تعريف النَّقد لغة واصطلاحًا
النَّقد في اللُّغة يطلق ويُراد به عدَّة معان:
تمييز الصَّحيح من الخطأ، وتتبُّع الشَّيء لبيان باطله؛ وفي الغالب تأتي مع النُّقود وفي اللِّسان: "والنَّقد والتَّنقاد: تمييز الدَّراهم وإخراج الزَّيف منها، ونقدتُّ الدَّراهم وانتقدتُّها أخرجت الزَّيف" وقال الأزهريُّ رحمه الله: "ونقدتُّ الدَّراهم وانتقدتُّها، إذا أخرج الزَّيف" [1] وقال الزَّبيديُّ رحمه الله: "وقد نقدها ينقدها نقدًا، وانتقدها، وتنقَّدها، إذا ميَّز جيِّدها من رديئه" [2]
المناقشة والاعتراض على الكلام؛ قال الجوهريُّ رحمه الله: "وناقدتُّ فلانًا إذا ناقشته في الأمر" [3] وقال الزَّبيديُّ رحمه الله: "وناقده في الأمر = ناقشه" [4] وإنَّما كان النَّقد مناقشة لأنَّها من متمِّماته؛ فبها يثبت، وعن طريقها يُدفع، فالبيع والشِّراء لا يتمَّان إلَّا بالنَّقديَّات التي تُسبق بمناقشة من كلِّ الطرفين؛ فالبائع يعرض بضاعته بثمن معلوم، والمشتري يرغب في شراها بثمن أقلَّ، من هنا تأتي المناقشة.
القبض والإعطاء والاستلام؛ قال ابن منظور رحمه الله: "وقد نقدها ينقدها نقدًا وانتقدها وتنقَّدها ونقده إيَّاها نقدًا: أعطاه فانتقدها أي قبضها... فنقدني ثمنه أي أعطانيه نقدًا معجَّلًا... ونقدتُّ له الدَّراهم أي أعطيته فانتقدها أي قبضها" [5] وهذا المعنى يفيد أنَّ النَّاقد المتعرِّض لذكر أخطاء الغير يسلِّم عيوبهم للغير عن طريق ذكرهم وتناولهم بما يقدح فيهم؛ فهو تسليم وإعطاء من هذه الزِّاوية.
إبراز الشَّيء وبيانه بعد النَّظر إليه؛ قال ابن فارس رحمه الله: "النُّون والقاف والدَّال أصل صحيح يدلُّ على إبراز شيء وبروزه. وتقول العرب: ما زال فلان ينقد الشيء، إذا لم يزل ينظر إليه" [6] وقال ابن منظور رحمه الله: " وما زال فلان ينقد بصره إلى الشيء إذا لم يزل ينظر إليه، وينقد الشيء بعينه، وهو مخالسة النظر لئلا يفطن له" [7] فاستراق النظر يُطلق عليه نقد؛ باعتبار ما ينتج عنه من اكتشاف المثالب وإبرازها بالفضيحة والانتقاد الذي يقوم فيه شخص بتوجيه آخر إلى نقص لديه في شيء.
عيب النَّاس وتوجيههم وتلمسُّ زلَّاتهم؛ قال الأزهريُّ رحمه الله: "معنى نقدتُّهم أي عبتهم واغتبتهم" [8] وإنَّما كان النَّقد تلمسًّا لعيب لأنَّ النَّاقد يتعرَّض في نقده لعيوب المنتقد، سواء بحقٍّ أو بباطل؛ لذا كان من معاني النَّقد اللَّدغ؛ قال ابن منظور رحمه الله: "ونقدته الحيَّة: لدغته" [9] وقال المرتضى الزَّبيديُّ رحمه الله: "النَّقد: لدغ الحيَّة، وقد نقدته الحيَّة، إذا لدغته" [10] لما فيه من لدغ الغير باللِّسان.
وقد جاءت التَّعريفات اللُّغويَّة متناسقة مع خطوات النَّقد الاصطلاحيِّ؛ فإنَّ أوَّل ما يتمُّ من مراحل النَّقد تمييز الكلام لمعرفة صحيحه من سقيمه، من خلال معرفة توفُّر شروط القبول في الرِّواية من عدمه، ثمَّ تأتي المناقشة للأقوال الواردة في الرَّاوي جرحًا وتعديلًا بما يُسهم في الوصول إلى الحكم، ثمَّ يأتي دور الأخذ والعطاء في المنقول عن الرَّاوي من نُقول تعدِّله أو تجرِّحه، ثمَّ يُبرزون النَّقد ويظهرونه، ومن خلاله يظهر العيب وبمقتضاه يفضحون الكذَّابين، ويعيبون من نُسب إلى الضَّعف.
تعريف النَّقد في اصطلاح العلماء
النَّقد في الاصطلاح: ومعانيه لا تبعد كثيرًا عن المعاني المستعملة في اللُّغة؛ وقد كثرت تعاريفه، واختلفوا في العلوم الدَّاخلة فيه بين موسِّع في معناه ومشتملاته، ومقتصد فيها، ويمكن تقسيمها إلى قسمين:
الأوَّل: المقتصدون: وهم من عرَّفوا النَّقد الحديثيَّ بما يتضمَّن علم الجرح والتَّعديل والعلل؛ ومنهم الدكتور مصطفى الأعظمي حيث عرفه بأنَّه: "تمييز الأحاديث الصَّحيحة من الضَّعيفة، والحكم على الرُّواة توثيقًا وتجريحًا" [11] فعمل النَّاقد على هذا يحصل بجمع المرويَّات المتعلِّقة بنصِّ الحديث، والنَّظر في أسانيدها وما يتعلَّق بها من تراجم الرُّواة، وما قيل فيهم من جرح وتعديل، وما يترتَّب على ذلك من علل في السَّند، ثمَّ النَّظر في متونها وما يستلزمه من اختلاف بين الرُّواة في الرِّواية، وترجيح الرَّاجح على ما تقرِّره قواعد الرِّواية وضوابط العلم، فالنَّاقد يعتني بنقد السَّند والمتن معًا.
الثَّاني: المتوسِّعون: وهم من أدخلوا في مضامين تعريفهم للنَّقد الحديثيِّ ما ينفصل عن النَّقد لكونه يليه ويعقبه وليس جزءًا منه؛ ففيه إلزام في التَّعريف بما لا يلزم؛ ومنهم الدُّكتور محمد طاهر الجوابي، فقد ذهب إلى أنَّ علم النَّقد الحديثيِّ هو: "الحكم على الرُّواة تجريحًا أو تعديلًا بألفاظ خاصَّة = ذات دلائل معروفة عند أهله، والنَّظر في متون الأحاديث التي صحَّ سندها لتصحيحها أو تضعيفها، ولرفع الإشكال عمَّا بدا مشكلًا من صحيحها، ودفع التَّعارض بينها، بتطبيق مقاييس دقيقة" [12]
فقد تضمَّن التَّعريف زيادة على ما يعنيه النَّقد عند الأئمَّة النُّقَّاد؛ حيث أدخل فيه عمل المحدِّثين من الشُّرَّاح وفقهاء المعنى الذين اعتنوا بشرح النَّصِّ، والعمل على إزالة الإشكال المتوهَّم.
ويمكن تعريف علم النَّقد الحديثيِّ بأنَّه: "طريقة يتَّبعها النَّاقد لمعرفة المقبول من المردود من النُّصوص الحديثيَّة، مستخدمًا في ذلك ملكته، وخبرته، وموروثه العلميَّ في سبر طرق الحديث والحكم عليها؛ للوصول إلى القول بصحَّة الحديث أو عدمه"
وبتتبُّع مصطلح النَّقد في كلام المحدِّثين يظهر أنَّهم استخدموه للدَّلالة على التَّعليل لصحَّة الحديث سندًا من خلال تعليل السَّند ببيان طعن في الرَّاوي يستوجب ردَّ الحديث؛ كسقوط العدالة، أو ضعف الضَّبط، أو مخالفته للأوثق منه، أو متنًا من خلال تعليل المتن بالمخالفة للأصحِّ منه، وهو ما يُعرف بالحديث المعلَّل.
(1) لسان العرب، لابن منظور (3/425) والصحاح؛ للجوهري (2/544).
(2) تاج العروس، للزبيدي (9/230).
(3) الصحاح، للجوهري (2/544).
(4) تاج العروس، للزبيدي (9/234).
(5) لسان العرب، لابن منظور (3/425).
(6) مقاييس اللغة، لابن فارس (5/468).
(7) لسان العرب، لابن منظور (3/426).
(8) تهذيب اللغة، للأزهري (9/51).
(9) لسان العرب، لابن منظور (3/426).
(10) تاج العروس، للزبيدي (9/231).
(11) مقدمة تحقيق التمييز لمسلم، مصطفى الأعظمي صـ (8) يحيى بن معين وكتابه التاريخ، أحمد سيف (1/6).
(12) جهود المحدثين في نقد متن الحديث النبوي، محمد الجوابي، صـ: (94).