الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

صفات الفاروق رضي الله عنه في زمن إمارة المؤمنين

للفاروق الأوَّاب عمر بن الخطَّاب صفات في زمن إمارته يحسن تسليط الضَّوء عليها:

1 - مراقبة الله تعالى في الرَّعيَّة:

لقد ضرب الفاروق عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه أعظم المثُل في القيادة الصَّالحة التي استقى أصولها من النَّبيِّ  والصِّدِّيق أبي بكر رضي الله عنه، فكان قائمًا في الخلافة وقيادة الأمَّة بعدهما بسيرتهما، وعلى جلالة قدره وقوَّة شخصيَّته وشدَّته المعروفة عنه إلَّا أنَّه كان يخاف الله تعالى في الرَّعيَّة ويُدرك حجم المسئوليَّة العظيمة التي تحمَّلها، وكان يفرُّ منها منذ اللَّحظة الأولى التي رشَّحه فيها الصِّدِّيق رضي الله عنه في سَقيفة بني ساعدة، واستمرَّ فراره منها إلى أن وقع إجماع من الصَّحابة رضي الله عنهم على تعيينه ؛ فاستخلفه أبو بكر الصدِّيق رضي الله عنه في نهاية خلافته الرَّاشدة، وقد تولَّى الخلافةَ عمرُ رضي الله عنه وهو لها كاره غير ساعٍ، فعمل فيها بالسَّويَّة، وعدل في القضيَّة، وخاف ربَّ البريَّة، فكان يُراقب الله تعالى في رعيَّته فيُصلح لهم معايشهم، ويقوم على معالجة أمورهم، ويُمهِّد لهم الطُّرق، ويضبط لهم الأمن والأمان، ويُقيم الشَّريعة، ويحكم بالعدل، ويفرَّ من الظُّلم والطُّغيان، وكان ربَّما يحمل الشَّيء على ظهره ليذهب به إلى محتاج أو فقير، وحين أصابت الناسَ المجاعة والقحط في عهد عمر رضي الله عنه كان لا ينام اللَّيل إلَّا قليلًا، ولا يجد راحة في ليل أو نهار، وكلُّ همِّه أن يدفع خطر المجاعة والشِّدَّة عن رعيَّته، ومازال كذلك حتَّى تغيَّر لونُه وهزُل جسمُه، ولم يُميَّز نفسه ولا أهله بشيء عن الرَّعيَّة، بل ربَّما اشتدَّ على نفسه وأهل بيته بحرمانهم من بعض حقوقهم العامَّة لصالح عموم المسلمين، ولم يعهد بالخلافة لأحد من أهله من بعده؛ فلم ير فيها ما يحمله على توريثها أو نقلها إلى نسله من بعده كما يفعل النَّاس اليوم، ومع هذا كان يبكي خوفًا من هذه المسئوليَّة العظيمة ويتمنَّى أنه ما وليها ولا تحمَّلها في يوم، بل كان يتمنَّى أنَّ لم يكن.

2 - مراقبة الولاة والقادة والعمَّال:

كان عمر رضي الله عنه يُحسن اختيار عُماله على الأمصار، ويُتابعهم بالوصايا والتَّوجيهات التي تحثُّهم على القيام في الرَّعيَّة بالعدل والدِّين، وكانت سياسة عمر رضي الله عنه مع الولاة والعمَّال الذين يعيِّنهم على الأمصار واضحة لا تُجامل أحدًا منهم، ولا يسلم أحد من المحاسبة والسُّؤال والاستجواب وردِّ ما وقع فيه شبهة من ماله إلى بيت مال المسلمين، وربَّما وصل الأمر إلى العزل والاستغناء، ويُعمل مبدأ الثَّواب والعقاب مع عُمَّاله وولاته، وكان يعتمد في ذلك على المقارنة بين مال الولاة والعُمَّال قبل الولاية وإلى زمن المحاسبة، مع طلب الدَّليل على ما يقوله مَن زاد ماله أو قلَّت العهدة التي في يده، وكان لحكمته حنكته وخبرته بشئون الحكم لا يُخادع ولا يقبل بما يسمع، بل يستوثق ويحتاط ويتحرَّى، وكان يضرب بنفسه مثالًا يُحتذَى به في الأمانة والعدل والتَّجرُّد والسَّلامة من الفساد والظُّلم، وخطب في النَّاس فقال رضي الله عنه: "إنِّي لم أَبعث عُمَّالي ليضربوا ‌أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم، فمن فُعِل به غيرُ ذلك فليرفعه إليَّ أقصُّه منه" قال عمرو بن العاص رضي الله عنه: "لو أنَّ رجلًا أدَّب بعض رعيَّته أتقِصُّه منه؟ قال: إي، والذي نفسي بيده ألا أقِصُّه، وقد رأيت رسول الله  أقصَّ من نفسه" [1] وهذا المسلك الذي سار عليه الفاروق عمر رضي الله عنه يُقرِّر للنَّزاهة والسَّلامة الإداريَّة والماليَّة والقياديَّة، وقد غاب عنَّا هذا المعنى في مجتمعاتنا لكثرة الاختلاسات والسَّرقات والرَّشاوى ومظاهر الفساد الماليِّ والإداريِّ الذي لم تسلم منه الجهات المعنيَّة بالرِّقابة والمحاسبة!.

3 - حُسنُ سياسته للرَّعيَّة، وقوَّته في إدارة الدَّولة:

فلقد كان عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه نموذجًا صالحًا للقيادة وحُسن الإدارة؛ وفي الحديث أنَّ النَّبيَّ  قال: «بينا أنا نائم، رأيتني على قليب عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثمَّ أخذها ابن أبي قحافة، فنزع بها ذنوبًا أو ذَنوبين، وفي نزعِه ضعف، والله يغفر له ضعفه، ثمَّ استحالت غَربًا، فأخذها ابن الخطَّاب، فلم أر ‌عبقريًّا من النَّاس ينزع نزع عمر، حتَّى ضرب النَّاسُ بعَطَنٍ» [2] وهذا الحديث يُبيِّن ما وقع من خلافة الصِّدِّيق رضي الله عنه وأنَّها لم تكن طويلة، فقد استمرَّت سنتين وثلاثة أشهر، وأُشير إليها بالذَّنوبين، ثمَّ كانت خلافة أمير المؤمنين عُمر بن الخطَّاب رضي الله عنه - ستَّ سنوات وعشرة أشهر - فتحًا وخيرًا وتوسُّعًا ونشرًا للخير حتى ارتوى النَّاس، ومن النَّبيِّ  وصاحبه أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه استقى الفاروق سياسته في إدارة دولة الإسلام التي اتَّسعت يومًا بعد يوم، وهذا المعنى جدير بتنشئة القادة عليه، فلا سبيل لصلاح الرَّعيَّة إذا وليها ضعيف الإدارة، فاسد الطَّريقة، ويكثُر القادة عبر التَّاريخ ويظلُّ عمر رضي الله عنه علامة بارزة في تاريخ القيادة في الدُّنيا.

4 - الاجتهاد في الأحكام الشَّرعيَّة وفي إدارة الأزمات:

لقد كان عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه مجتهدًا ذا نظر ثاقب وملكات قويَّة وأدوات علميَّة وفهم سديد أهَّلته كلُّ هذه الوسائل إلى الاجتهاد في تقرير الأحكام للمستجدَّات على السَّاحة في زمنه، وقد وقعت أحداث كثيرة في عهده أفتى فيها باجتهاده، وهو داخل في باب إدارة الأزمات، ومن ذلك ما كان من:

تعطيل حدِّ السَّرقة في عام الرَّمادة الذي حدثت فيه المجاعة القاسية في شبه الجزيرة العربيَّة، فقد وقع القحط والجدب، وماتت المواشي، واشتدَّ الخطب، وقدم النَّاس من البادية إلى المدينة يستنجدون بها، ومات خلق كثير، وهبَّت الرِّياح برمال وأتربة فعُرف بعام الرَّمادة، وفيه أوقف عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه حدَّ السَّرقة توقيفًا مؤقَّتًا لعدم توفُّر دواعيه المفضية إلى تنفيذه [3]؛ لأنَّ السَّرقة بدافع المحافظة على النَفس من التَّلف بتحصيل الطَّعام والشَّراب، فقد انتفى عنصر الاختيار ووقعت السَّرقة تحت سيف الاضطرار، وهذه شبهة اعتمادها عمر في درء الحدِّ، والفاروق رضي الله عنه بهذا الاجتهاد ليس معتديًا على أحكام الشَّريعة، بل إنَّ موقفه لا يتعدَّى الشَّريعة ولا ينقض أركانها، لأنَّه إعمال لروح الشَّريعة الغرَّاء التي جعلت حفظ النَّفس من الكلِّيَّات الخمس التي جاء الشَّرع بحفظها، ومن ذلك أيضًا أنَّه أجَّل دفع الزَّكاة وجبايتها عام الرَّمادة لما وقع للنَّاس من خسارة كبيرة في الزُّروع والثِّمار والدَّوابِّ والأموال والأنفس، فلم يجمع عليهم خسارة الفقد والمطالبة بما ليس معهم أو يُعجزهم إخراجه في هذه المحنة، فلم يُسقطه عنهم ولكنَّه أجَّله لما بعد المجاعة، فكان التَّأجيل أسلم لهم وأرعى لأحوالهم، ثمَّ لـمَّا انكشفت الغمامة وتلاشت المحنة وولَّى الجدب وعمَّ الخير استردَّ عمر رضي الله عنه زكاة عام الرَّمادة من النَّاس، وبهذه الحكمة الكبيرة استطاع إدارة هذه الأزمة القاسية حتَّى رفعها الله تعالى عنهم، وأظهرت المحنة مهارة وفطنة وقوَّة عمر رضي الله عنه في إدارة الأزمات ومعالجة المشكلات التي تعرَّضت لها الدَّولة الإسلاميَّة في عهده رضي الله عنه.

5 - الحفاظ على السُّنَّة النَّبويَّة:

وذلك من خلال تقرير منهج التَّحرِّي والدِّقَّة في نقل الرِّوايات؛ فكان عمر رضي الله عنه حريصًا على صحَّة النُّقول المرويَّة عن النَّبيِّ  حتَّى لا يقع فيها التَّحريف أو التَّبديل أو الزِّيادة أو النَّقص، وهذا منه من باب الاحتراز والتَّأكيد والاحتياط؛ فأمر بالتَّقليل من الرِّواية لمزيد ضبطها وإجادتها، وهدف من خلال سياسته إلى التثبُّت في الأخبار والتَّحرِّي في النَّقل؛ فالحديث عن رسول الله  شديد، ولئلَّا تطغى على القرآن الكريم بكثرتها [4]، وكان يشتدُّ في طلب التَّثبُّت من المرويَّات قبل روايتها، مع التَّوجيه إلى الإقلال منها للسَّلامة من الخطأ، ولم يمنع الرِّواية بالعموم كما يُقرِّر البعض، بل لقد عزم على جمع السُّنَّة وكتابتها كما كان أمر القرآن الكريم، واستشار الصَّحابة رضي الله عنهم في ذلك فوافقوه، ثمَّ استخار الله تعالى شهرًا حتى أعرض عنها خشية أن ينصرف النَّاس عنها بالقرآن الكريم، وهذا سبب وجيه.

6 - إقامة العدل واستتباب الأمن:

لقد عمل عمر رضي الله عنه بالعدل حتَّى أصبح مضرب المثل فيه؛ فيقولون: (عدل عمر) فأقام الحدود، وفرض العقوبات الرَّادعة على المفسدين، وقضى على مظاهر الطَّمع والانحراف في عهده، ولم يسلم في ولايته مجرم من المحاسبة والقصاص بالعدل والقسطاس المستقيم، ومن كمال عدله وملامح منهجه إقامته له على نفسه وخاصَّته من أهل بيته وعُمَّاله وولاته على الأمصار دون تفرقة أو محاباة أو مجاملة؛ فاقتصَّ للضَّعيف من القويِّ، حتَّى استتبَّ الأمن والأمان في الرَّعيَّة، وأمنت الدَّولة في عهده حتَّى قيل: "حكمت فعدلت؛ فأمنت؛ فنمت يا عُمر" أو: "هذا والله هو الملك الهنيء"

ومن ملامح العدل في عهده رضي الله عنه أنَّه عمل على إقامة العدالة الاجتماعيَّة بتوزيع الثَّروات والأموال والغنائم والفيء وما في بيت مال المسلمين على الجميع بالعدل والاستقامة فلم يُظلم أحد في عهده المبارك رضي الله عنه، وقد بلغ عدله الأقلِّيَّات غير المسلمة في حدود الدَّولة المسلمة؛ فكان يُسقط الجزية عن ضعيفهم وكبيرهم وفقيرهم، وكان يحفظ لهم حقوقهم في الحرِّيَّة والعبادة، ويُنصفهم في القضاء، ويمنحهم الأمان والسَّلامة على أنفسهم وأموالهم وأولادهم ودور عبادتهم، ومعلوم ما أعطاه لأهل إيلياء من عهد الأمان الذي يُدرَّس الآن في أرقى الجامعات في التَّخصُّصات الحقوقيَّة والقانونيَّة.

7 - كثرة الفتوحات الإسلاميَّة واستكمال فتح القدس:

لقد اتَّسعت الدَّولة الإسلاميَّة في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه وكثرت المعارك والحروب على جبهات مختلفة حتى تحقَّق فتح دمشق حصن الشَّام عام: (14ه) بقيادة أبي عُبيدة بن الجرَّاح رضي الله عنه، ثمَّ فُتحت بلاد فارس= إيران عام: (15ه) حيث دارت موقعة القادسيَّة بقيادة سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه، ومنها انطلقت الجيوش إلى بلاد خراسان حتَّى فتحها الله تعالى عليهم وقضوا على وجود الفرس في هذه المنطقة، ثمَّ فُتح بيت المقدس من غير قِتال حين توجَّهت الجيوش الإسلاميَّة بقيادة أبي عُبيدة بن الجرَّاح رضي الله عنه بعد فتح دِمشق فحاصرت بيت المقدس حصارًا شديدًا فلمَّا آيس أهلُها من نجدة الرُّوم لهم استسلموا وسلَّموا المدينة بشرط قُدوم أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب من المدينة المنوَّرة إليهم ليستلم مفاتيح بيت المقدس بنفسه، ثمَّ اتَّجهت جيوش المسلمين بقيادة عمرو بن العاص رضي الله عنه إلى مصر ففتحتها لقوَّتها الاقتصاديَّة وغناها وتتبُّع ما فيها من حامية الرُّوم، وتحصين فلسطين وبلاد الشَّام لأنَّها بوابتها الجنوبيَّة من ناحية قطاع غزَّة، ومصر إحدى البلاد التي تُعرف بدول الطَّوق التي تطوِّق فلسطين من جهاتها، وتمَّ فتح مصر وأصبحت ضمن رقعة الدَّولة الإسلاميَّة، وولَّى الفاروق عمر رضي الله عنه القائد عمرو بن العاص رضي الله عنه عليها، ولم تتوقَّف الفتوحات عند حدود مصر، بل امتدَّت إلى برقة والعراق وحمص وبعلبك بما يُمكن أن نقول: طهَّرت جيوش المسلمين في عهد الفاروق عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه الشَّام وما حولها من دنس الفرس والرُّوم، واتَّسعت دولة الإسلام وامتدَّت دعوته وبُسطت هيمنته على بلاد تلك المنطقة الأهمِّ في تاريخ البشريَّة.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله