جهود عماد الدِّين زنكي في إعداد جيل النَّصر
ومن بعد آقسَنقَر رحمه الله جاء ولده الأتابك - مربِّي الأمير - الملك المنصور عماد الدِّين زنكيِّ بن آقسَنقَر الحاجب رحمه الله [1] ، تولَّى تربيته بعد مقتل والده الأمير قوام الدِّين أبو سعيد كربوقا أمير الموصل [2] في سلطان جلال الدَّولة ملكشاه السَّلجوقيِّ، فعلَّمه فنون القتال والفروسيَّة والقيادة حتى ترقَّى في سلك الجنديَّة بسبب مهاراته القتاليَّة العالية والتي ظهرت في قتاله مع الخليفة العبَّاسيِّ المسترشد بالله سنة: (517ه) فترقَّى بعدها في عام: (521ه) إلى قائد شحنة بغداد [3] ، وفي العام نفسه توفِّي الأمير عزُّ الدِّين مسعود بن قطب الدِّين مودود أمير الموصل، فسارع قاضي الموصل بهاء الدِّين الشَّهرزوريُّ بالذَّهاب إلى السُّلطان محمود بن محمَّد بن ملكشاه وطلب منه تعيين أمير قويٍّ بدلًا عن ولد الأمير عزِّ الدِّين مسعود لكونه صغيرًا، وهذه المنطقة حدوديَّة شاميَّة مع كثافة الصَّليبيِّين في منطقة سواحل الشَّام والسَّيطرة على أكثرها، فلم يتردَّد السُّلطان في إسناد المهمَّة إلى القائل البطل عماد الدِّين محمود زنكيِّ رحمه الله [4] ، وهي البوابة التي دخل منها إلى عالم الحكم والإمارة، وذلك في سنة: (521ه) وهي بداية مناوشات وحروب مع الصَّليبيِّين.
أحوال البلاد قبل عماد الدِّين زنكي كانت الحصون الإسلاميَّة المحيطة بالموصل حين تولَّاها عماد الدِّين زنكي رحمه الله مُتنافرة مُتناحرة مُتقاتلة [5] ، وكلُّ والٍ يفرض السَّيطرة على مدينته ويُحافظ على كرسيِّه ولا يتعاون مع غيره من ولاة الإمارات القريبة، ممَّا سهَّل على الصَّليبيِّين اصطياد المدن مدينة تلو مدينة دون أن يتعاون أمراء المدن والولايات في ردِّ عدون الصَّليبيِّين عنها لارتفاع مؤشِّر الاستقلاليَّة في نفوس القادة، وعلاوة على ذلك كانت الأمصار المسلمة تعيش حالة من الفوضى والاضطراب في جميع المجالات، وخاصَّة الجانب السِّياسيِّ والحكم والسُّلطة من نزاع بين الأمراء، فقرَّر عماد الدِّين زنكيُّ رحمه الله من واقع مسئوليَّته التَّاريخيَّة أن يشارك في مشروع إعداد الجيل فتبنَّى تطهير الشَّام من الصَّليبيِّين [6] ، وبدأ بالخطوة الأولى وهي جمع شتات الأمَّة وتوحيد قيادتها تحت راية واحدة، فعمل على لـمِّ الشَّمل بتوحيد الجبهة الدَّاخليَّة الشَّاميَّة؛ لتكون مُنطلقًا نحو استرداد المدن الإسلاميَّة المغصوبة الواقعة تحت يد الصَّليبيِّين.
خطَّة عماد الدِّين زنكي التَّوحيديَّة للجبهة الشَّاميَّة لم ينتظر الملك المنصور عماد الدِّين زنكيُّ طويلًا بعد تولِّيه الموصل؛ فالوقت ليس في صالحه، فبدأ في تنفيذ الخطَّة التَّوحيديَّة بمدينة حلب في عام: (522ه) وحاصرها عدَّه أشهر حتَّى تمكَّن منها، ثمَّ ضمَّ حماة في العام التَّالي، ثمَّ سرجى ودارا، ثمَّ حصن الأثارب الصَّليبيَّ، ثمَّ ضمَّ قِلاع الأكراد الحميديَّة والهكَّاريَّة وقلعة الصُّور، ثمَّ ديار بكر وإقليم الجبال سنة: (528ه)، وبذلك تكون غالب بلاد الشَّام تحت يد عماد الدِّين زنكي رحمه الله ، وبقيت مناطق تحت يد الصَّليبيِّين ومنها دمشق، فحاصرها سنة: (529ه) دون إسقاطها.
مواجهة عماد الدِّين زنكي للصَّليبيِّين بعد أن تحقَّق توحيد الجبهة الدَّاخليَّة الشَّاميَّة سعى عماد الدِّين زنكيُّ في سلسلة من المواجهات الحقيقيَّة المباشرة مع الصَّليبيِّين بهدف تطهير الشَّام من رجسهم وخبثهم، واسترداد بيت المقدس الذي وقع في أسرهم، وحين شعر الصَّليبيُّون النَّصارى الكاثوليك بقوَّة المسلمين استعانوا عليهم بأبناء دينهم من البيزنطيِّين النَّصارى الأرثوذكس في القسطنطينيَّة [7] ؛ فلبَّى الإمبراطور عمانوئيل - اسم عبريٌّ بمعنى: يحمي الله بيت داود - وجاء بجيش كبير سنة: (532ه) فأسقط مدينتي بزاعة وحلب واستولى عليهما، وأصبحت الشَّام بين كيد البيزنطِّيِّين والصَّليبيِّين، ولكنَّ عماد الدِّين زنكي لم يقف مكتوف اليدين بل قام بمهمَّتين [8] :
الأولى: المهمَّة التَّرهيبيَّة لشلِّ تقدُّم البيزنطِّيِّين: حيث قام بتكليف المجاهدين بعمل مناوشات كرٍّ وفرٍّ على معسكر البيزنطِّيِّين، وأرسل الرَّسائل التَّهديديَّة للإمبراطور؛ في محاولة لإثبات وجودهم، وإدخال الخوف في قلوبهم، ومحاولة منعهم من التَّقدُّم.
الثَّانية: المهمَّة التَّفريقيَّة لتفكيك وحدة العدوِّ: حيث ركَّز زنكيُّ على تفخيم الخلاف المذهبيِّ بين البيزنطيِّين الأرثوذكس، والصَّليبيِّين الكاثوليك؛ فأرسل رسالة إلى الإمبراطور عمانوئيل يخوِّفه من غدر الصَّليبيِّين إن غادر موقعه بقلعة شيراز قرب حماة، وأرسل إلى الصِّليبيِّين يخوِّفهم من أطماع الامبراطور البيزنطيِّ في التَّوسُّع على حساب الصَّليبيِّين؛ فانسحب الإمبراطور البيزنطِّيُّ وترك الأسلحة التي غنمها المسلمون من غير حرب أو صدام، وارتفعت مكانة القائد عماد الدِّين زنكي رحمه الله الذي حاول فتح دمشق للمرَّة الثَّانية دون جدوى؛ لحصانة أسوارها وقوَّتها.
فتح عماد الدِّين زنكي إمارة الرُّها حرص الملك المنصور عماد الدِّين زنكيُّ على فتح إمارة الرُّها - وهي المنطقة الواقعة بين نهري دجلة والفرات – واسترداها [9] ؛ فقد فتحها المسلمون عام: (17ه) ثمَّ استولَّى عليها الصَّليبيُّون في حملتهم المشؤمة على بلاد الشَّام سنة: (492ه)، وتمسَّكوا بها وحصَّنوا أسوارها لما لها من مكانة دينيَّة لديهم بما حوته من كنائس ومعابد، وقد وضع القائد عماد الدِّين زنكيِّ رحمه الله عينه على هذه المنطقة لما لها من أهمِّيَّة في حماية حدود الدَّولة الإسلاميَّة مع الدَّولة البيزنطيَّة، ونظرًا لقوَّة حصونها، ومرابطة أميرها جوسلين، لم يتمكِّن من مهاجمتها بدون حيلة وذكاء؛ فأوهم الصَّليبيِّين أنَّه يُحارب في القبائل الكرديَّة في منطقة ديار بكر، فخفَّت تحصينات الرُّها، وسافر أميرها إلى فرنسا، ووقع الأمان الذي تخلَّص به الجنود من قيود الاستعداد والجاهزيِّة، فسارع عماد الدِّين زنكيُّ رحمه الله في الهجوم على إمارة الرُّها حتى فتحها الله تعالى له عام: (539ه)، وحاول الصَّليبيُّون استعادتها في سنة: (543ه) في الحملة الصَّليبيَّة الثَّالثة دون جدوى أو نتيجة.
مقتل الملك المنصور عماد الدِّين زنكي رحمه الله وبعد حياة مليئة بالإنجازات والبطولات والفتوحات لصالح الإسلام والمسلمين [10] دبَّر الصَّليبيُّون - الأوغاد أصحاب الغدر والخيانة والخسَّة - مقتل [11] عماد الدِّين زنكيِّ مُعتمدين سلاح الخيانة والغدر بعد أن عجزوا عن كسر شموخه في ميادين الحرب ومواقع النِّزال، فأسند الصَّليبيُّون مهمَّة التَّخلُّص من عماد الدِّين زنكيِّ رحمه الله إلى الفرقة الباطنيَّة الخبيثة [12] بعد أن دفعوا ثمن ذلك، أو بالاتِّفاق مع أحد خدَّام عماد الدِّين زنكيِّ رحمه الله وهو يرنقش، فتسلَّل يرنقش إلى خيمته التي ضربها على نهر الفرات حين كان يُحاصر قلعة جعبر فقتله وهو نائم غدرًا وخيانة بالذَّبح، وكان ذلك سنة: (541ه)؛ يقول أبو شامة رحمه الله : "فأضحى وقد خانه الأمل، وأدركه الأجل، وتخلَّى عنه العبيد والخُول، فأيُّ نجم للإسلام أفل، وأيُّ ناصر للإيمان رحل، وأيُّ بحر ندىٍّ نضب، وأيُّ بدر مكارم غرَب، وأيُّ أسد افتُرس، ولم ينجه قلَّة حصن ولا صهوة فرس، فكم أجهد نفسه لتمهيد الملك وسياسته، وكم أدَّبها في حفظه وحراسته، فأتاه مُبيد الأمم، ومُفنيها في الحدَث والقِدم، فأصاره بعد القهر للخلائق مقهورًا، وبعد وثِير المضاجع في التُّراب معفَّرًا مقبورًا رهين جدث، لا ينفعه إلَّا ما قدَّم، قد طويت صحيفة عمله، فهو موثوق في صورة مُستسلم، ثمَّ دُفن بصفِّين عند أصحاب عليٍّ أمير المؤمنين رضي الله عنه " [13]
وهكذا انتهت حياة هذا البطل العظيم الذي يُعدُّ نقطة مُضيئة في تاريخ القادة المجاهدين الباذلين لدين الله تعالى كلَّ طاقة من أجل الارتقاء به، وتحرير المقدَّسات المنهوبة، وإعادة صناعة وعي الأمَّة، وتوحيد الصَّفِّ المقاتل بتوحيد الرَّاية والجبهة المعادية.
(1) إنَّ جهود عماد الدِّين زنكي في توحيد الجبهة الدَّاخليَّة للمسلمين في بلاد الشَّام كانت جانبًا مهمًّا في صناعة جيل التَّمكين؛ لأنَّ المسلمين لا يمكن أن يُحاربوا على الجبهات الدَّاخليَّة والخارجيَّة معًا، ولا تتمكَّن الجيوش المسلمة المتناحرة من الانتصار، بل تضعف وتتلاشى قوَّتها؛ وقد بيَّن القرآن الكريم هذا المسلك من مسالك النَّصر فقال تعالى: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ} [الأنفال: 46] فحرص عماد الدِّين زنكي رحمه الله على لمِّ الشَّمل وتوحيد الجبهة أخذًا بأسباب النَّصر، وهو من أهمِّ الأسباب التي أوقعت النَّصر الأوَّل باسترداد بيت المقدس في العهد العمريِّ.
(2) قال أبو شامة المقدسيُّ رحمه الله : "لـمَّا قُتل قسيم الدَّولة آق سُنقُر لم يخلف من الأولاد غير واحد وهو عماد الدِّين زنكي والد نور الدِّين، وكان حينئذ صبيًّا له من العمر نحو عشر سنين فاجتمع عليه مماليك والده وأصحابه، وفيهم زين الدَّين عليُّ وهو صبيٌّ أيضًا، ثمَّ إنَّ الأمير كربوقا خلَص من السِّجن بعد قتل تاج الدَّولة سنة تسع وثمانين وأربعمئة... فلمَّا ملَك البلاد أحضر مماليك قسيم الدَّولة آق سُنقُر وأمرهم بإحضار عماد الدِّين زنكيِّ وقال هو ابن أخي وأنا أولى النَّاس بتربيته، فأحضروه عنده فأقطعهم الإقطاعات السَّنيَّة، وجمعهم على عماد الدِّين زنكيِّ واستعان بهم في حروبه وكانوا من الشَّجاعة في أعلى درجاتها... ولم يزل مع كربوقا إلى أن توفِّي سنة أربع وتسعين وأربعمئة... وملك الموصل شمس الدَّولة جكرمش وهو أيضًا من مماليك السُّلطان ملكشاه فأخذ زنكيَّ فقرَّبه وأحبَّه واتَّخذه ولدًا لمعرفته بمكانة والده، فبقى معه إلى أن قُتل سنة خمسمئة، فلا جرم أنَّ زنكيَّ رعى هذا لجكرمش لـمَّا ملك الموصل وغيرها من البلاد؛ فإنَّه أخذ ولده ناصر الدِّين كوري فأكرمه وقدَّمه وأقطعه إقطاعًا كثيرًا وجعل منزلته أعلى المنازل عنده واتَّخذه صهرًا" الرَّوضتين في أخبار الدَّولتين النُّوريَّة والصَّلاحيَّة، لأبي شامة، (1/ 103).
صورة من الوفاء في حياة القادة والمتأمِّل في هذا النَّقل العظيم من أبي شامة الدِّمشقيِّ رحمه الله يُدرك أسرارًا عظيمة من أسرار شخصيَّات رجال الفتح الأيُّوبيِّ في الدَّولة الزِّنكيَّة (الأتابكة)؛ فقد قُتل الأتابك قسيم الدَّولة آق سُنقُر التُّركمانيُّ وهو على عهده مع سلطانه ملكشاه وولده السُّلطان بركيارق، قتله تُتُش الذي كان يطمع في السَّلطنة ولم يقدر على إذلاله، وبعد قتل آق سُنقُر تولَّى تربية عماد الدِّين زنكيِّ مماليك أبيه وأصحابه الذين كانوا معه؛ حيث كانوا يتنافسون فيما بينهم على ضمِّ زنكيِّ إلى رعايتهم وكنفهم؛ لما يعرفونه لأبيه من مكانة وقيمة جعلتهم يحفظون له ولده بعد موته، وهذا عين الأخلاق، وقطب الوفاء، وركن الإحسان، وهو دالٌّ على المكانة العظيمة السَّامية التي كان يحظى بها الأتابك آق سُنقُر بين رفاقه وأتباعه؛ فلم يكونوا يُجاملونه بالمحبَّة في حياته، بل كانت محبَّتهم وتقديرهم له عن صدق وإخلاص؛ ألا ترى أنَّها بقيت له في ولده عماد الدِّين زنكيِّ بعد موت أبيه.
أثر المعروف في حياة قسيم الدَّولة ويعدُّ ما حصل من أتباع آق سُنقُر من أعظم الدُّروس التي ينبغي أن يتعلَّمها القادة في كلِّ موقع من مواقع القيادة؛ ومفاده أنَّ البذل والتَّضحية والتَّفاني في إقامة المجتمع على الجادَّة، وإصلاح ما فسد من أموره، وإعداد جيل النَّصر يستوجب أن يكون القائد محبوبًا ممَّن حوله من قادة وجند ورعيَّة؛ فإنَّ المحبَّة تصنع التَّوافق وتجلب الرِّضا، وتسهِّل على القائد مهمَّة التَّوجيه، وعلى التَّابع مهمَّة الامتثال، وهذا هو ما تحقَّق للأتابك قسيم الدَّولة آق سُنقر؛ حيث جمع الله تعالى له قلوب أتباعه؛ فأكرموه بعد موته بتربية ولده تربية صالحة حتَّى جعلوه يسير على طريق أبيه دون انحراف، من خلال حسن التَّربية والتَّوجيه، والإعداد المعرفيِّ والعسكريِّ والقياديِّ؛ فأصبح قائدًا محنَّكًا، وسياسيًّا بارعًا، ومُقاتلًا جسورًا، وهذا أيضًا من آثار صلاح أبيه؛ فصلاح الأبناء بعد موت أبيهم من أعظم الآثار الدَّالَّة على صلاح الأب وقيامه بالخشية وتحلِّيه بالتَّقوى؛ قال تعالى: {وَلۡيَخۡشَ ٱلَّذِينَ لَوۡ تَرَكُواْ مِنۡ خَلۡفِهِمۡ ذُرِّيَّةٗ ضِعَٰفًا خَافُواْ عَلَيۡهِمۡ فَلۡيَتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡيَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدًا} [النساء: 9] وقال سبحانه وتعالى: {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحٗا} [الكهف: 82] .
حفظ المعروف في حياة الأتابك ولايزال عجبي قائمًا من أخلاق الأتابك عماد الدِّين زنكيِّ الذي حفظ المعروف لجكرمش بعد موته حين اعتنى بولده ناصر الدِّين كوريِّ وقرَّبه منه وأغدق عليه العطاء، و وجعل منزلته أعلى المنازل عنده، واتَّخذه صهرًا؛ وهذا لا يقع إلَّا من نفس كبيرة أبيَّة عفيفة، لا تنسى الإحسان، ولا تنكر المعروف، ولا تقطِّع حبال المودَّة، وهكذا كان عماد الدِّين زنكيُّ رحمه الله ، يُراعي الوداد، ويهجر الرُّقاد، ويبني الأمجاد، ويركب الجياد، ويرفع راية الجهاد.
(3) قال ابن الأثير رحمه الله: "ثمَّ دخلت سنة إحدى وعشرين وخمسمئة، وفي ربيع الآخر منها أسند السُّلطان محمود شحنكيَّة العِراق إلى عماد الدِّين زنكيِّ بن آقسُنقُر؛ وكان سبب ذلك أنَّ عماد الدِّين لـمَّا أصعد من واسط في التَّجمُّل والجمع الذي ذكرناه، وقام في حفظ واسط والبصرة وتلك النَّواحي القيام الذي عجز غيره عنه، عظُم في صدر السُّلطان وصدور أمرائه، فلمَّا عزم السُّلطان على المسير عن بغداد نظر فيمن يصلح أن يلي شحنكيَّة العراق ويأمن معه من الخليفة، فاعتبر أمراءه وأعيان دولته، فلم ير فيهم من يقوم في هذا الأمر مقام عماد الدِّين، فاستشار في ذلك فكلٌّ أشار به وقالوا: لا نقدر على رقع هذا الخَرق، وإعادة ناموس هذه الوِلاية، ولا تقوى نفس أحد على ركوب هذا الخطر غير عماد الدِّين زنكيِّ؛ فوافق ما عنده، فأسند إليه الولاية، وفوضها إليه مُضافة إلى ما له من الأقطاع، وسار عن بغداد وقد اطمأن قلبه من جهة العراق، فكان الأمر كما ظنَّ" الكامل في التَّاريخ، لابن الأثير، (9/5) بتصرُّف يسير.
(4) قال ابن الأثير رحمه الله: "وكان الرَّسول في هذا الأمر القاضي بهاء الدِّين أبو الحسن عليُّ بن القاسم الشَّهرزوريُّ، وصلاح الدِّين محمد أمير حاجب البُرسُقيِّ، فحضرا دركاهَ السُّلطان ليُخاطبا في ذلك... فركبا إلى دار الوزير - وهو حينئذ شرف الدِّين أنوشروان بن خالد - وقالا له: "قد علمت أنت والسُّلطان أنَّ ديار الجزيرة والشَّام قد تمكَّن الفِرنج منها، وقويت شوكتهم بها، فاستولوا على أكثرها، وقد أصبحت ولايتهم من حدود ماردين إلى عريش مِصر، ما عدا البلاد الباقية بيد المسلمين، وقد كان البُرسُقيُّ مع شجاعته وتجريبه وانقياد العساكر إليه، يكفُّ بعض عادِيتهم وشرَّهم، فمُذ قُتل ازداد طمعُهم، وهذا ولده طفل صغير، ولابدَّ للبلاد من رجل شهم شجاع، ذي رأيٍ وتجرِبة، يذُبُّ عنها ويحفظها ويحمي حوزتها، وقد أنهينا الحال لئلَّا يجري خلل أو وهَن على الإسلام والمسلمين، فيختصُّ اللَّوم بنا، ويُقال: ألا أنهيتم إلينا جليَّة الحال؟" فرفع الوزير قولهما إلى السُّلطان، فاستحسنه، وشكرهما عليه، وأحضرهما واستشارهما فيمن يصلح للولاية، فذكرا جماعة، منهم عماد الدِّين زنكيُّ، وبذلا عنه تقرُّبًا إلى خزانة السُّلطان مالا جليلًا، فأجاب السُّلطان إلى توليته، لما يعلمه من كفايته لما يليه، فأحضره وولَّاه البلاد كلَّها، وكتب منشوره بها" الكامل في التَّاريخ، لابن الأثير، (9/7) بتصرُّف يسير.
فوائد من كلام القاضي أبي الحسن الشَّهرزوريِّ إنَّ المتأمِّل في سياق كلام القاضي الشَّهرزوريِّ وصاحبه يُدرك كثيرًا من الفوائد التي جعلت هذا الجيل بحقٍّ مقدِّمة النَّصر والفتح الأيُّوبيِّ، ومن ذلك أنَّهم بذلوا النَّصيحة للسُّلطان بالارتحال إليه والحديث مع الوزير ثمَّ السُّلطان ببيان حرصهما على الحدود الشَّاميَّة التي كثر فيها العدوُّ وتربَّص بها، وتعليل رفض تعيين ولد البُرسقيِّ بصغر سنِّه وحداثته، وقلَّة خبراته في مواجهة طُغيان الصَّليبيِّين، ولم يتركوا الأمر عامًّا، بل حدَّدوا من يرونه مناسبًا لذلك؛ وكان في المقدَّمة الأتابك عماد الدِّين زنكيُّ رحمه الله ، وهذا يُبيِّن أنَّه هو من طُلب لها ولم يطالبها؛ ولذلك أُعين عليها؛ وفي الحديث وعن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، ألا تستعملني؟ فضرب بيده على مِنكبي ثمَّ قال ﷺ : «يا أبا ذرٍّ، إنَّك ضعيف، وإنَّها أمانة، وإنَّها يوم القيامة خزيٌ ونَدامَة، إلَّا من أخذها بحقِّها، وأدَّى الَّذي عليه فيها» - صحيح: أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: (الإمارة) باب: (كراهة الإمارة بغير ضرورة) برقم: (1825) - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله ﷺ قال: «تجدون النَّاس معادن، فخيارهم في الجاهليَّة خيارهم في الإسلام إذا فقِهوا، وتجدون من خير النَّاس في هذا الأمر أكرههم له قبل أن يقع فيه، وتجدون من شرار النَّاس ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه» متَّفق عليه: أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب: (المناقب) باب: (قوله تعالى: يا أيُّها النَّاس إنَّا خلقناكم من ذكر وأنثى) برقم: (3493)، ومسلم في صحيحه، كتاب: (الفضائل) باب: (خيار النَّاس) برقم: (2526).
شهوة الرِّياسة مغروسة في النَّفس إنَّ شهوة الملك والجاه والرِّياسة أو شهوة السُّلطة مغروسة في النُّفوس؛ فالمرء يُحبُّ الوجاهة والرِّئاسة والسُّلطان بطبعه؛ وشأن شهوة السُّلطة كغيرها من الشَّهوات من حيث الواقع الميداني؛ فخيرها وسطها، وشرُّها طرفاها، والوسط في شهوة السُّلطة هو إسناد الأمر إلى أهله القادرين على تسييره والقيام بحقِّه دون إفراط منهم في استعمال سلطتهم في المعصية؛ وقد ضرب لنا القرآن الكريم أمثلة صالحة للإنسان الصَّالح الذي يتولَّى السُّلطة بحقِّها؛ ومن ذلك ما ذكره القرآن الكريم عن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السَّلام ؛ فقد كان عزيزًا لمصر التي تمثِّل في هذا الوقت خزائن الأرض، وقد حصَّل هذه المكانة السَّامية بما حباه الله من صفات تجعله أولى النَّاس بهذا الموقع؛ قال الله تعالى: {قَالَ ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٞ} [يوسف: 55] فكان الرَّجل المناسب في المكان المناسب؛ حيث تمكَّن بما أولاه الله من ملكات وقدرات عالية أن يعمل على تجنيب مصر والعالم كارثة من أعظم الكوارث التي تمرُّ بمجتمع من المجتمعات؛ فقد حصلت مجاعات كبيرة في هذا الزَّمن بسبب جفاف النِّيل وحصول القحط العامِّ، تسبَّبت تلك الآثار في هلاك الكثير، ولـمَّا كان الأمر موسَّدًا ومسندًا إلى أهله نجت مصر وما حولها بفضل الله تعالى وتقديره ثمَّ بجهود عزيزها النَّبيِّ الكريم يوسف عليه السَّلام من الانجراف في المجاعات النَّاتجة عن القحط.
ويُستفاد من موقف يوسف عليه السَّلام في هذه الآيات ما يلي: 1 - جواز طلب الإمارة لمن ملك مؤهِّلاتها، وتحقَّقت فيه شروطها، وترجَّح لديه قدرته على القيام بحقوقها، ولم يكن في المرشَّحين لها من يقوم بها؛ قال ابن عطيَّة رحمه الله : "طِلبة يوسف للعمل إنَّما هي حسبة منه لرغبته في أن يقع العدل، ونحو هذا هو دخول أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه في الخلافة مع نهيه المستشير من الأنصار رضي الله عنهم عن أن يتأمَّر على اثنين؛ فجائز للفاضل أن يعمل وأن يطلب العمل إذا رأى ألَّا عِوض منه، وجائز أيضًا للمرء أن يُثني على نفسه بالحقِّ إذا جُهل أمره" - المحرَّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لأبي محمد عبدالحقِّ بن غالب ابن تمَّام بن عطيَّة الأندلسيِّ، (ت:542ه)، تح: عبدالسَّلام عبدالشَّافي محمد، دار الكتب العلميَّة، بيروت - لبنان، ط: (1/ 1422ه)، (3/ 256) - فالإمارة لمستحقِّها القادر على القيام بها من المندوبات التي ينبغي أن يحرص عليها كلُّ مؤهَّل ديِّن أمين؛ لأنَّ إسناد المهمَّة إليه تُجنِّب العالم كلَّه كثيرًا من الويلات والأزمات والمشكلات.
2 - قد يُصبح طلبُ الإمارة متعيِّنًا على أحد النَّاس لانعدام من يصلح لتولِّيها؛ فإنَّ إقامة الحقِّ والعدل ورعاية حقوق النَّاس أولى من إعمال معاني الورع والتَّنزُّه عن مواقع المسئوليَّة؛ لأنَّ تولِّي الفاسدين يُفسد الحياة على العامَّة والخاصَّة؛ فلا يتمكَّن العابد من إقامة عبادته، ولا العالم من نشر علمه، ولا العامَّة من استقامة الحياة؛ "وإنَّما طلب الولاية لأنَّه علم أنَّه لا أحد يقوم مقامه في العدل والإصلاح وتوصيل الفقراء إلى حقوقهم؛ فرأى أنَّ ذلك فرض متعيِّن عليه؛ فإنَّه لم يكن هناك غيره، وهكذا الحكم اليوم، لو علم إنسان من نفسه أنَّه يقوم بالحقِّ في القضاء أو الحسبة ولم يكن هناك من يصلح ولا يقوم مقامه لتعيَّن ذلك عليه، ووجب أن يتولَّاها ويسأل ذلك، ويُخبر بصفاته التي يستحقُّها به من العلم والكفاية وغير ذلك، كما قال يوسف عليه السَّلام ، فأمَّا لو كان هناك من يقوم بها ويصلح لها وعلم بذلك فالأولى ألَّا يطلب" الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبدالله القرطبيِّ، (9/216).
3 - الارتقاء في المناصب لا يكون بالحسب ولا بالنَّسب، ولو كان أحد أولى بهذا لكان يوسف فهو الكريم المنحدر من بيت الكرم والنُّبوَّة، ومع هذا لـمَّا طلب هذه المكانة لم يُقدِّم بين يدي طلبه ما يُفيد هذا، بل ذكر من المؤهِّلات الذَّاتيَّة والصِّفات النَّفسيَّة ما يجعله أحقَّ النَّاس وأولاهم بها؛ قال تعالى: {قَالَ ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٞ} [يوسف: 55] فذكر أنَّه متَّصف بصفتين يحتاجهما هذا الموقع؛ الحفظ، والعلم، وقد وردتا بصيغة المبالغة للدِّلالة على الإمعان فيهما والتَّمكُّن منهما؛ "فقد وصف نفسه بالأمانة والكفاية اللَّتين هما طِلبة الملوك ممَّن يولُّونه، وإنَّما قال ذلك ليتوصَّل إلى إمضاء أحكام الله تعالى، وإقامة الحقِّ وبسط العدل، والتَّمكُّن ممَّا لأجله تُبعث الأنبياء إلى العباد، ولعلمه أنَّ أحدًا غيره لا يقوم مقامه في ذلك، فطلب التَّولية ابتغاء وجه الله لا لحبِّ الملك والدُّنيا" الكشَّاف عن حقائق غوامض التَّنزيل، لأبي القاسم جار الله محمود بن عمرو بن أحمد الزَّمخشريِّ، (ت: 538ه)، دار الكتاب العربيِّ، بيروت، ط: (3/ 1407ه)، (2/ 482).
(5) لقد كان الأمراء والسَّلاطين والملوك والسَّاسة عبر فصول التَّاريخ مُتناحرين مُتقاتلين على الكراسي والعروش بغضِّ النَّظر عن إدارة أحوال البلاد ورعاية شئون العباد؛ فساءت أحوال البلاد الاقتصاديِّة والأمنيَّة؛ فكثُرت المجاعات، وتفلَّت الأسعار، وارتفعت الأثمان، وانتشر الغشُّ، وزادت وتِيرة العنف، وعمَّت الفوضى، وظهر اللُّصوص وقطَّاع الطُّرق؛ فساءت أحوال العباد بنزع الأمن والأمان، وقلَّت الوظائف، وكثر الفقراء، وانتشر الفساد، وعمَّ الظُّلم، وزادت معدَّلات الجرائم، وهذا بسبب التَّناحُر والتَّقاتل على المناصب والعروش؛ وليتهم كانوا أهلًا للاستحقاق والإمارة، بل هم دون ذلك بكثير؛ فإن الأكفاء لا يطلبونها بل تطلبهم، ولا يسعون لها بل تركض نحوهم ولذلك فإنَّ من طلبها أُعين، ومن طلبها وِكِل إليها، والتَّقاتل على الكراسي والسَّلطنة والملك والرِّئاسة والزَّعامة واقع في زماننا يراه كلُّ حيٍّ، ويُضاف إلى الصِّراع الدَّاخليِّ على السُّلطة تدخُّل العدوِّ اللَّدود في اختيار من يُمثِّلهم ويرعى مصالحهم في بلاد المسلمين؛ فأمن العدوُّ على مصالحه الاستعماريَّة، وطال زمن الأسر واغتصاب المقدَّسات، وهذا درس عظيم نتعلَّمه من دروس جيل التَّمكين العمريِّ والأيوبيِّ.
(6) إنَّ تحمُّل القائد للمسئوليَّة التَّاريخيَّة في صدِّ العدوان، ودحر الأعداء، وحفظ الدِّين، وردِّ هجمات المارقين من أعظم مقوِّمات القائد العظيم الذي يبقى أثره، ويعلو ذكره، ويكتب اسمه على صفحات التَّاريخ بمداد من العزَّة والشَّرف والمكانة، ولا عزاء في كلِّ خائن أثيم مطبِّع للخيانة، يبيع قضايا الإسلام بحفنة دراهم، أو بضعة دولارات؛ لقد أثبت التَّاريخ كلَّ موقف لكلِّ فرد، ولكنَّه سلَّط الضَّوء بمزيد من المدح والثَّناء لكلِّ قائد أثبت موقفًا شهمًا تقتضيه أمانة الموقع، وتحتِّمه موقعيَّة القيادة، فذكر أبا بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه بالثَّبات في وجه الرِّدَّة القاسية التي كادت تُهلِك الأمَّة وتقضي على الدَّولة الإسلاميَّة الوليدة بعد موت النَّبيِّ ﷺ ، فكان ثبات أبي بكر من أعظم إنجازاته التي يُخلِّدها التَّاريخ في أخباره وصفحاته بمداد من نور وعزٍّ وقوَّة، وعلى النَّقيض من ذلك يذكر التَّاريخ بعض النَّاس بالذَّمِّ ويعنتهم بالخيانة؛ كالهالك مؤيِّد الدِّين ابن العلقميِّ الذي تعاون مع التتر على المسلمين في إسقاط الخلافة العبَّاسيَّة، والهالك مصطفى كمال أتاتورك الذي أسقط الخلافة العُثمانيَّة في: (1924م)، وعلى المرء أن يختار لنفسه الطَّريقة التي يكتب عنه التَّاريخ بها.
(7) إنَّ استعانة النَّصارى الكاثوليك من الصَّليبيِّن بأبناء دينهم من البيزنطيِّين الأرثوذكس - مع اختلافهم في المذهب الكنسيِّ - على وقف زحف وتوسُّع المسلمين بقيادة عماد الدِّين زنكي رحمه الله في بلاد الشَّام من أعظم الأدلَّة العمليَّة التَّاريخيَّة على أنَّ الكفر كلَّه يجتمع لاستئصال شأفة المسلمين وإنهاء وجودهم، ورفع سيطرتهم عن البلاد، فمهما اختلفوا في المذهب أو الفكر، أو السِّياسة، أو التَّوجُّه العامِّ فإنَّهم يجتمعون على هزيمة المسلمين وسحق ممالكهم؛ لأنَّهم يرون أنَّ توسُّع المسلمين لن يكون لصالحهم بحال من الأحوال، بل يكون توسُّعه على حساب وقف زحف أطماعهم في السَّيطرة الاستعماريَّة الدَّمويَّة على بلاد المشرق، وهذا الدَّرس يُعلِّمنا ألَّا نثق أبدًا في عدوِّنا من اليهود والنَّصارى؛ فلن يقفوا معنا وقفة نصرة وإعزاز؛ لأنَّهم بذلك يشهدون على أنفسهم بالكفر؛ قال تعالى: {مَا كَانَ لِلۡمُشۡرِكِينَ أَن يَعۡمُرُواْ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلۡكُفۡرِۚ أُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ وَفِي ٱلنَّارِ هُمۡ خَٰلِدُونَ} [التوبة: 17]
(8) لقد استعمل الأتابك عماد الدِّين زنكي الحيلة في المعارك التي دارات رحاها على أرض بلاد الشَّام بينه وبين البيزنطِّيِّين والصَّليبيِّين؛ فكان يأمر جنوده بعمل المناوشات العسكريَّة مع جيوش البزنطِّيّيِن مع إرسال التَّهديدات التي توقع الرُّعب في قلوبهم من جيوش المسلمين، وتحايل حيلة حربيَّة تقتضيها الحرب وتفرضها ظروفها حين أوقع الخلاف بين المتحالفين من الأعداء بهدف تفريقهم وضمان توقُّف زحفهم، ومن ثمَّ الانفراد بهم؛ فقوَّة جيوشهم مجتمعة ليست كقوَّتها مفترقة، وهذا من حكمة وفطنة القائد عماد الدِّين زنكي، وقد وجَّهنا القرآن الكريم إلى إعداد القوَّة والأخذ بالأسباب فقال تعالى: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ} [الأنفال: 60] فأمرنا الله تعالى أن نُعدَّ القوَّة التَّرهيبيَّة التي تُسهم في تخويف العدوِّ، ولسنا مطالبين بإعداد ما يوازي قوَّة عددهم أو عدَّتهم أو عتادهم، فكلمة: "قوَّة" نكرة في سياق الطَّلب فتعمُّ كلَّ ما يُحقِّق المطلوب ولو كان بالحيلة، واستعمال حرف الجرِّ: "من" الدَّالِّ على التَّبعيض تخفيف على هذه الأمَّة، فلم يُطالبهم بإعداد القوة، بل اكتفى منهم بفعل الممكن والمتاح لا المطلوب المستحيل.
(9) من المواقف الملهمة التي حدثت مع عماد الدِّين زنكي وتدلُّ على أثره الكبير في صناعة جيل النَّصر أنَّه حين همَّ بفتح إمارة الرُّها واستردادها من أيدي الصَّليبيِّين سنة: (539ه) أنَّه وضع مائدته للطَّعام وقال: "لا يأكل معي على المائدة إلَّا من يطعن معي غدًا باب الرُّها" فلم يجلس معه على المائدة إلَّا صبيٌّ صغير فأرادوا أن يُنوه فقال لهم زنكي: "دعوه؛ فوالله إنِّي أرى وجهًا لا يتخلَّف عنِّي" فحفَّز الصَّبيَّ ودفعه إلى الارتقاء والصُّعود إلى مكان الأبطال، وهذا هو دور المصلحين في إعداد جيل النَّصر والتَّمكين، فلا يحقرنَّ الكبار الصِّغار، ولا يُثنوهم عن الهمَّة العليَّة التي تجعلهم في مصافِّ التَّقدُّم مع صغر أسنانهم وحداثة تجربتهم وقلَّة خبرتهم، وإنَّما يجب رعايتهم وتحفيزهم وتشجيعهم ودفعهم إلى الأمام دفعًا قويًّا؛ لأنَّ صغار اليوم هم قادة الغد؛ فوضع المسئوليَّة على أكتافهم يرتقي بهم ليكونوا على قدرها، أذكر هذا ونحن اليوم ننهر الولد الصَّغير النَّبيه إذا أراد أن يقف بين الرِّجال في الصَّفِّ الأوَّل في صلاة الجماعة، ونطالبه بأن يتأخَّر حتى يترك المكان لغيره من الكبار الذين لا يفقهون شيئًا، ولا يمكنهم الفتح على الإمام إذا أخطأ في القراءة أو الصَّلاة، ولذلك أصبحنا كما تعلمون.
(10) قال ابن الأثير رحمه الله: "وكان شديد الهيبة على عسكره ورعيَّته، عظيم السِّياسة، لا يَقدر القويُّ على ظلم الضَّعيف، وكانت البلاد قبل أن يملكها خرابًا من الظُّلم، وتنقُّل الولاة، ومجاورة الفرنج، فعمَّرها، وامتلأت أهلًا وسكَّانًا... وكان أيضًا شديد الغِيرة ولاسيَّما على نساء الأجناد، وكان يقول: "إن لم نحفظ نساء الأجناد بالهيبة، وإلَّا فسدن لكثرة غَيبة أزواجهنَّ في الأسفار" الكامل في التَّاريخ، لابن الأثير، (9/ 142).
(11) وممَّا اشترك فيه جميع قادة الإعداد لجيل النَّصر في الفتح الأيوبيِّ أنَّهم قُتلوا بسلاح الغدر والخيانة والخِسَّة والدَّناءة؛ فأعداؤهم أيقنوا بقوَّتهم ومنعتهم، وأدركوا عدم الغلَبة عليهم، ولم يكن أمامهم بدٌّ من التَّخلُّص منهم لإيقاف مشروعهم في تحرير الأراضي الإسلاميَّة والزَّحف الإسلاميِّ لتعبيد الأرض لله تعالى بنشر الإسلام؛ فلجأ العدوُّ بعد أن أعيته المعارك الحربيَّة إلى الأساليب القذرة بتدبير اغتيال وقتل القادة الذين لهم بصمة وأثر مضيء في التَّاريخ الإنسانيِّ والإسلاميِّ؛ فدبَّروا مقتل نظام الملك، ومن بعده قسيم الدَّولة، ومن بعده الأتابك عماد الدِّين زنكي، وقاتلوهم بين باطنيَّة وخارجين عن الدَّولة من ذوي الأطماع التَّوسعيَّة في الحكم، وهذه ضريبة الإصلاح والقيادة والتَّغيير؛ فإنَّ الصَّلاح الذَّاتيَّ يختلف عن الإصلاح ومحاولة تعديل المجتمع، ولـمَّا كان الغنم بالغرم كان هؤلاء أفضل هذه الأمَّة لما تحمَّلوه من ضريبة الإيذاء في سبيل الله تعالى وإعلاء راية الإسلام.
(12) وهذه رواية من روايات سبب مقتل القائد عماد الدِّين زنكيِّ رحمه الله ، فقد اختُلف في سببه؛ ومن ذلك أنَّ غلامه قتله حين توعَّده بالعقاب لرفعه صوته قبل نومه فغضب منه فتوعَّده، فخوفًا من العقوبة قتله وتخلَّص منه؛ قال أبو شامة: "قصد زنكيُّ حصار قلعة جعبر فنازلها وكان إذا نام ينام حوله عدَّة من خدَّامه الصَّباح وهو يحبُّهم ويحبُّونه، ولكنَّه مع الوفاء منهم يجفوهم وهم أبناء الفحول القروم من التُّرك والأرمن والرُّوم، وكان من دأبه أنَّه إذا نقِم على كبير أرداه وأقصاه واستبقى ولده عنده وخصاه، فنام ليلة موته وهو سكران فشرع الخدَّام في اللَّعب فزجرهم وزبرهم وتوعَّدهم فخافوا من سطوته، فلمَّا نام ركبه كبيرهم واسمه َيرنقش فذبحه، وخرج ومعه خاتمه، فركب فرس النَّوبة موهمًا أنَّه يمضي في مُهمٍّ وهو لا يُرتاب به لأنَّه خاصُّ زنكيِّ، فأتي الخادم أهل القلعة فأخبرهم وذكر الحديث" الرَّوضتين في أخبار الدَّولتين، لأبي شامة المقدسيِّ، (1/ 155).
وقال ابن العديم العقيليُّ رحمه الله: "وسار ونزل على قلعة جعبر بالمرج الشرقي تحت القلعة، يوم الثلاثاء ثالث ذي الحجة، فأقام عليها إلى ليلة الأحد. سادس شهر ربيع الآخر نصف الليل من سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، فقتله يرنقش الخادم، كان يهدده في النهار، فخاف منه فقتله في الليل في فراشه. وقيل: إنه شرب ونام، فانتبه فوجد يرنقش الخادم وجماعة من غلمانه يشربون فضل شرابه، فتوعدهم. ونام فأجمعوا على قتله، وجاء يرثقش إلى تحت القلعه، فنادى أهل القلعه: شيلوني فقد قتلت أتابك. فقالوا له: اذهب إلى لعنة الله، فقد قتلت المسلمين كلهم بقتله" زبدة الحلب في تاريخ حلب، لابن العديم العقيليِّ، اع: خليل المنصور، دار الكتب العلميَّة، بيروت - لبنان، ط: (1/ 1417)، ص: (326).
ومن ذلك أيضًا: أنَّ هذا الغلام كان موجَّهًا إلى قتل الأتابك عماد الدِّين زنكيِّ رحمه الله من زعيم قلعة جعبر عزِّ الدِّين عليِّ بن مالك العقيليِّ، من خلال إغرائه بشيء وعطاء، وهذا ممَّا يُعضِّده أنَّه انطلق نحو القلعة فور قتله لعماد الدِّين؛ ويُؤيِّد ذلك ما دار من حوار بين حسَّان البعلبكيِّ وأمير جعبر العقيليِّ ممَّا يُفيد تخطيط الأخير للتَّخلُّص من الأتابك عماد الدِّين زنكيِّ؛ قال ابن العديم العقيليُّ: "فتقدَّم حسان البعلبكيُّ صاحب منبج إلى تحت القلعة، ونادى عليَّ بن مالك، وقال له: يا أمير عليٌّ، ايش بقى يُخلِّصك من أتابك؟ فقال له: "يا عاقل، يُخلِّصني الذي خلَّصك من حبس بلك له" يعني حين قتل بلك على منبج وخلَّص حسان، فصدق فأله وكان ما ذكرناه" زبدة الحلب في تاريخ حلب، لابن العديم العقيليِّ، ص: (327).
ومنه أيضًا: أنَّه كان باطنيًّا من الشِّيعة، أو من أصل روميِّ؛ وقد غاظه ما أحدثه عماد الدِّين زنكيُّ من التَّضييق على الباطنيَّة، ومحاربة الصَّليبيِّين، فنهض للانتقام منه حتَّى يُوقف زحفه وامتداده، وانتقامًا منه لأصله وقومه، وإلى هذا الرَّأي ذهب كثير من المؤرِّخِّين.
مكانة عماد الدِّين زنكي في الأمَّة ومهما يكن من أحداث ومُلابسات وتفاصيل وأسرار تتعلَّق بمقتل هذا الأسد الهصور، واللَّيث الجسور، فلابدَّ أن نُدرك أنَّ عماد الدِّين زنكيِّ كان من أفضل قادة المسلمين على مرِّ تاريخ القيادة في الأمَّة الإسلاميَّة، وقد سعى بكلِّ طاقاته في توحيد الممالك المتناحرة، وتوسَّع في ضمِّ الإمارات والمدن إلى مشروعه التَّوحيديِّ الذي يُعدُّ من خلاله ممهِّدًا لطريق الفتح الأيُّوبيِّ بما بذله من جهد كبير في توحيد المسلمين، ونموذج كهذا، برؤية حقيقيَّة كهذه ما كان لأعدائه من الباطنيَّة والصَّليبيِّين والملوك المذعورين منه خوفًا على ملكهم أن يتركوه على قيد الحياة، فلا أستبعد أنَّ مقتله جاء بترتيب واتِّفاق واجتماعات ومشاورات وصفقات؛ لأنَّ عملاقًا يكتسح كلَّ عقبة في طريق توحيد الأمَّة الإسلاميَّة يؤرِّق الظَّالمين الجبَّارين، ويخوِّفهم على ملكهم ويُهدِّد أطماعهم في السَّيطرة على بلاد الإسلام، وهذه الجرائم التي تتمُّ في حقِّ العظماء الصَّالحين في كلِّ زمان بتأييد ومُباركة من صانعي القرار هي حلقات من هذه السِّلسلة الخبيثة التي يتولَّى كبرها المفسدون؛ قال تعالى عن أصحاب هذه المدرسة المعادية لأهل الحقِّ: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا مِّنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيٗا وَنَصِيرٗا} [الفرقان: 31] وقال عزَّ وجلَّ عن أعداء الطُّهر والفضيلة: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَخۡرِجُوٓاْ ءَالَ لُوطٖ مِّن قَرۡيَتِكُمۡۖ إِنَّهُمۡ أُنَاسٞ يَتَطَهَّرُونَ} [النمل: 56] ويُحدِّثنا التَّاريخ عن كثير من النَّماذج الصَّالحة المؤثِّرة في تاريخ الأمَّة التي وضع سلاح الغدر على رقبتها بسبب قوَّتها في نُصرة الإسلام، ولم يقع الإسلام بوقعهم، وإنَّما يصطفي الله تعالى منهم الشُّهداء، وتزداد جرائم الظَّالمين الهالكين، وتجتهد الأمَّة الإسلاميَّة في صناعة من يخلف الرَّاحلين.
(13) الرَّوضتين في أخبار الدَّولتين النُّوريَّة والصَّلاحيَّة، لأبي شامة المقدسيِّ، (1/ 155).