نشأة علم الغريب وتطور مراحله
لقد كان المعنيُّ الأول ببيان الغريب من المعاني هو النبي باعتبارها مهمة جليلة موكولة إليه في المقام الأول؛ قال تعالى: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44] وإنما أُمِر النبي بالبيان مع أن القرآن الكريم نزل في مجتمع عربي خالص؛ أفراده قد تربعوا على عرش الفصاحة البشرية؛ لأن القرآن الكريم نزل بلهجات مختلفة، لأنه كتاب عالمي لم ينزل للقرشيين فقط، بل للأمة كلها، فنتج عن ذلك أن أهل كل لهجة يفهمون بجلاء ما نزل على لهجتهم، بينما لم يفهموا بالطريقة نفسها ما نزل على غير لهجتهم، فكان الصحابة يهرعون إلى النبي ﷺ حين يعجزون عن فهم مراد الله تعالى في كلمة من كلمات القرآن الكريم، فيسقيهم من معين علمه بكتاب الله تعالى ويفسر لهم ما عجزوا عن فهمه.
وبعد وفاة النبي ﷺ توقف كثير من الصحابة ضي الله عنهم عن تفسير القرآن الكريم عامة؛ خشية الوقوع في الكذب أو السهو أو الافتراء على الله ورسوله ﷺ؛ قال السيوطي: "وعلى الخائض في ذلك التثبت والرجوع إلى كتب أهل الفن وعدم الخوض بالظن فهذه الصحابة ضي الله عنهم - وهم العرب العُرَباء، وأصحاب اللغة الفُصَحاء، ومن نزل القرآن عليهم بلغتهم - توقفوا في ألفاظٍ لم يعرفوا معناها، فلم يقولوا شيئا، حتى قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إن أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم؟" [1] ومن الصحابة رضي الله عنهم من شاركوا في التفسير بقوة حتى كثرت النقول عنهم؛ وأوضح من ذكرت مساهماته من الصحابة رضي الله عنهم في التفسير الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
وبكثرة الفتوحات واتساع رقعة الدولة الإسلامية حتى دخل في الإسلام كثير من الأعاجم، واختلطوا بالعرب في كافة المعاملات، حصل تطوُّر كبير في العناية بإحداث العلوم التي تهدف للبيان والتوضيح لعلوم العربية والإسلام؛ فقد ظهر في المسلمين الجهل باللغة العربية وأساليبها ومرادتها حتى أصبحوا لا يفهمون معنى ما يقرءون من كتاب الله تعالى؛ حينها اجتهد التابعون ومن بعدهم في العمل الجاد لكشف اللبس، وتوضيح المعاني، وتجلية العلوم، وتقريب الفهوم، وكان لعلم غريب القرآن نصيب كبير من الاهتمام؛ لتعلقه بفهم كتاب الله تعالى؛ فألفت المؤلفات في بيان غريب القرآن الكريم، وتطورت تلك المحاولات حتى شملت جميع الجوانب المتعلقة بالقرآن الكريم، وأصبح علم غريب القرآن الكريم علما قرآنيا مستقلًّا، ألَّف فيه كبار العلماء واللغويين والمفسرين؛ تيسيرا على الناس الراغبين في فهم ما أشكل عليهم من ألفاظ التنزيل، وتطور التأليف فيه بما يلائم كل عصر، حتى قال السيوطي رحمه الله: "أفرده بالتصنيف خلائق لا يحصون" [2]
أشهر الكتب المعتنية بعلم غريب القرآن الكريم
لما انتهى عصر النبوة المبارك وبدأت عصور الخلافة الراشدة واتسعت الدولة الإسلامية عن طريق الفتوحات التي امتدت في كل ناحية، واختلط العرب بالعجم في المعاملة والزواج ونحوهما، فتأثر اللسان العربي كثيرا بهذا الاختلاط، مما نتج عنه عجمة ظاهرة أدت إلى انتفاض كثير من العلماء للتأليف والتصنيف في علوم شتى لخدمة الناس، وضبط لسانهم، ومن العلوم التي ظهرت الحاجة الماسة إليها علم التفسير لكلام الله تعالى، والذي بدأ يسيرا غير مبسوط ولا متنوع المباحث، وتدرج وتنوع حت أصبح يضم علوما مستقلة ومترابطة تخدم هدفا واحدا وتسعى لجلاء المعنى القرآني وإيضاحه للقارئ، ومن هذه العلوم علم غريب اللفظ القرآني.
أبرز المصنَّفات في علم غريب القرآن الكريم
بدأ التأليف في هذا العلم الجليل منذ القرن الأول الهجري وإلى يوم الناس هذا؛ نظرا لحاجة الناس عبر الأزمان لمعرفة المعاني الغامضة في نص القرآن الكريم؛ وتعتبر البداية الحقيقية في التأليف في علم غريب القرآن الكريم حاصلة في النصف الأول من القرن الأول، وكانت على صورة روايات شفهية؛ كالمنسوبة لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما فهي من بدايات ما أُلِّف في هذا الشأن وأقدم ما وصل إلينا قال السيوطي رحمه الله: "وَأَولى ما يُرْجَع إليه في ذلك ما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما وأصحابه الآخذين عنه؛ فإنه ورد عنهم ما يستوعب تفسير غريب القرآن بالأسانيد الثابتة الصحيحة" [3]
وسوف أكتفي بذكر بعضها، مراعيا الترتيب الزمني:
1- مسائل نافع بنِ الأزرق في غريب القرآن، لعبد الله بنِ عباس (ت: 68ه) رضي الله عنهما وهي أسئلة عن ألفاظٍ غريبة من القرآن، وقد وجهها نافع بن الأزرق (ت: 65ه) للصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وأوردها أبو بكر الأنباري (ت: 328ه) في كتابه: (إيضاح الوقف والابتداء) والسيوطي (ت: 911ه) في كتابه: (الإتقان).
2 - كتاب: (غريب القرآن) لأبي سعيد أبان بنِ تغلب بن رباح الجريري (ت: 141ه) ذكره في كشف الظنون، وفي هدية العارفين، وفي المعجم العربي.
3 - كتاب: (تفسير غريب القرآن) لأبي عبد الله بنِ أنس بن مالك الأصبحي إمام المذهب المالكي (ت179ه) ذكره الزركلي في: (الأعلام).
4 - كتاب: (غريب القرآن) لأبي مؤرج بن عمرو بن الحارث السدوسي (ت: 195ه) نسبه إليه ابنُ النديم في: (الفهرست) وخليفة في: (كشف الظنون).
5 - كتاب: (معاني القرآن) لمحمد بن المستنير قطرب (ت: 206ه).
6 - كتاب: (مجاز القرآن) لأبي عبيدة معمر بن المثنى التيمي (ت: 210ه).
7 - كتاب: (غريب القرآن) لأبي عبد الله محمد بن سلام الجمحي (ت: 231ه).
8 - كتاب: (تفسير غريب القرآن) لأبي محمد عبدِ الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت: 276ه) حققه السيد أحمد صقر، وطبع بالقاهرة سنة 1958م.
9 - كتاب: (غريب القرآن) لأحمدَ بن يحيى بن زيد الشيباني الملقب بثعلب (ت: 291 ه).
10 - كتاب: (نزهة القلوب في تفسير غريب القرآن) ويُشتهر أيضا بـ: (التبيان في تفسير غريب القرآن) لأبي بكر محمد بن عزيز السجستاني (ت: 330ه)، طُبع ببلاق سنة: (1295ه) على هامش كتاب: (تبصير الرحمان) للهائمي، وطبع منفردا بالقاهرة سنة: (1325ه).
11 - كتاب: (معاني القرآن) لأحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس (ت: 338ه).
12 - كتاب: (ياقوتة الصراط في غريب القرآن) لمحمد بن عبدالواحد الملقب بغلام ثعلب (ت: 345 ه).
13 – كتاب: (الإشارة) لأبي بكر محمد بن محمد الحسن الأنصاري الموصلي المعروف بالنقاش (ت: 351ه).
14 - كتاب: (العمدة في غريب القرآن) لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي الأندلسي (ت: 438ه) هو مختصر عن كتابه: (تفسير المشكل من غريب القرآن).
15 - كتاب: (القرطين) لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن مطرف الكناني (ت: 454ه) وقد جمع في كتابه هذا بين كتابي: (غريب القرآن) و: (مشكل القرآن) لابن قتيبة.
16 - كتاب: (المفردات في غريب القرآن) للإمام الراغب الأصفهاني، الحسين بن محمد أبي القاسم (ت502هـ).
17 - كتاب: (الأريب بما في القرآن من الغريب) للإمام أبي الفرج ابن الجوزي (ت: 597ه).
18 - كتاب: (روضة الفصاحة في غريب القرآن) للإمام ابن أبي بكر الرازي (ت: 666ه) صاحب المختار.
19 - كتاب: (تحفة الأريب بما في القرآن من الغريب) لأبي حيان محمد بن يوسف بن حيان (ت: 745ه).
20 - كتاب: (عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ) لأحمد بن يوسف= السمين الحلبي (ت: 756ه).
21 - كتاب: (تفسير غريب القرآن) لابن الملقن سراج الدين عمر بن أحمد الأنصاري (ت: 804ه).
22 - كتاب: (التبيان في تفسير غريب القرآن) لشهاب الدين أحمد بن محمد ابن الهائم (ت 815ه).
23 - كتاب: (غريب القرآن) لابن شحنة سُري الدين عبد البر محمد بن محمد الحلبي (ت921ه).
24 - كتاب: (التيسير العجيب في تفسير الغريب) لأبي العباس الزناتي المكناسي (ت: 1025ه).
25 - كتاب: (تفسير غريب القرآن) للأمير الصنعاني محمد بن إسماعيل اليمني (ت: 1182ه).
26 - كتاب: (رسالة في تفسير غريب القرآن العظيم) لمصطفى بن السيد حنفي الذهبي (ت: 1280ه).
27 - كتاب: (هدية الإخوان في تفسير ما أُبْهِم على العامة من ألفاظ القرآن) للأسير البيروتي مصطفى بن يوسف بن عبد القادر، ولد في بيروت وتوفي فيها سنة: (1333ه) طبعته المطبعة الأميرية سنة: (1891م) وحققه: الدكتور بهاء الدين دارثما، ونشره: مكتبة الإرشاد باسطنبول - تركيا.
28 - كتاب: (كلمات القرآن تفسير وبيان) للشيخ حسين محمد مخلوف (ت: 1355هـ).
29 - كتاب: (معجم ألفاظ القرآن الكريم) وضعه أعضاء مجمع اللغة العربية بمصر؛ وهم: [إبراهيم حمروش، وإبراهيم مصطفى، وعبد الوهاب خلَّاف، وعلي عبد الرزاق، ومحمد حسين هيكل، ومحمد شلتوت، وعبد القادر المغربي، وأحمد إبراهيم، وعلي الجارم، ومصطفى عبد الرزاق] وهو رائع مرتب على حروف الهجاء.
(1) الإتقان في علوم القرآن، لجلال الدين السيوطي، (2/4).
(2) المرجع السابق، (2/3).
(3) المرجع السابق، (2/5).