قيام صلاح الدِّين الأيُّوبيِّ بتوحيد مصر والحجاز والشَّام
في سنة: (569ه) أرسل صلاح الدِّين جيشًا بقيادة أخيه شمس الدَّولة توران شاه إلى اليمن لقتال عبدالنَّبيِّ بن مهدي الذي استولى عليها وملك حصونها، فقتله توران شاه وأخذها منه، وأصبحت الحجاز أيضًا مع مصر ([1])، فاجتمع بذلك تحت راية صلاح الدِّين في مصر اليمن والحجاز، ثمَّ قام صلاح الدِّين بضمِّ دمشق ([2]) في عام: (570ه) بعد مناوشات حصلت بعد موت نور الدِّين محمود، حيث استخلف قبل موته ولده الملك الصَّالح إسماعيل ([3])، ولكونه كان صغيرًا نُقل إلى حلب، وتمَّ تعيين سعد الدَّولة كمشتكين وصيًّا عليه، ثمَّ طمع في توسيع نفوذه في بلاد الشَّام ودمشق، فراسل أمير المدينة سيف الدِّين غازي للتَّدخُّل لمنع ذلك فرفض، فكاتب صلاح الدِّين الأيوبيَّ فجهَّز جيشًا كبيرًا ودخل دمشق سنة: (507ه) من غير قتال أو مواجهة؛ فهم مَن أرسلوا له، وكان تمهُّل أبي المظفَّر صلاح الدِّين وعدم دخوله دمشق فور معرفته بخبر وفاة الملك العادل نور الدِّين محمود مِن التَّوفيق والحكمة، فقد جرت الأمور على أحسن ما يكون حين طلبه الدِّمشقيُّون لينجدهم من سعد الدَّولة كمشتكين الذي سيطر على حلب ويطمع في دمشق، فكان دخوله كمنجد لهم أولى من دخلوه كمقاتل على عرش دمشق، ولم يقف عند حدِّ دمشق بل سعى لضمِّ بقيَّة مدن الشَّام فاستخلف أخاه سيف الإسلام طغتكين على دمشق ([4])، وأقبل على حماة فكانت في يده، ثمَّ حمص والتي استعصت عليه، فاتَّجه نحو حلب وامتنع الصَّالح إسماعيل بن نور الدِّين زنكيِّ وكُمشتكين عن تسليمها، واستعان الأخير بشيخ الحشَّاشين - الشِّعيَّة الإسماعليَّة الباطنيَّة لعداوته لصلاح الدِّين الذي أسقط خلافتهم الفاطميَّة في مصر - على أن يقتل صلاح الدِّين بعد التَّغلل في جيشه لكنَّهم لم يُفلحوا ([5])، ولم يدخل حلب؛ لأنَّه اضطرَّ لفكِّ الحصار عنه لما بلغه من أنَّ جيش سيف الدِّين غازي بن قطب الدِّين مودود قد أعدُّوا لإيقاف زحف صلاح الدِّين وانضم إليه عسكر حلب، فرجع إلى حماة والتقى بهم: (570ه) عند نهر العاصي وهزمهم، وتوجَّه إلى حلب فصالحوه على معرَّة النَّعمان وأخرى، وأصبح سلطان صلاح الدِّين على مصر والشَّام بقرار من الخليفة العبَّاسيِّ ([6])، غير أنَّ الزِّنكيِّين بواسطة سيف الدِّين غازي لم يستسلموا حتى قامت آخر معركة بين الأيوبيِّين والزِّنكيِّين عند تلِّ السُّلطان فانتصر الزِّنكيُّون، ثمَّ ما لبثوا أن هُزموا وفرَّ من فرَّ، وأحسن صلاح الدِّين معاملة الأسرى ومنحهم الهدايا وأطلق سراحهم، ولم يكن قتالهم إلَّا لأنَّهم رفضوا الاستسلام له لتوحيد الدَّولة من أجل تحقيق الهدف الأعظم.
أكمل صلاح الدِّين مسيرة الفتوحات ففتح حصن بزاعة ومنبج، وتوجَّه إلى حص أعزاز وحاصره فخرج بعض الحشَّاشين الشِّيعة الباطنيَّة واندسَّ بين الجنود ووصل إلى خيمة صلاح الدِّين وضربه بسكين على رأسه فلم يتأثَّر فقد تلقَّت الخوذة الضَّربة، وجرح من خدِّه جرحًا يسيرًا، ودار صراع بينهما تمكِّن فيه الحشَّاش من صلاح الدِّين حتى كاد ينحره، فأعان الله تعالى صلاح الدِّين عليه وعاونه الجنود الأيُّوبيُّون وتخلَّصوا منه وممَّن كانوا معهم ([7])، وتوعَّد صلاح الدِّين لكمشتكين أمير حلب فهو من اتَّفق معهم على قتله، وأصبح يحذر من كلِّ شيء حوله.
افتتح حصن أعزاز سنة: (571ه) وانطلقت الجيوش نحو حلب فحاصرتها ولم تسقطها لشدَّة مقاومة حاميتها، ففرض هدنة وتحالفًا على الاحتفاظ بحلب مقابل اعترافهم بسيادة صلاح الدِّين على كامل الأراضي التي أخضعها، واعترفت كثير من المدن بسيادته وملكه على الشَّام، وقويت سلطته.
نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم