو التَّفريط في التَّقرير، فثبوت أصولها بنصٍّ من القرآن الكريم، أو السُّنَّة النَّبويَّة الصَّحيحة، وقد ترك الإسلام مجالًا يسمح بالاجتهاد في العقوبة من خلال النَّظر في الواقع والملابسات، وهو ما يُعرف بـ: (التَّعزير) وهذا على خلاف النِّظام العقابيِّ البشريِّ، فإنَّه يأتي معبِّرًا عن حالة المجتمع الَّذي يملؤه الفساد، ويعمُّ زواياه الجهل، فتخرج الأنظمة العقابيَّة من هذا المجتمع الَّذي يقوم بالتَّشريع فيه من يسرق ويرتشي، ويتعامل بالرِّبا، ويشرب الخمر، ويزني، ويتعدَّى ويجور، وعِلاوة على هذا لا يمكن أبدًا أن يتمكَّن صانعو الأنظمة من فهم النَّفس البشريَّة فهمًا دقيقًا يؤهِّلهم لوضع الأنظمة الَّتي تُعالج القصور، وتصحِّح المسار، فلا شكَّ أنَّ هؤلاء سيضعون من القوانين والموادِّ ما يُحصِّن مكانهم، ويستر فِعالهم، ويخرج فيه نقص وجهل وخلل لا يفي بحاجة النَّفس البشريَّة.
عالميَّة الإسلام وصلاحه لكلِّ عصر ومصر
وربانيَّة المصدر تجعل النِّظام العقابيَّ في الإسلام صالحًا لكلِّ زمان ومكان؛ ذلك لأنَّه جزء لا يتجزَّأ من الإسلام الَّذي جعله الله تعالى دينًا صالحًا لكلِّ جيل ورعيل، فيقتبس النِّظام العقابيُّ صلاحيته من الإسلام العظيم، فلا يتحجَّج متحجِّج بتقدُّم العصر، وتطوُّر الزَّمن، واختلاف الأجيال، فإنَّ الَّذي أنزل الكتاب، وأحكم الشَّريعة، وأتمَّ الرِّسالة، ورضي الإسلام دينًا لعباده من لدن آدم عليه السَّلام إلى ختام النَّبيِّين محمد ﷺ هو الَّذي أمر وقرَّر وشرَّع هذا النِّظام المحكم لمعالجة قصور النَّفس البشريَّة بالإفراط في الشَّهوات وتوجيهها إلى الحرام، فربانيَّة مصدره تميِّزه بالثَّبات والاستقرار وعدم التَّناقض مع مرور الأيَّام؛ لأنَّ الله تعالى عالم بالزَّمان الماضي، والحاضر والمستقبل علمًا لا يحصل معه التباس، فيأتي تشريعه مُراعيًا هذه الأزمان المختلفة، وموفِّيًا بحاجة النَّاس فيها دون تناقض أو تضارب أو حاجة إلى تشريعات زمنِّية أو مكانيَّة.
فساد النِّظام العقابيِّ العالميِّ
وهذا بخلاف الأنظمة البشريَّة القاصرة؛ فإنَّ ما يُناسب جماعة لا يُناسب أخرى، وما يصلح لدولة لا يصلح لأخرى؛ من أجل هذا وجدنا تخبُّطًا في النِّظام العقابيِّ العالميِّ، فقد تتغيَّر النُّظم العقابيَّة من جيل لجيل، ومن مكان لمكان؛ لأنَّها قائمة على الاجتهاد والنَّظر في المصالح والمفاسد الَّتي قد تعجز الأنظمة المشرِّعة عن قراءتها والوقوف عليها، وقد تتغيَّر الثَّقافة بتطوُّر الزَّمن فتتغيَّر التَّشريعات، فما كان محرَّمًا في زمن أصبح مباحًا، بل واجبًا ولازمًا بنصوص القانون؛ كالشُّذوذ الجنسيِّ الَّذي وقفت ضدَّه المجتمعات الغربيَّة أوَّل أمره، ثمَّ سُرعان ما تراجعت وأقرَّت حقوق المثليِّين في اختيار ما يُناسبهم! فالمزاج البشريُّ هو من يتحكَّم في النُّظم العقابيَّة، وكذلك انتقال الإنسان من حالة الجهل إلى المعرفة يسوقه لتعديل النُّظم، ممَّا جعل النِّظام العقابيَّ غير الشَّرعيِّ يتَّسم بالتَّناقض والتَّضارب وكثرة التَّغيير؛ لأنَّ المشرِّعين يعتمدون على معلومات الماضي للتَّشريع للحاضر والمستقبل، مع حصول التَّشويش في الماضي فلم يُطالعوه كلَّه، وبصورة صحيحة، فكثير من معلوماته مغلوطة زوَّرها كتبة التَّاريخ وصانعوه، ونظرتهم للحاضر قاصرة لأنَّها تكون لشريحة معيَّنه لا يجوز أن يصدر تشريع عامٌّ بالاعتماد عليه، ونظرتهم المستقبليَّة لا تخلو من تخرُّص وتوقُّع في غير محلِّه، فثبت أنَّ تشريعاتهم لا تعتمد على مصدر موثوق به، فتخرج مُضطربة مُتضاربة، وهذا لا يحصل في النِّظام العقابيِّ الإسلاميِّ؛ لأنَّه من عند الله تعالى العليم بكلِّ شيء، فكان مُناسبًا يُراعي كلَّ زمان ومكان.
النِّظام العقابيِّ في الإسلام لا يُحابي
وربانيَّة المصدر أيضًا تقضي بالعدل المطلق والسَّلامة من التَّحيُّز والميل لأفراد على حساب آخرين؛ فإنَّ تشريعات الله تعالى وأحكامه لا تعرف المجاملة أو المحسوبيَّة، ولا تُفرِّق بين النَّاس؛ فالجميع عباده، وليس لله حاجة في التَّحيُّز أو الميل، ولا يتِّفق هذا مع كمال عدله، وتمام رحمته، وسعة علمه، من أجل هذا تأتي التَّشريعات على خطٍّ واحد، ولا تعرف من وقع منه ما يستوجب العقوبة، فالكلِّ أمام الشَّريعة سواء، وإذا حصل خلل في تطبيق الأحكام، وتنفيذ العقوبات فهو عائد إلى التَّطبيق لا إلى أصل الحكم والتَّشريع، ومن أعظم الأدلة على العدل في النِّظام العقابيِّ في الإسلام أنَّ العقوبة تُحدَّد بناءً على ما يترتَّب على الجريمة والإفراط في الشَّهوة من آثار تُهدِّد الفرد والمجتمع؛ فالجريمة الَّتي تؤثِّر على الجماعة تأثيرًا خطيرًا تُغلَّظ فيه العقوبة ويجب تنفيذها، وليس فيها العفو أو الصَّفح أو التَّجاوز؛ لما يترتَّب عليها من فساد وإفساد، ولتكون رادعًا لمن يتعدَّى على المجتمعات الآمنة، وهذه العقوبات في الحدود الشَّرعيَّة الَّتي جعلها الله تعالى عقوبة رادعة لمن أفرط في الشَّهوة المحرَّمة فنتج عن ذلك الإسراف في توجيه الشَّهوات لفعل الحرام، وأمَّا إذا كان التَّأثير على الفرد أكثر منه على المجتمع فالعقوبة مغلَّظة كذلك لكن فيها العفو والصَّفح من قِبل الفرد الَّذي وقع عليه الضَّرر بحصول الجريمة، وهذا في العقوبات الجنائيَّة الموجبة للقصاص كالقتل، أو إيذاء العين، ونحوهما، فللمعنيِّ بالأمر العفو أو القصاص، فليست العقوبة مرادة لذاتها، إنَّما يحقُّ التَّنازل عنها؛ لأنَّها متعلِّقة بحقِّ العباد [1]، وأمَّا إذا خفَّ تأثير الجريمة على الفرد والمجتمع فإنَّ الشَّريعة تترك تحديد العقوبة للمخوَّل بتنفيذ الأحكام، ليُقرِّر العقوبة المناسبة مع الموقف. [2]
الأنظمة العقابيَّة البشريَّة منحازة
وهذا بخلاف الأنظمة البشريَّة القاصرة؛ فإنَّ حصول التحيُّز والميل إلى النَّفس أو الجماعة القريبة حاصل في التَّشريعات البشريَّة، فالإنسان ضعيف بطبعه، ويتأثَر بالعروض والمغريات، وهو من جملة من يسري عليهم التَّشريع، فقد تُحدِّثه نفسه بوضع ما يُحصِّنه في قابل الأيَّام حين يترك مهمَّته التَّشريعيَّة ليكون في غبراء النَّاس، فتُصنع القوانين بالمقاسات الَّتي يرغب فيها المشرِّع، وبذلك لا تُحقِّق العدالة في تنفيذها، بل تكون مجالًا واسعا للتعدِّي والتَّجاوز تحت عين القانون وبمباركة من المشرِّع الَّذي أحدث من الثغرات ما يُمكن للفسدة أن يُوجِّهوه التوجيه المنحرف، "فالقانون عرضة لتقلُّبات الحال بين الغالبين والمغلوبين، وفي الغالب فإنَّ القوانين تضعها الطبقة الأقوى لحماية مصالحها" [3] ومما يؤخذ على التَّشريعات الأرضية في ذلك أنها لا تنظر إلى العقوبة من خلال ربطها بالجريمة عن طريق دراسة آثارها العامَّة والخاصَّة، ومن ثمَّ يتم تقرير العقوبة، بل يُقسمونها إلى جنايات وجنح ومخالفات ، ويرتِّبون العقوبة على الجناية ذاتها دون النَّظر إلى تأثيرها على الفرد والمجتمع، ممَّا يجعل العقوبة في كثير من الأحيان لا تتناسب مع الجريمة، وربَّما تدخَّل التَّحيُّز في هذا بصورة ظاهرة من خلال وضع القيود والاستثناءات الَّتي تسمح لهم بتمرير ما يرغبون في تمريره، وهذا بخلاف النِّظام العقابيِّ في الإسلام فكلُّ جريمة لها من العقوبة ما يتناسب معها، من خلال النَّظر إلى حجم الجريمة، وأثرها على الفرد والمجتمع، ويسري على العامَّة والخاصَّة. [4]
الأصل التَّوبة لا المعاقبة
وممَّا يجدر بيانه هنا أنَّ الأصل في الإسلام التَّوبة ومعالجة قصور النَّفس لدى الأفراد، فالعقوبة تأتي حين يصل الأمر للحاكم، فإذا ستر الله تعالى عبده فليُسارع في التَّوبة والاستغفار؛ قال تعالى: {إلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبۡلِ أَن تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهِمۡۖ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} [المائدة: 34] وقد حثَّ النَّبيُّ ﷺ على ستر العُصاة - المستورين غير المجاهرين - وعدم التَّشهير بهم؛ فليس المقصد الفضيحة والمعاقبة، المهمُّ أن يتنبه المرء لما وقع منه مع العزم على التَّوبة والإقلاع؛ حتَّى يسلم الفرد والمجتمع من آثار الإفراط في الشَّهوات، وفي الحديث أنَّ ماعزًا رضي الله عنه أتى النَّبيَّ ﷺ فأقرَّ عنده أربع مرَّات، فأمر برجمه، وقال ﷺ لهزَّال: «لو سترته بثوبك كان خيرًا لك» [5] وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ومَن ستر مسلِمًا ستره الله يوم القيامة» [6] وفي رواية أخرى أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «ومَن ستر مسلِمًا ستره الله في الدُّنيا والآخرة» [7]
النِّظام العقابيِّ يُثمر إصلاح النَّفس
إنَّ النِّظام العقابيَّ في الإسلام يدفع النَّفس إلى البُعد عن مظاهر الإفراط في الشَّهوات؛ لأنَّه نِظام يُعالج النَّفس البشريَّة بالتَّرغيب والتَّرهيب، فيُرهِّبها بما حدَّده من عقوبات رادعة مخوِّفة، ويُرغِّبها بما رتَّبه من أجور وثواب على مَن مَلك نفسه ومنعها من الإفراط في الشَّهوات، ووضع بين هذين من المِلاط ما يبني في القلب مُراقبة الله تعالى في السِّرِّ والعلن، فيزهد في الحرام حبًّا واختيارًا؛ لأنَّ الإيمان بوجود إله قويٍّ مُهيمن على خلقه، قادر على معرفة ما يقع في الخلوات والجلوات، يجزي من أحسن واستقام، ويُعاقب مَن أساء وانحرف، كفيل بأن يُطفِئ في قلب العبد لذَّة المعصية، مع إحلال اللَّذَّة الأعظم الَّتي مَن حُرِمها فقد حُرِم، فخوف العقاب ممَّا يبدأ به المرء طريق الاستقامة، ثمَّ تأتي اللَّذَّة بترك الحرام عن حبٍّ وقناعة وهدوء نفس، وبذلك يثبت نجاح النِّظام العقابيِّ في الإسلام في الوصول بالمسلم إلى درجة القناعة وترك الحرام تحت أثر الإيمان والمراقبة والتَّقوى، لا بسبب سِياط العقوبة والتَّرهيب؛ فإنَّ هذا يكون في البداية ثمَّ تُروَّض النَّفس لطلب الرِّضا والسَّلامة حبًّا وشوقًا إلى ما عند الله تعالى، وهذا من التَّدرُّج الَّذي يسعى إليه الإسلام في تربية المسلمين وتثبيت أقدامهم على طريق الطَّاعة.
(1) ففي الدَّم ثلاثة حقوق:
الأوَّل: حق الله تعالى؛ حيث تجرأ العبد على فعل ما نهاه عنه؛ وهذه أعظم ما في القتل من جريرة؛ حيث جعل العبد ربه أهون النَّاظرين إليه؛ فاستخف بصناعته، وأقدم على إزهاق النفس الَّتي حرمها بغير حق، وإنه لأمر عظيم ليس بالهين، وهذا الحق متروك لله تعالى فإن شاء عفا، وإن شاء عذب.
الثَّاني: حق أولياء الميت؛ حيث حرمهم من وجوده بينهم، وقد يكون الميت معيلا لهم؛ ينفق عليهم، ويرعاهم، وحينها يشتد ألمهم، وتعظم مصيبتهم؛ لأنها تكون من كل جانب؛ حيث حرموا من وجوده، وفقدوا سببا أصيلا يقوم بالاعتناء بشأنهم، وهم حينئذ بالخيار بين العفو, أو الدية، أو القصاص؛ قال الله تعالى: {وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ وَمَن قُتِلَ مَظۡلُومٗا فَقَدۡ جَعَلۡنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلۡطَٰنٗا فَلَا يُسۡرِف فِّي ٱلۡقَتۡلِۖ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورٗا} [الإسراء: 33]
الثَّالث: حق الميت؛ حيث تعدى على أخص خصوصياته، وسلبه حياته الَّتي وهبه الله تعالى إياها، وحرمه من أهله وأولاده وأحبابه، وكل قتيل له حق المطالبة بدمه يوم القيامة؛ وهو حينئذ بالخيار بين العفو والمطالبة بالقصاص في محكمة السَّماء الَّتي لا يُظلم فيها أحد، ولا تضيع فيها الحقوق؛ فعن ابن عبَّاس رضي الله عنهم قال: سمعت نبيكم يقول: «يجيء متعلقا بالقاتل تشخب أوداجه دما يقول: سل هذا فيم قتلني» صحيح: أخرجه الترمذي في جامعه، أبواب: (تفسير القرآن) باب: (ومن سورة النِّساء) برقم: (3029) والنسائي في سننه، كتاب: (تحريم الدَّم، باب: (تعظيم الدَّم، برقم: (3999) وبرقم: (4005) وكتاب: (القسامة) باب: (ما جاء في كتاب القصاص من المجتبى) برقم: (4866).
(2) الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي، لمحمد أحمد أبو زهرة، د.ط، القاهرة، دار الفكر العربيِّ، ص: (52).
(3) الإنسان بين المادية والإسلام لمحمد قطب، ص: (104).
(4) التَّشريع الجنائي الإسلامي مقارنًا بالقانون الوضعي، للقاضي عبدالقادر عودة، د.ط، بيروت، دار الكاتب العربي، د.ت، (1/716) بتصرف كامل.
(5) صحيح: أخرجه الحاكم في مستدركه، كتاب: (الحدود) برقم: (8080) وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي، والنسائي في سننه الكبرى، كتاب: (الرجم) باب: (الستر على الزاني) برقم: (7234) وما بعده، وضعفه الزيلعي قال: "ويزيد بن نعيم روى له مسلم، وذكره ابن حبَّان في "الثقات"، وأبوه نعيم ذكره في "الثقات" أيضًا، وهو مختلف في صحبته، فإن لم تثبت صحبته، فالحديث مرسل" يُنظَر: نصب الراية، لجمال الدين أبي محمد عبدالله بن يوسف بن محمد الزيلعي، تح: محمد عوَّامة، ط.1، بيروت، مؤسسة الرَّيَّان للطباعة والنشر، سنة: 1418هـ/1997م، (3/307).
(6) متفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: (المظالم) باب: (لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه) برقم: (2442) ومسلم في صحيحه، كتاب: (البر والصلة والآداب) باب: (تحريم الظُّلم) برقم: (2580).
(7) صحيح: أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: (الذِّكر والدُّعاء والتوبة والاستغفار) باب: (فضل الاجتماع على تلاوة القرآن والذِّكر) برقم: (2699) وابن ماجه في سننه، أبواب: (السنة) باب: (فضل العلماء والحث على طلب العلم) برقم: (225) والترمذي في جامعه، أبواب: (القراءات) باب: (باب) برقم: (2945).