الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

الضَّوابط والرَّوابط للمواضع المتشابهة

اعلم يا موفَّق أنَّ كلَّ حرف في القرآن الكريم مقصود لذاته؛ لما يترتَّب عليه من المعاني التي لا تكون إلَّا معه، فبدونه تختلف المعاني، ولا يفيد المعنى تشابه المباني، وهذه الألغاز المعنويَّة متعلِّقة بالمدلولات البيانيَّة، فالحرف وموقعه من الجملة القرآنيَّة يؤثِّر في الدَّلالات المعنويَّة بطريقة كبيرة، ولا سبيل لمعرفة الدَّلالات إلَّا بالتَّعمُّق في دراسة بنية الكلمة القرآنيَّة حرفًا، وموقعًا، ومدلولًا، من خلال دراسة النَّحو، والبلاغة، والتَّفسير، فكلَّما قوي حظُّ الباحث من هذه العلوم والمعارف كثُر نصيبه وزاد سهمه من الفوائد والفرائد.

إعراض أكثر الباحثين عن التَّشابه المعنويِّ

وقد أعرض كثير من الكُتَّاب والباحثين المعاصرين - في مجال التَّشابه القرآنيِّ - قضيَّة التَّشابه المعنويَّ، فغاية عنايتهم= التَّشابه اللَّفظيُّ الذي يُكتفى فيه بحصر رؤوس المسألة المتشابهة دون استثمار أصل المسألة وما نتج عنها من حصر للمواضع في الوقوف على أسرار التَّشابه اللَّفظيِّ من خلال النَّظر العميق في مضامين السِّياق القرآنيِّ في المواضع المتشابهة، بهدف الوصول إلى المغزى من وراء التَّكرار؛ لأنَّنا نؤمن إيمانًا عميقًا تتزلزل الجبالُ الشَّوامخُ ولا يتزلزل بأنَّ تكرار الحكيم لا يخلو من حكمة، ولا مانع أبدًا من طلب الحكمة في النَّصِّ، فهي حاصلة كائنة فيه، لكنَّها قد تخفى، ولا سبيل لظهورها واعتمادها إلَّا بالبحث والتَّنقيب عنها بعد تحصيل الأدوات والملكات التي تُعين على ذلك.

مقارنة بين القدامى والمعاصرين في التَّأليف

والنَّاظر إلى العلماء القُدامى يُدرك البون الشَّاسع بينهم وبين المتأخِّرين من العلماء؛ فقد حرص القُدامى على البحث في علم المتشابهات القرآنيَّة اللَّفظيَّة بهدف مزدوج؛ حيث قصدوا الحصر والتَّعديد، ولم يَحرموا أنفسهم من طلب الفوارق بين المتشابه والتَّوجيه من خلال النَّظر إلى المعاني والمدلولات اللَّفظيَّة والمعنويَّة بغية الوصول إلى الحكمة من التَّكرار؛ ليزداد الإيمان، ويرتقي اليقين بصدق القرآن وعلوِّه وتفرُّده في باب الإعجاز والبيان.

مراحل دراسة السمائل المتشابهة

إنَّ دراسة المتشابهات تمرُّ بثلاث مراحل:

الأولى: الحصر وجمع النَّظائر:

وفيها يقوم الدَّارس بحصر عدد مرَّات وروود الجملة القرآنيَّة، من خلال تتبُّع المتشابه في عموم المحفوظ، وهذا أمر يُحسنه عامَّة الحفَّاظ، ومازال النَّاس يحصرون ما تمَّ الفراغ من حصره من مئات السَّنين، في محاولة للعصف الذِّهنيِّ، أو اختبار القدرات، وكتب المتشابهات اللَّفظيَّة مليئة بها، كما أنَّ مؤشِّرات البحث في المصاحف والمكتبات الالكترونيَّة أرخت عزم الدَّارسين، فاستسهلوا البحث من خلالها على إنعاش الذَّاكرة بالبحث والتَّقصِّي، وغاية هذه تثبيت الحفظ والوصول للإتقان.

الثَّانية: الفهم ومطالعة المعاني:

وفيها يبذل الدَّارس جهدًا زائدًا لتحصيل منفعة متعدِّدة الآثار، حيث يقصد كتب التَّفسير وغريب الألفاظ بغية الوقوف على المدلولات المعنويَّة للمواضع، مع العمل على استخراج جملة من الفوائد التَّربويَّة التي تسوقها الآيات في مواضعها المختلفة، بهدف المعرفة، والتَّطبيق، وهذا هو الأصل في التَّعامل مع القرآن الكريم، فإنَّه نزل ليُتدبَّر من خلال النَّظر في معانية ومبانيه للوصول إلى الغاية= وهي تحويل كلام الله تعالى من نصوص منقوشة إلى أخلاق معاشة، وهذه المرحلة لا يُحسنها إلَّا موفَّق أراد أن يصل بالنَّصِّ إلى الغاية التي من أجلها نزل.

الثَّالثة: الضَّبط بالتَّقعيد أو النَّظم أو الجمل أو الرَّوابط والإشارات:

وفيها يقوم الدَّارس بضبط موضع التَّشابه من خلال ردِّه إلى قاعدة معرفيَّة مطردَّة تسهِّل عليه الوصول إلى مواضع الحصر، أو عن طريق نظمه إن كان ممَّن يُحسنه، أو إنشاء جملة مفيدة تحصر له مواضع النَّصِّ، ولا يُشترط في الضَّابط - الذي يُهدف من خلاله إلى إتقان حفظ النَّصِّ القرآنيِّ سواء كان مفردًا أو متشابهًا - سلامة المعنى الذي تضمَّنه الضَّابط، بشرط أن يكون الضَّابط للنَّفس لا للغير، فقد يضع المرء لنفسه من الضَّوابط ما لا يتوافق مع مضمون النَّصِّ الشَّريف، ولا يُمكن لكلِّ أحد أن يقبله، وإنَّما جُوِّز هذا للنَّفس لما فيه من تحقيق الغاية بثبات النَّصِّ الشَّريف، أو إتقان مواضع التَّشابه.

أمَّا إذا كان الهدف للغير من خلال نقله ونشره وتعميمه؛ فرعاية المعنى مطلب مهمٌّ لئلَّا يأخذه البعض ذريعة في تحميل النَّصِّ من المعاني ما لا يليق أو يتحمَّل، وحينئذ يُشترط في الضَّابط الكامل أربعة شروط:

الأوَّل: الاختصار والقصر والتَّيسير، فلا يُقبل فيه الطُّول والحشو والزِّيادة؛ لذهاب الغاية منه بذلك؛ فلو سهُل حفظ ضابط طويل لكان حفظ النَّصِّ كما هو أولى وأخصر.

الثَّاني: أن يكون جامعًا للمواضع تحديدًا وتدقيقًا، مانعًا من دخول غيرها معها، فلا يصحُّ أن يشتمل على بعض كليمات ليست مرادة في المسألة، إلَّا إذا شقَّت صياغة ضابط بدونها، مع وضوحها فلا تشتبه بأسماء السُّور.

الثَّالث: أن يكون ذا معنى حسن، لا يُخالف نصًّا ولا ثابتًا من ثوابت الشَّريعة، ولا حرج أن يتضمَّن معنى مقبولًا بعيدًا عن النَّصِّ، كأن يشتمل على نصيحة أو وصية أو حكمة، ونحو ذلك.

الرَّابع: أن يكون الموضع مستحقًّا للضَّابط كأن يكون طويلًا تعدَّدت مواضعه، أو اشتمل على نِكات إعرابيَّة تحتاج إلى تنصيص وضبط، أمَّا إذا كان قصيرًا أو مختصرًا فلا حاجة لذلك، فيكفيه حفظ الموضعين.

مثال الضَّابط الصَّحيح الكامل: (شاور إبراهيم لقمانَ بسبأ) للتَّعبير عن مواضع قوله تعالى: {إِنَّ في ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ ‌صَبَّارٖ شَكُورٖ} فلا مانع من استعماله كضابط مختصر، جامع، مانع، له معنى حسن؛ حيث يدلُّ على التَّشاور ويُلفت النَّظر إلى أهمِّيَّته.

وهذه مسألة اجتهاديَّة لا نصَّ فيها عن الأيمَّة الأعلام يلزم اتِّباعه، فالأمر فيها واسع، وإنَّما هي مدارس ومذاهب بغرض التَّقنيين والضَّبط، وتسهيل حفظ النَّصِّ على الحفَّاظ، لاسيِّما مع كثرة التَّشابه، وشرود الذِّهن.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله