اهتمام صلاح الدِّين بترسيخ مذهب أهل السُّنَّة في مصر بدأ صلاح الدِّين في خطَّته الإصلاحيَّة من خلال إقامة الدِّين في مصر على مذهب أهل السُّنَّة والجماعة؛ حيث عزل قضاة الشِّيعة [1] ، وأبطل الأذان الزَّائد، وألغى أصول المذهب الشِّيعيِّ الإسماعيليِّ، وأدخل الثَّناء على الخلفاء الرَّاشدين في الخطبة، وأسَّس مدرستي النَّاصريَّة والكامليَّة لتدريس الشَّريعة على مذهبي المالكيَّة والشَّافعيَّة، وكانت هذه الإجراءات انتقالة من الشِّيعة كمذهب رسميٍّ للدَّولة إلى السُّنَّة، وثبتت مصر على سنِّيَّتها منذ ذلك التَّاريخ إلى يوم النَّاس [2] .
عاد صلاح الدِّين إلى مصر وبعد غياب سنتين في الحروب والمعارك، وبدأ في إصلاح كثير من أمورها، وبنى المدارس لتعليم العلم، وتابع شئون الدَّولة بنفسه، واعتنى بالمؤسَّسات الاجتماعيَّة للتَّخفيف عن النَّاس، والتزم بالإنفاق على الفقراء والغرباء، وأصبح مسجد ابن طولون مكانًا يقصده الوافدون، واستقامت أحوال مصر في عهده المبارك [3] .
(1) قال ابن كثير رحمه الله: "وفيها - سنة سبع وستِّين وخمسمئة - عزل صلاح الدِّين قُضاة مصر؛ لأنَّهم كانوا شيعة، وولَّى قضاء القُضاة بها لصدر الدِّين عبدالملك بن درباس المارانيِّ الشَّافعيِّ، واستناب في سائر المعاملات قضاة شافعيَّة، وبنى مدرسة للشَّافعيَّة وأخرى للمالكيَّة، واشترى ابن أخيه تقيُّ الدِّين عمر بن شاهنشاه دارًا كانت تُعرف بمنازل العزِّ، وجعلها مدرسة للشَّافعيَّة، ووقف عليها الرَّوضة وغيرها، وعمَّر صلاح الدِّين أسوار البلد، وكذلك أسوار إسكندريَّة، وأحسن إلى الرَّعايا إحسانًا كثيرًا، وركب فأغار على بلاد الفرنج بنواحي عسقلان وغزَّة، وخرَّب قلعة كانت لهم على أيلة، وقتل خلقًا كثيرًا من مُقاتلتهم، وتلقَّى أهله وهم واردون من الشَّام، واجتمع شمله بهم بعد فرقة طويلة، وفيها قطع صلاح الدِّين الأذان بحيِّ على خير العمل من ديار مصر كلِّها، وشرع في تمهيد الخطبة لبني العبَّاس على المنابر" البداية والنِّهاية، لابن كثير، (16/447).
(2) قال أبو شامة رحمه الله: "فلمَّا أوقع السُّلطان الملك النَّاصر بالسُّودان والأرمن، ونكب أمراء المصريِّين وقطع أخبارهم، ونزَّل أجناده في دورهم، ثم قطع إقطاع العاضد، وقبض جميع ما كان بيده من البلاد، واستولى على القصور، ووكَّل بها وبمن فيها قراقوش الخادم، وخلت له بلاد مصر من مُعاند ومُنابذ ثمَّ شرع وأبطل من الأذان حيَّ على خير العمل، وأنكر على من يتَّسم بمذهبهم الانتساب إليهم" الرَّوضتين في أخبار الدَّولتين، لأبي شامة، (2/198).
(3) لم يكتف صلاح الدِّين بما أحدثه من إصلاحات عمرانيَّة واجتماعيَّة، بل اهتمَّ بإقامة العدل بين الرَّعيَّة والحكم بما أنزله الله تعالى؛ لأنَّه لا يمكن أبدًا رفع الاعتداء الخارجيَّ قبل رفع الاعتداء الدَّاخليِّ؛ فإنَّ الظُّلم ظلمات حالكة تُدخِل البلاد والعباد أمواج من الفتن والبلاء؛ فإنَّ الله تعالى لا ينصر الظَّالم ولا يُمكِّن له؛ لئلَّا يغترَّ النَّاس به، فعمل بو المظفَّر السُّلطان صلاح الدِّين على تطهير القضاء بأن قضى على دولة الشِّيعة الفاطميَّة في مصر، وعزل قضاتها، وعيَّن مكانهم القضاة من السُّنَّة من الشَّافعيَّة والمالكيَّة، وباشر الحكم بين النَّاس بنفسه في حضور الفقهاء، وكان عادلًا يحكم بالشَّريعة؛ قال ابن المقفَّع الأشمونيُّ: "إن الملك صلاح الدين عامل رعيته في بلاد مصر بخير يعجز الواصف عن وصفه وأرسى العدل وأحسن إلى المصريين وأزال مظالم كثيرة على الناس وأمر بإبطال الملاهي في بلاد مصر وأبطل كل منكر شرير وأقام حدود شريعة الإسلام. وكان يجلس للحكم بين الناس فينصف المظلوم من الظالم ويكون في مجلسه مجموعه من الفقهاء ومشاهير الدولة للنظر في القضايا بين الناس والعمل بما توجبه أحكام الشريعة والحق والعدل" تاريخ بطاركة الكنيسة المصريَّة= سير البيعة المقدَّسة، لساويرس بن المقفَّع أسقف الأشمونيِّين، ع: د. أنطون خاطر، ود. أزولد بورمستر، مطبوعات جمعيَّة الآثار القبطيَّة، نشر المعهد العلميِّ الفرنسيِّ للآثار الشَّرقيَّة، القاهرة، ط: (1/1968م)، (2/ 56).
وهذه رسالة مهمَّة مضمونها ضرورة الحكم بين النَّاس بالعدل والإنصاف، وإصلاح القضاء الذي أصبح في يد من لا يجيد تلاوة سورة من سور القرآن الكريم، ولا يُحسن قراءة حديث قصير، ولا يدري عن الأحكام الشَّرعيَّة شيئًا، والمقارنة مفزعة ومحزنة بين قضاة اليوم في بلاد المسلمين، وبين قضاة الأمس في ظلِّ حكم الإسلام، فلا سبيل للنَّصر والتَّمكين إلَّا بإحقاق الحقِّ والانتصار للمظلوم من الظَّالم؛ فإنَّ الله تعالى لا يُقيم الدُّول الظَّالمة، وقد تكفَّل سبحانه وتعالى بالانتصار للمظلوم ممَّن ظلمه؛ فإصلاح نظام الحكم والقضاء من الخطَّة الإصلاحيَّة الصَّلاحيَّة التي عمل عليها القائد صلاح الدِّين الأيوبيُّ.