المسجد الأقصى وصناعة القادة
إن كلمة دفع، وتوجيه من المربِّي تصنع في الولد الصغير ما عجز السحر عن صنعه، ولله در مربي الأمس، هذا الذي ينعته مثقفو عصرنا بالتخلف، والجهل، والمحدودية في التعامل مع مكنونات الكون، وتناسى هؤلاء الساسة عمدا أن فساد الأجيال المعاصرة يعود في حقيقته إلى ما نعايشه من التقدم التكنولوجي الهائل، والثورة الصناعية، وعهد السماوات المفتوحة، وأما الأجيال الماضية فلقد نفعهم غاية النفع عدم انفتاح الدنيا عليهم، أليس مربو الأمس هم من أبهروا قادة التربية في عصرنا بنماذج مضيئة في سماء العزة والقيادة مازلنا نعجز عن إيجاد صورة ضوئية تقترب منها ولو قليلا لتعود إلى الأمة عزتها، وكرامتها؛ أليس هؤلاء هم من خرَّجوا لنا صلاح الدين الأيوبي فاتح ومحرر بيت المقدس المغتصب على مر الزمان، لقد وجد صلاح الدين قدوة من أب، وشيخ يوجهانه إلى النظر في ملكاته التي وهبه الله إياها، فتربى صلاح منذ اللحظة الأولى على أنه فاتح بيت المقدس، ولم يكتف من رباه على هذا الهدف بمجرد التغني، بل قام من توه بتوجيهه إلى التدرب على أعمال الفروسية التي من خلالها يتأتى تحقيق الهدف المنشود، مع التسلح بسلاح العلم الذي يقوِّي بصيرة القائد، ويوسِّع مداركه، فشبَّ صلاح الدين لا يرى أمامه غاية أكبر من تحرير بيت المقدس من أسره، وفك وثاقه من يد العدو الماكر الذي ينازع المسلمين في إحدى قضاياهم العقدية الكبرى، حتى آلى على نفسه ألا يضحك حتى يسترد بيت المقدس.
البون الشَّاسع بين الأجيال
إن الناظر إلى هذا الأنموذج المشرق يرى البون بينه وبين أجيالنا؛ لقد تربينا على عكس ما تربي عليه أولئك الأبطال؛ نعم تربينا على يد كثير من النخبة والساسة أن قضية فلسطين، والأقصى ليست قضية عقدية، إنما هي قضية شخصية تخص الشعب الفلسطيني، ولا علاقة لبقية الدول بها، وكانت هذه هي المرحلة الأولى، ثم تطور الخطاب الإعلامي في محاولة منه لإقناعنا بتهويد بيت المقدس، حتى خرجت الأجيال الشبابية مثقفة في كل شيء إلا في دينها، ومعرفة تاريخ أمتها؛ فمنهم من لا يعرف شيئا البتة عن تلكم القضية؛ ففي حوار أجرته بعض القنوات مع شباب الجامعات، يسأل فيه المذيع شابا: أين يقع المسجد الأقصى؟ فكان العجب من الجواب حيث قال: يقع بجوار مسجد عمرو ابن العاص في مصر القديمة. وهذا شاب آخر يوجه إليه السؤال نفسه فيقول: إنه يقع في غزة، وقد أخذه المسلمون من اليهود! إلى هذا الحد وصل الانحطاط في تربية ثقافة الشباب المسلم.
صغار لكنَّهم كبار
بل وانظر إلى المربي الأول نظرة إكبار وإعزاز حين تراه يربي محمد بن مسلمة على أنه فاتح القسطنطينية من اللحظة الأولى، بل وينجح في إقناعه بهذه المهمة العظيمة على الرغم من ضعف قوته، وحداثة أسنانه آنذاك، فخرج هذا البطل الكاسر، والفاتح الآسر يشعر بأنه المعني الوحيد بفتح تلك البقعة، ولم يهدأ له بال، ولم يستقر له قرار حتى حقق هدفه المنشود منذ الصبى والطفولة، إنها أمة ربت أطفالها منذ نعومة أظفارهم على تحقيق ما يعجز قادة عصرنا مجتمعين عن التفكير فيه.
ومن أسباب التَّراجع
إذا علمت هذا فقل لي بالله عليك: أي جرم جناه مربو أزماننا على أجيالنا حين فرغوا الجيل من محتواه، وأخرجوا لنا جيلا مشوها ربِّي على كل شيء سوى الأخلاق الكريمة، والسلوكيات القويمة؟ وقد وقع هذا حين انصرف الوالد عن رعيته لجمع الأموال، والتكسب، والبحث عن لقمة العيش، وانشغلت الوالدة عن مسئوليتها بالعمل خارج وكرها، أو الاهتمام بشئون نفسها من رعاية الجمال، والحفاظ على الأنوسة، والتطلع لكل جديد في عالم الأزياء والموضة، وبقيت الأجيال لا تجد من يُشرف على تربيتها، وصناعة هويتها، وتنمية مواهبها، وملكاتها، سوى الإعلام الفاسد الذي يقوم عليه جماعة ممن لا خلاق لهم، ولا إيمان، فوجهوا طاقات الأجيال للخلاعة، والمجون، فمن استحسنوا صوته وجهوه للغناء والطرب، ومن استحسنوا تصنعه للمواقف، وبراعة تقمصه للشخصيات وجهوه للتمثيل والفن، ومن استحسنوا عبقريته في فهم الآلات الهندسية الحديثية وجهوه للإخراج، والمونتاج، وما يتعلق بهذا من أعمال الفن.
دور الإعلام في الخيانة
لقد قام الإعلام بخيانة مواثيق الشرف كلها حين سمح لكل ناعق صاحب فكر منحرف، وسلوك ذميم أن يشارك في صناعة الوعي والثقافة لدى العامة، فخرج طابور من الإعلاميين يتولون تربية أجيالنا على استباحة الرذائل، والنفرة من الفضائل، فاستطاعوا وبجدارة أن يُحققوا ما انتُدبوا له من مخططات تحول الشباب المسلم إلى مسخ لا ولاء له، ولا براء، ولا عقيدة، ولا عبادة، حينها يسهل على كل عدو أن يحتل بلاد المسلمين، ويعيث فيهم قتلا، وتجريحا على مرأى ومسمع من أشقائه في الإسلام والعروبة ممن لم يحن دورهم دون إنكار، وتمعر وجه، فضلا عن الدفاع عن حقوقهم.
لقد برعت وسائل الإعلام المرئية، والمسموعة أن يصلوا بالشباب المسلم إلى حالة من الهذيان، وإنكار الذات، واستحلال الحرام بحجة حرية الرأي والتعبير، واستثقال الحلال بحجة أنه غير مطاق، وليس في حدود التكليف؛ لعدم القدرة، وفهموا الدين بكيفيات، وفهوم بعيدة كل البعد عن مراد الشارع الحكيم.
دور البيت في انحراف الشَّباب
وبعد كل هذا الشتات الذي يعاني منه شبابنا يعودون إلى بيوتهم فيُفاجئون بوالد لا يُصلي، وأم لا تعرف شيئا عن دينها وربما كان الوالدان قد حصلا من الشهادات الجامعية والتخصصية ما يؤهلهما لإسناد أعمال التعليم، وتربية الأجيال في المعاهد، والمدارس، والجامعات، والمراكز المهنية والبحثية، ومع هذا يعجزان عن تربية أبنائهما على القيم، والأخلاق، بل ويسمع الأولاد منهما في البيت كل ألفاظ نابية لا تزرع فيهم إلا العجز، والشعور بالنقص، فأضرا بولدهما من حيث يريدان النفع، فليذهب التقدم إلى الجحيم والبلية، ومرحبا بالعودة للوراء إذا كانت تثمر تلك الثمرات الْمُضية.