الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

سبب غزوة بدر الكبرى:

لم يخرج النَّبيُّ ﷺ والصَّحابة رضي الله عنهم من مكَّة المكرمة لرغبة منهم في الخروج منها، بل ضُيِّق عليهم من قِبل أهليهم في مكَّة حتى خرجوا فارِّين بدينهم إلى المدينة التي احتضنت الإسلام وناصرت نبيَّه ﷺ وآوت حملته من الصَّحابة رضي الله عنهم حتى عُظم أمر الدِّين وقام سلطانه وأتمَّه الله تعالى، وانتشر منها إلى أرجاء المعمورة؛ فدان به وله أكثر أهل الأرض.

لقد ترك المهاجرون أرضهم وديارهم وأموالهم حين خارجوا فارِّين بدينهم [1] غير مبالين بالمفقودات من متاع الدُّنيا الفانية، فكلُّ مصيبة دون الدِّين فهيِّنة؛ قال تعالى: {لِلۡفُقَرَآءِ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأَمۡوَٰلِهِمۡ يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗا وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ} [الحشر: 8] وبدأ الصَّحابة المهاجرون رضي الله عنهم دنياهم من الصِّفر أو من تحت السَّالب الأبعد، فعملوا وجدُّوا في أمر دنياهم كما هم في أمر دينهم؛ فالدِّين يوازن أمور حياتهم؛ فالعمل من أجل التَّكسُّب الحلال وعدم الحاجة إلى الآخرين ممَّا حثَّ عليه الإسلام، وعلى هذا كان الصَّحابة.

وقد أحسن الأنصار رضي الله عنهم استقبال إخوانهم من المهاجرين [2]؛ ففتحوا لهم ديارهم، وقسَّموا بينهم أموالهم، ودافعوا عنهم ومنعوهم من طغيان المشركين في مكَّة، وأعانوهم بكلِّ ما تعنيه كلمة الإعانة من معنى؛ قال تعالى: {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِيمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ يُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَيۡهِمۡ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ} [الحشر: 9]

وما أسرع جريان الأيَّام التي جرت بعد الهجرة حتى سمع النَّبيُّ ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم بأنَّ قافلة محمَّلة بالأمتعة والبضائع والأموال يقودها أبو سفيان بن حرب مع نفر من قومه تتَّجه من الشَّام إلى قريش في عودتها من رحلة تجاريَّة؛ فأراد النَّبيُّ ﷺ أن يأخذها منهم تعويضًا لأصحابه رضي الله عنهم عمَّا فوَّتوه في مكَّة من ديارهم وأموالهم الكثيرة التي لا توفِّي بها القافلة مهما كان حجمها، فخرج النَّبيُّ ﷺ مع نفر من أصحابه رضي الله عنهم الذين كانوا معه للاستيلاء على القافلة [3]، ولم ينتظر بقيَّة الصَّحابة خشية أن تفوتهم القافلة، وساعده على الإسراع قلَّة عدد أفراد القافلة، وعدم الرَّغبة في القتال أو النِّزاع؛ قال تعالى: {كَمَآ أَخۡرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيۡتِكَ بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لَكَٰرِهُونَ 5 يُجَٰدِلُونَكَ فِي ٱلۡحَقِّ بَعۡدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلۡمَوۡتِ وَهُمۡ يَنظُرُونَ 6 وَإِذۡ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحۡدَى ٱلطَّآئِفَتَيۡنِ أَنَّهَا لَكُمۡ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيۡرَ ذَاتِ ٱلشَّوۡكَةِ تَكُونُ لَكُمۡ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقۡطَعَ دَابِرَ ٱلۡكَٰفِرِينَ 7 لِيُحِقَّ ٱلۡحَقَّ وَيُبۡطِلَ ٱلۡبَٰطِلَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُجۡرِمُونَ} [الأنفال: 5-8]


(1) وإنَّما أُخرج النَّبيِّ ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم من مكَّة دون قتال أو صدٍّ منهم لعدوان المشركين لأنَّهم لم يُؤذن لهم في العهد المكِّيِّ بالجهاد وردِّ العدوان الواقع عليهم من جمهرة المشركين في مكَّة؛ لقوَّة عدد وعتاد وعدَّة المشركين، مع قلَّة في العدد والعتاد والعدَّة عند المسلمين؛ فلم تكن القوَّة متكافئة، ولحرمة وشرف مكَّة حاضنة بيت الله الحرام فلم تكن ساحة من ساحات القتال والمناوشات، ولهذا كان الأمر بالهجرة إلى المدينة المنوَّرة للخروج من تحت سلطان المشركين، وتكوين قوَّة مقاتلة ومجابهة تواجه عدوان المشركين في مكَّة مع وفرة الأنصار الذين يزيد بهم العدد وتحصل بهم المنعة؛ قال ابن كثير رحمه الله: "وإنَّما شرع الله تعالى الجهاد في الوقت الأليق به؛ لأنَّهم لما كانوا بمكَّة كان المشركون أكثر عددًا، فلو أمر المسلمين - وهم أقلُّ من العُشر - بقتال الباقين لشقَّ عليهم؛ ولهذا لمَّا بايع أهل يثرب ليلة العقبة رسولُ الله ﷺ - وكانوا نيِّفًا وثمانين - قالوا: "يا رسول الله، ألا نميل على أهل الوادي - يعنون أهل منى - ليالي منى فنقتلهم؟" فقال رسول الله ﷺ: «إنِّي لم أومر بهذا» فلمَّا بغَى المشركون، وأخرجوا النَّبيَّ ﷺ من بين أظهرهم، وهمُّوا بقتله، وشرَّدوا أصحابه شذر مذر، فذهب منهم طائفة إلى الحبشة، وآخرون إلى المدينة، فلمَّا استقرُّوا بالمدينة، ووافاهم رسول الله، واجتمعوا عليه، وقاموا بنصره، وصارت لهم دار إسلام ومعقلا يلجؤون إليه؛ شرع الله جهاد الأعداء" تفسير ابن كثير، (5/434).

وممَّا يُشير إلى مرحلة المنع قوله تعالى: {أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمۡ كُفُّوٓاْ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ} [النساء: 77] وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما: أنَّ عبدالرَّحمن بن عوف وأصحابًا له رضي الله عنهم أتوا النَّبيَّ ﷺ بمكَّة فقالوا: "يا نبيَّ الله، إنَّا ‌كنَّا ‌في ‌عزٍّ ونحن مشركون، فلمَّا آمنَّا صرنا أذلَّة" فقال: «إنِّي أُمرتُ بالعفو، فلا تُقاتلوا القوم» فلمَّا حوَّله الله إلى المدينة أُمِر بالقتال فكفُّوا، فأنزل الله عز وجلَّ: {أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمۡ كُفُّوٓاْ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَخۡشَوۡنَ ٱلنَّاسَ كَخَشۡيَةِ ٱللَّهِ أَوۡ أَشَدَّ خَشۡيَةٗۚ} [النساء: 77]" صحيح: أخرجه النَّسائيُّ في سننه الكبرى، كتاب: (التَّفسير) باب: (قوله تعالى: {أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمۡ كُفُّوٓاْ أَيۡدِيَكُمۡ}) برقم: (11047) وصحَّحه الحاكم في المستدرك، كتاب: (الجهاد) برقم: (2377) وقال: "هذا حديث صحيح على شرط البخاريِّ ولم يخرِّجاه" ووافقه الذَّهبيُّ.

ثمَّ أذن الله تعالى للمسلمين - إذن تخيير وإباحة - بالقتال للدِّفاع عن أنفسهم وردِّ العُدوان حين خرجوا من مكَّة إلى المدينة المنوَّرة وأصبحت لهم دولة تمنعهم وتحميهم؛ فنزل قوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُواْۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصۡرِهِمۡ لَقَدِيرٌ} [الحج: 39] قال ابن كثير رحمه الله: "قال العوفيُّ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما: "نزلت في محمَّد ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم حين أُخرجوا من مكَّة" وقال غير واحد من السَّلف: "هذه أوَّل آية نزلت في الجهاد" واستدلَّ بهذه الآية بعضُهم على أنَّ السُّورة مدنيَّة، وعن ابن عبَّاس قال: "لـمَّا أُخرج النَّبيُّ ﷺ من مكَّة قال أبو بكر رضي الله عنه: "أخرجوا نبيَّهم، إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، ليهلكُنَّ" فأنزل الله عزَّ وجلَّ: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُواْۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصۡرِهِمۡ لَقَدِيرٌ} قال أبو بكر رضي الله عنه: "فعرفت أنَّه سيكون قتال" تفسير ابن كثير، (5/433).

ثمَّ انتقل الأمر بالقتال من التَّخيير إلى الوجوب بقتال دفع المعتدي وردِّ العدوان؛ قال تعالى: {وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ} [البقرة: 190] والآية تحضُّ على قتال مَن من شأنه القتال، وتنهى عن التَّعدِّي في الأمر بقتال من ليس له شأن في القتال؛ فلا يُعتدَى على النِّساء والأطفال والعجائز والشُّيوخ والعبَّاد ومن ألقى السَّلام ومن لا حيلة له لعدم حصول المقاتلة منهم؛ وهذه المرحلة تُعلِّم الصَّحابة رضي الله عنهم أخلاقيَّات القتال بنهيهم عن الاعتداء وقتال العزَّل ومن لا شأن لهم في القتال، ومن قلَّب صفحات التَّاريخ الحربيِّ لن يجد هذه الأخلاقيَّات إلَّا في ديننا العظيم.

ويرى البعض أنَّ هذه المرحلة تعمُّ جهاد الدَّفع والطَّلب جميعًا، فلا ينتظر المسلمون الاعتداء من عدوِّهم ليردُّوه بالقتال والمدافعة، وإنَّما عليهم أن يُقاتلوا من يُقاتلهم وأن تكون الهمَّة متَّجهة للقصاص منهم؛ قال ابن كثير رحمه الله: "قال أبو جعفر الرازيُّ، عن الرَّبيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله تعالى: {وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ} قال: "هذه أوَّل آية نزلت في القتال بالمدينة، فلمَّا نزلت كان رسول الله ﷺ يُقاتل من قاتله، ويكفُّ عمَّن كفَّ عنه حتى نزلت سورة براءة" وكذا قال عبدالرَّحمن بن زيد بن أسلم رحمه الله حتى قال: "هذه منسوخة بقوله: {فَٱقۡتُلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡ} [التوبة: 5] وفي هذا نظر؛ لأنَّ قوله: {ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ} إنَّما هو ‌تهييج ‌وإغراء بالأعداء الذين همَّتهم قتال الإسلام وأهله، أي: كما يقاتلونكم فقاتلوهم أنتم، كما قال: {وَقَٰتِلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ كَآفَّةٗ كَمَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ كَآفَّةٗۚ} [التوبة: 36]؛ ولهذا قال في هذه الآية: {وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ ثَقِفۡتُمُوهُمۡ وَأَخۡرِجُوهُم مِّنۡ حَيۡثُ أَخۡرَجُوكُمۡۚ} [البقرة: 191] أي: لتكن همَّتكم منبعثة على قتالهم، كما أنَّ همَّتهم منبعثة على قتالكم، وعلى إخراجهم من بلادهم التي أخرجوكم منها، قصاصًا" تفسير ابن كثير، (1/523).

ثمَّ نزلت آيات الأمر بقتال الطَّلب نحو قوله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلۡكُفَّارِ وَلۡيَجِدُواْ فِيكُمۡ غِلۡظَةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ} [التوبة: 123] وإنَّما تأخَّر جهاد الطَّلب والهجوم ومباغتة العدوِّ في أرضه بالقتال لنشر الإسلام وإعلاء كلمة الله تعالى أعمالًا لمنهج التَّدرُّج المتَّبع في التَّشريع، وفي هذا التَّدرُّج من الحكمة ما هو ظاهر جليٌّ؛ فقد كان المسلمون في أوَّل أمرهم قلَّة مستضعفة يُخشى فناؤها إذا فُرض عليهم قتال غير متكافئ فمنعوا من القتال وردِّ العُدوان في مكَّة لأنَّهم بين ظهراني الكفَّار وفي بلاد سوادها الأعظم محارب عنيد، ثمَّ أُذن لهم في القتال إذنًا عامًّا حين خرجوا إلى المدينة المنوَّرة ورُفعت عنهم يد البطش من المشركين، ثمَّ كان جهاد الدَّفع لحماية دولتهم الوليدة من أن تطالها يد آثمة تُفنيها وتُبيدها، ثمَّ لمَّا قويت شوكتهم، واستقرَّت دولتهم، وكثرت أعدادهم، ودانت لهم ناحيتهم؛ كان الأمر بجهاد الطَّلب والهجوم لنشر الإسلام؛ قال القاضي أبو محمَّد بن عطيَّة رحمه الله: "واستمرَّ الإجماع على ‌أنَّ ‌الجهاد على أمَّة محمَّد ﷺ فرض كفاية، فإذا قام به من قام من المسلمين سقط عن الباقين، إلَّا أن ينزل العدوُّ بساحة الإسلام، فهو حينئذ فرض عين" المحرَّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لابن عطيَّة، (1/289).

(2) لقد ضرب المهاجرون والأنصار رضي الله عنهم أروع الأمثلة في الأخوَّة الإيمانيَّة التي لم تتحقَّق لمن قبلهم ولا لمن بعدهم؛ قال تعالى: {وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} [الأنفال: 63] فكانوا بهذا التَّلاحم خير عون للنَّبيِّ ﷺ على نشر الدِّين؛ فإنَّ الدَّعوة لا يُمكن أن تصل عبر قوم بينهم اختلاف وشقاق؛ قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِهِۦ صَفّٗا كَأَنَّهُم بُنۡيَٰنٞ مَّرۡصُوصٞ} [الصف: 4] وبهذه الأخوَّة استطاع الصَّحابة رضي الله عنهم أن يضربوا أروع الأمثلة في التَّعاون مع النَّبيِّ لتحقيق النَّصر والعزِّ.

لقد تغلغل حبُّ النَّبيِّ ﷺ في قلوب الصَّحابة رضي الله عنهم حتَّى ظهر أثر ذلك على جميع جوارحهم، فقدَّموا أنفسهم وأرواحهم وأموالهم رخيصة في سبيل نصرته وإعلاء راية دينه وازداد شوقهم إليه في حياتهم وبعد مماته ومن نماذج شوق الصَّحب الكريم رضي الله عنهم للنَّبيِّ ما ذكره القرطبيُّ في سبب نزول قوله تعالى: {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَۚ وَحَسُنَ أُوْلَٰٓئِكَ ‌رَفِيقٗا} [النِّساء: 69] حيثُ قال: "وقالت طائفة: إنَّما نزلت هذه الآية لـمَّا قال عبدالله بن زيد بن عبد ربِّه الأنصاريُّ رضي الله عنهم - الَّذي أُري الأذان -: يا رسول الله، إذا متَّ ومتنا كنت في عليِّين لا نراك ولا نجتمع بك، وذكر حُزنه على ذلك فنزلت هذه الآية. وذكر مكِّيُّ عن عبدالله هذا وأنَّه لمَّا مات النَّبيُّ ﷺ قال: "اللَّهمَّ أعمني حتَّى لا أرى شيئًا بعده، فعمي" وحكاه القشيريُّ فقال: "اللَّهمَّ أعمني فلا أرى شيئًا بعد حبيبي حتَّى ألقى حبيبي، فعمي مكانه" وحكى الثَّعلبيُّ رحمه الله: "أنَّها نزلت في ثوبان رضي الله عنه مولى رسول الله ﷺ وكان شديد الحُبِّ له قليل الصَّبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغيَّر لونه ونحَل جِسمه، يُعرَف في وجهه الحزن، فقال له: «يا ثوبان ما غيَّر لونك» فقال: يا رسول الله ما بي ضُرٌّ ولا وجع، غير أنَّي إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتَّى ألقاك، ثمَّ ذكرت الآخرة وأخاف أَلَّا أراك هناك، لأنِّي عرفت أنَّك تُرفَع مع النَّبيِّين وأنِّي إن دخلت الجنَّة كنت في منزلة هي أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل فذلك حين لا أراك أبدًا، فأنزل الله تعالى هذه الآية" الجامع لأحكام القرآن لأبي عبدالله القرطبي، (5/271).

لقد كان مجتمع الصَّحابة رضي الله عنهم مجتمعًا بشريًّا، فلم يكن ملائكيًّا أو نبويًّا معصومًا من الخطأ، فوقع منهم الخطأ الذي قوَّمهم فيه الوحي الشَّريف من قرآن وسنة، وتميَّز الصَّحابة رضي الله عنهم عن كل من جاء بعدهم بكثير من الأمور الَّتي لم تجتمع لغيرهم؛ كنصرتهم وتأييدهم لقضيَّة الإسلام، ونشرهم للدِّين في أقطار الأرض، واجتماعهم مع النَّبيّ ﷺ ورؤيته مع عِظم محبته، والتفانِي في دعمه ونصرته، والمقاتلة عن دينه وشريعته ﷺ، وكأنَّ ما وقع منهم من أخطاء عالجها الوحي كان من أجل تصحيح المسار، وتعليم الأجيال اللَّاحقة كيفيَّة مُعالجة الأحداث والمواقف؛ فقد تميَّزوا رضي الله عنهم بالعودة الصَّادقة السَّريعة إذا وقعوا في الخطأ بسبب طبيعتهم البشريَّة؛ لذلك فهم عدول بتعديل الله لهم، وثقات بشهادة النَّبيِّ ﷺ لهم، ولا ينتقصهم إلَّا مبغض منافق، ولا يُحبُّهم إلَّا مؤمن صادق، فلا يتمُّ إيمان المؤمن إلَّا بمحبَّتهم وموالاتهم ونصرتهم؛ لأنَّهم نقلة الوحيين، وشهود الشَّريعة، وحملة راية الإسلام إلى الدُّنيا، فالطَّعن فيهم طعن في الدِّين كلِّه، وتجريحهم دليل تجريح من جرَّحهم؛ فهم أوَّل هذه الأمَّة، وقد رسموا منهجًا صالحًا لا تصلح آخر هذه الأمَّة إلَّا إذا اعتمدوه وساروا عليه.

(3) قال ابن إسحاق رحمه الله: "ثمَّ إنَّ رسول الله ﷺ سمع بأبي سفيان بن حرب مقبلًا من الشَّأم في عير لقريش عظيمة، فيها أموال لقريش وتجارة من تجاراتهم، وفيها ثلاثون رجلًا من قريش أو أربعون... وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال: "لـمَّا سمع رسول الله ﷺ بأبي سفيان مقبلًا من الشَّام، ندب المسلمين إليهم وقال: «هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعلَّ الله يُنفلُكموها» سيرة ابن هشام، (1/607).

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله