طلب العلم ومكانته في الدِّين
إنَّ من أشرف وأنفع ما تشغلون به أوقاتكم في أيَّامكم طلب العلم النَّافع الموصِّل إلى العمل الصَّالح ابتغاء وجه الله تعالى، وعلى الطِّريقة المرضيَّة عند أهل العلم والحِجا؛ فهذا من نعيم الآخرة المعجَّل للعبد أن يتذوَّق طعم المعارف التي ترفع درجته عند الله تعالى فيُبصر بها حقائق الأمور على وجه لا يزيغ معه ولا ينحرف عن طريق الهدى؛ ولـمَّا كانت الاستقامة على طريق الهداية هدف عظيم، وكان التَّعلُّم سبيل تحقيقها، كانت أُسس التَّعلُّم وأصول المعرفة مقصد الصَّالحين، وهدف المؤمنين، بأن يتعلَّموا من الشَّرع الشَّريف ما يكفيهم للعمل والأنس بالطَّاعة؛ فليس مَن عمل عن علم ورويَّة كمن عمل عن جهل وبليَّة؛ فالأوَّل متلذِّذ مستأنس، والآخر متخلِّص متأفِّف.
العلم قسيم بين النَّاس
إنَّ العلم واسع السَّاحة، بعيد السَّاحل، مترامي الأطراف، لا يجمعه كلَّه على الحقيقة أحد، ولا يخلو منه على الحقيقة أحد، فالنَّاس متعاونون في إدراك كافَّة العلوم والمعارف على وجه يغلب عليه الحصر للمأذون في معرفته، وما لم يُؤذن لهم فيه فلا أحدٌ يدريه، وما خفي أكبر بكثير ممَّا ظهر؛ من هذا المنطلق يكفيكم أن تأخذوا من العلوم ما يُصلِح تفكير عقولكم، ويُذهب غيظ قلوبكم، ويُهذِّب منطق ألسنتكم، ويعينكم على تبليغ دعوة ربِّكم.
صلاح النِّيَّة شرط الانتفاع بالعلم
اطلبوا العلم طلب مُخلص يبحث فيه عن النَّجاة والسَّلامة، وانظروا في قلوبكم وعقولكم وجوارحكم بعد كلِّ مسألة تتعلَّمونها، فإن وجدتُّم أثر الإيمان فجدُّوا وتابعوا، وإن عاد التَّعلُّم عليكم بالكبر والغرور والفتنة ومفسدات القلوب والعقول فتوقَّفوا عنه لإصلاح ما فسد ثمَّ استأنفوا مسيرتكم، وأصلحوا نيَّتكم بالإخلاص وتوحيد القصد، وعقولكم بإلجامها وتوقيفها عند حدود النَّصِّ، وجوارحكم بتوجيه كلِّ جارحة إلى العمل الصَّالح الحاصل بعد علم وإخلاص، إنَّكم إن فعلتم ذلك هُديتم لأحسن سبيل، ووقيتم طرق التَّضليل، وأرضيتم بعلمكم وعملكم الملك الجليل.
الهدف الأعظم من العلم= العمل
إنَّ المقصد من العلم الإعانة على العمل على وجه يسلم معه من البدعة والتَّحريف والزِّيادة والنَّقص؛ فالعامل العالم يؤدِّي العمل على نحو صحيح في المقدار والطَّريقة والأهداف؛ فتتحقَّق له الآثار الصَّالحة من الأعمال، بخلاف الجاهل فلا يستقيم له العمل على نحو يُؤدِّي به إلى الانتفاع والارتفاع، وإنَّما يقع في نفسه معنى التَّخلُّص من العبادة على وجه سقوط الإثم بالفعل ولو كان على وجه غير سليم، بخلاف العالم فغايته أبعد من إسقاط الإثميَّة بالفعل، وإنَّما يُريد ما وراء ذلك من بركة الاتِّباع، وآثار الانتفاع، وتحقيق الارتفاع؛ فكونوا على درجة من العلم ترفعكم وتنفعكم.
التَّوجيه إلى ما فيه النَّفع
أما إنَّي لم أجبركم على السَّير في طريق العلم في بادئ أمركم إلَّا لحرصي الشَّديد على توجيهكم إلى الخير في مرحلة تجهلون فيها ما ينفعكم على وجه التَّبصُّر والتَّحقُّق، وهكذا كلُّ إنسان في مقتبل حياته لا يملك من الملكات والقدرات والمهارات ما يُعينه على اتِّخاذ القرارات الأسلم والأكمل، فكان لابدَّ من تدخُّل جهة أخرى تُعينه على التَّوجُّه إلى النَّافع وترك الضَّارِّ، ألا ترى أنَّ الصَّغير قد يهوى فعل ما فيه هلكة؛ كمسِّ النَّار بيده، أو أكل زجاج مكسور، أو اللَّعب بالسِّكين، أو تحطيم الأشياء الثَّمينة، وغير ذلك ممَّا يقع بسبب الجهل بعاقب الأمور، فلو لم يجد الغلام موجِّهًا أهلك نفسه باختياراته.