الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

جهود عماد الدِّين زنكي في إعداد جيل النَّصر

ومن بعد آقسَنقَر رحمه الله جاء ولده الأتابك - مربِّي الأمير - الملك المنصور عماد الدِّين زنكيِّ بن آقسَنقَر الحاجب رحمه الله [1]، تولَّى تربيته بعد مقتل والده الأمير قوام الدِّين أبو سعيد كربوقا أمير الموصل [2] في سلطان جلال الدَّولة ملكشاه السَّلجوقيِّ، فعلَّمه فنون القتال والفروسيَّة والقيادة حتى ترقَّى في سلك الجنديَّة بسبب مهاراته القتاليَّة العالية والتي ظهرت في قتاله مع الخليفة العبَّاسيِّ المسترشد بالله سنة: (517ه) فترقَّى بعدها في عام: (521ه) إلى قائد شحنة بغداد [3]، وفي العام نفسه توفِّي الأمير عزُّ الدِّين مسعود بن قطب الدِّين مودود أمير الموصل، فسارع قاضي الموصل بهاء الدِّين الشَّهرزوريُّ بالذَّهاب إلى السُّلطان محمود بن محمَّد بن ملكشاه وطلب منه تعيين أمير قويٍّ بدلًا عن ولد الأمير عزِّ الدِّين مسعود لكونه صغيرًا، وهذه المنطقة حدوديَّة شاميَّة مع كثافة الصَّليبيِّين في منطقة سواحل الشَّام والسَّيطرة على أكثرها، فلم يتردَّد السُّلطان في إسناد المهمَّة إلى القائل البطل عماد الدِّين محمود زنكيِّ رحمه الله [4]، وهي البوابة التي دخل منها إلى عالم الحكم والإمارة، وذلك في سنة: (521ه) وهي بداية مناوشات وحروب مع الصَّليبيِّين.

أحوال البلاد قبل عماد الدِّين زنكي

كانت الحصون الإسلاميَّة المحيطة بالموصل حين تولَّاها عماد الدِّين زنكي رحمه الله مُتنافرة مُتناحرة مُتقاتلة [5]، وكلُّ والٍ يفرض السَّيطرة على مدينته ويُحافظ على كرسيِّه ولا يتعاون مع غيره من ولاة الإمارات القريبة، ممَّا سهَّل على الصَّليبيِّين اصطياد المدن مدينة تلو مدينة دون أن يتعاون أمراء المدن والولايات في ردِّ عدون الصَّليبيِّين عنها لارتفاع مؤشِّر الاستقلاليَّة في نفوس القادة، وعلاوة على ذلك كانت الأمصار المسلمة تعيش حالة من الفوضى والاضطراب في جميع المجالات، وخاصَّة الجانب السِّياسيِّ والحكم والسُّلطة من نزاع بين الأمراء، فقرَّر عماد الدِّين زنكيُّ رحمه الله من واقع مسئوليَّته التَّاريخيَّة أن يشارك في مشروع إعداد الجيل فتبنَّى تطهير الشَّام من الصَّليبيِّين [6]، وبدأ بالخطوة الأولى وهي جمع شتات الأمَّة وتوحيد قيادتها تحت راية واحدة، فعمل على لـمِّ الشَّمل بتوحيد الجبهة الدَّاخليَّة الشَّاميَّة؛ لتكون مُنطلقًا نحو استرداد المدن الإسلاميَّة المغصوبة الواقعة تحت يد الصَّليبيِّين.

خطَّة عماد الدِّين زنكي التَّوحيديَّة للجبهة الشَّاميَّة

لم ينتظر الملك المنصور عماد الدِّين زنكيُّ طويلًا بعد تولِّيه الموصل؛ فالوقت ليس في صالحه، فبدأ في تنفيذ الخطَّة التَّوحيديَّة بمدينة حلب في عام: (522ه) وحاصرها عدَّه أشهر حتَّى تمكَّن منها، ثمَّ ضمَّ حماة في العام التَّالي، ثمَّ سرجى ودارا، ثمَّ حصن الأثارب الصَّليبيَّ، ثمَّ ضمَّ قِلاع الأكراد الحميديَّة والهكَّاريَّة وقلعة الصُّور، ثمَّ ديار بكر وإقليم الجبال سنة: (528ه)، وبذلك تكون غالب بلاد الشَّام تحت يد عماد الدِّين زنكي رحمه الله، وبقيت مناطق تحت يد الصَّليبيِّين ومنها دمشق، فحاصرها سنة: (529ه) دون إسقاطها.

مواجهة عماد الدِّين زنكي للصَّليبيِّين

بعد أن تحقَّق توحيد الجبهة الدَّاخليَّة الشَّاميَّة سعى عماد الدِّين زنكيُّ في سلسلة من المواجهات الحقيقيَّة المباشرة مع الصَّليبيِّين بهدف تطهير الشَّام من رجسهم وخبثهم، واسترداد بيت المقدس الذي وقع في أسرهم، وحين شعر الصَّليبيُّون النَّصارى الكاثوليك بقوَّة المسلمين استعانوا عليهم بأبناء دينهم من البيزنطيِّين النَّصارى الأرثوذكس في القسطنطينيَّة [7]؛ فلبَّى الإمبراطور عمانوئيل - اسم عبريٌّ بمعنى: يحمي الله بيت داود - وجاء بجيش كبير سنة: (532ه) فأسقط مدينتي بزاعة وحلب واستولى عليهما، وأصبحت الشَّام بين كيد البيزنطِّيِّين والصَّليبيِّين، ولكنَّ عماد الدِّين زنكي لم يقف مكتوف اليدين بل قام بمهمَّتين [8]:

الأولى: المهمَّة التَّرهيبيَّة لشلِّ تقدُّم البيزنطِّيِّين:

حيث قام بتكليف المجاهدين بعمل مناوشات كرٍّ وفرٍّ على معسكر البيزنطِّيِّين، وأرسل الرَّسائل التَّهديديَّة للإمبراطور؛ في محاولة لإثبات وجودهم، وإدخال الخوف في قلوبهم، ومحاولة منعهم من التَّقدُّم.

الثَّانية: المهمَّة التَّفريقيَّة لتفكيك وحدة العدوِّ:

حيث ركَّز زنكيُّ على تفخيم الخلاف المذهبيِّ بين البيزنطيِّين الأرثوذكس، والصَّليبيِّين الكاثوليك؛ فأرسل رسالة إلى الإمبراطور عمانوئيل يخوِّفه من غدر الصَّليبيِّين إن غادر موقعه بقلعة شيراز قرب حماة، وأرسل إلى الصِّليبيِّين يخوِّفهم من أطماع الامبراطور البيزنطيِّ في التَّوسُّع على حساب الصَّليبيِّين؛ فانسحب الإمبراطور البيزنطِّيُّ وترك الأسلحة التي غنمها المسلمون من غير حرب أو صدام، وارتفعت مكانة القائد عماد الدِّين زنكي رحمه الله الذي حاول فتح دمشق للمرَّة الثَّانية دون جدوى؛ لحصانة أسوارها وقوَّتها.

فتح عماد الدِّين زنكي إمارة الرُّها

حرص الملك المنصور عماد الدِّين زنكيُّ على فتح إمارة الرُّها - وهي المنطقة الواقعة بين نهري دجلة والفرات – واسترداها [9]؛ فقد فتحها المسلمون عام: (17ه) ثمَّ استولَّى عليها الصَّليبيُّون في حملتهم المشؤمة على بلاد الشَّام سنة: (492ه)، وتمسَّكوا بها وحصَّنوا أسوارها لما لها من مكانة دينيَّة لديهم بما حوته من كنائس ومعابد، وقد وضع القائد عماد الدِّين زنكيِّ رحمه الله عينه على هذه المنطقة لما لها من أهمِّيَّة في حماية حدود الدَّولة الإسلاميَّة مع الدَّولة البيزنطيَّة، ونظرًا لقوَّة حصونها، ومرابطة أميرها جوسلين، لم يتمكِّن من مهاجمتها بدون حيلة وذكاء؛ فأوهم الصَّليبيِّين أنَّه يُحارب في القبائل الكرديَّة في منطقة ديار بكر، فخفَّت تحصينات الرُّها، وسافر أميرها إلى فرنسا، ووقع الأمان الذي تخلَّص به الجنود من قيود الاستعداد والجاهزيِّة، فسارع عماد الدِّين زنكيُّ رحمه الله في الهجوم على إمارة الرُّها حتى فتحها الله تعالى له عام: (539ه)، وحاول الصَّليبيُّون استعادتها في سنة: (543ه) في الحملة الصَّليبيَّة الثَّالثة دون جدوى أو نتيجة.

مقتل الملك المنصور عماد الدِّين زنكي رحمه الله

وبعد حياة مليئة بالإنجازات والبطولات والفتوحات لصالح الإسلام والمسلمين [10] دبَّر الصَّليبيُّون - الأوغاد أصحاب الغدر والخيانة والخسَّة - مقتل [11] عماد الدِّين زنكيِّ مُعتمدين سلاح الخيانة والغدر بعد أن عجزوا عن كسر شموخه في ميادين الحرب ومواقع النِّزال، فأسند الصَّليبيُّون مهمَّة التَّخلُّص من عماد الدِّين زنكيِّ رحمه الله إلى الفرقة الباطنيَّة الخبيثة [12] بعد أن دفعوا ثمن ذلك، أو بالاتِّفاق مع أحد خدَّام عماد الدِّين زنكيِّ رحمه الله وهو يرنقش، فتسلَّل يرنقش إلى خيمته التي ضربها على نهر الفرات حين كان يُحاصر قلعة جعبر فقتله وهو نائم غدرًا وخيانة بالذَّبح، وكان ذلك سنة: (541ه)؛ يقول أبو شامة رحمه الله: "فأضحى وقد خانه الأمل، وأدركه الأجل، وتخلَّى عنه العبيد والخُول، فأيُّ نجم للإسلام أفل، وأيُّ ناصر للإيمان رحل، وأيُّ بحر ندىٍّ نضب، وأيُّ بدر مكارم غرَب، وأيُّ أسد افتُرس، ولم ينجه قلَّة حصن ولا صهوة فرس، فكم أجهد نفسه لتمهيد الملك وسياسته، وكم أدَّبها في حفظه وحراسته، فأتاه مُبيد الأمم، ومُفنيها في الحدَث والقِدم، فأصاره بعد القهر للخلائق مقهورًا، وبعد وثِير المضاجع في التُّراب معفَّرًا مقبورًا رهين جدث، لا ينفعه إلَّا ما قدَّم، قد طويت صحيفة عمله، فهو موثوق في صورة مُستسلم، ثمَّ دُفن بصفِّين عند أصحاب عليٍّ أمير المؤمنين رضي الله عنه" [13]

وهكذا انتهت حياة هذا البطل العظيم الذي يُعدُّ نقطة مُضيئة في تاريخ القادة المجاهدين الباذلين لدين الله تعالى كلَّ طاقة من أجل الارتقاء به، وتحرير المقدَّسات المنهوبة، وإعادة صناعة وعي الأمَّة، وتوحيد الصَّفِّ المقاتل بتوحيد الرَّاية والجبهة المعادية.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله