الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على نبيِّه ومصطفاه .
وبعد: فهذه جملة صالحة من الأحاديث الصَّحيحة الواردة في شهر رمضان المبارك؛ تُعيِّن فضله وشرفه وقدر العمل الصَّالح فيه، أسوقها لعموم المسلمين للانتفاع بالنَّظر فيها، ومن باب تبليغ شيء من السُّنَّة النَّبويَّة الشَّريفة عن النَّبيِّ ﷺ في هذا الموسم الإيمانيِّ الكبير، وهي زاد للدُّعاة والوعَّاظ ومادَّة دعويَّة ووعظيَّة ثريَّة تُغنيهم في هذا الشَّهر، نسأل الله تعالى القبول والتَّوفيق.
مجيء رمضان بالخيرات
1 - فعند مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إذا جاء رمضان فتِّحت أبواب الجنَّة، وغُلِّقت أبواب النَّار، وصفِّدت الشَّياطين».
2 - وعند التِّرمذيِّ عنه رضي الله عنه أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إذا كان أوَّل ليلة من شهر رمضان صُفِّدت الشَّياطين، ومردة الجنِّ، وغُلِّقت أبواب النَّار، فلم يُفتح منها باب، وفُتِّحت أبواب الجنَّة، فلم يُغلق منها باب، ويُنادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشَّرِّ أقصر، ولله عتقاءُ من النَّار، وذلك كلَّ ليلة».
3 - وعند النَّسائيِّ عنه رضي الله عنه أنَّ رسول الله ﷺ قال: «أتاكم رمضان، شهر مبارك، فرض الله عزَّ وجلَّ عليكم صيامه، تُفتَّح فيه أبواب السَّماء، وتُغلَّق فيه أبواب الجحيم، وتُغلُّ فيه مردة الشَّياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرم خيرها فقد حرم».
التَّوجيه إلى التَّوبة والاستغفار
4 - وعند مسلم عن أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه عن النَّبيِّ ﷺ قال: «إنَّ الله عزَّ وجلَّ يبسُط يده باللَّيل؛ ليتُوبَ مُسيءُ النَّهار، ويبسُط يده بالنَّهار؛ ليتُوبَ مُسيء اللَّيل، حتى تطلُعَ الشَّمسُ من مغربها».
5 - وعنده أيضًا عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «للهُ أشدُّ فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاةٍ، فانفلتت منه، وعليها طعامُه وشرابُه، فأَيِس منها، فأتى شجرةً فاضطجع في ظلِّها، قد أيِسَ من راحلته، فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمةً عنده، فأخذ بخِطامها، ثمَّ قال من شدَّة الفرح: "اللهُمَّ أنت عبدي وأنا ربُّكَ" أخطأ من شدَّة الفرح».
6 - وعند الطَّبرانيِّ ك، عن أبي طويل شطب الممدود رضي الله عنه أنَّه أتى رسول الله ﷺ فقال: "أرأيت رجلًا عمل الذُّنوب كلَّها، فلم يترك منها شيئًا، وهو في ذلك لم يترك حاجة ولا داجة إلَّا أتاها، فهل له من توبة؟ قال: «فهل أسلمت؟» قال: أمَّا أنا فأشهد أن لا إله إلَّا الله، وحده لا شريك له، وأنَّك رسول الله، قال: «نعم، تفعل الخيرات، وتترك السَّيِّئات، فيجعلهنَّ الله لك خيراتٍ كلَّهنَّ» قال: "وغدراتي وفجراتي؟ قال: «نعم» قال: الله أكبر، فما زال يُكبِّر حتى تَوارَى".
رمضان شهر المغفرة
7 - وعند الشَّيخين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله ﷺ كان يقول: «الصَّلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفِّرات ما بينهنَّ إذا اجتَنب الكبائر».
8 - وعند التِّرمذيِّ عنه رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ: «رَغِم أنف رجل ذُكرتُ عنده فلم يصلِّ عليَّ، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثمَّ انسلخ قبل أن يُغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يُدخلَاه الجنَّة».
9 - وعند الشَّيخين عنه أيضًا رضي الله عنه أنَّ رسول الله ﷺ قال: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه» وعندهما عنه رضي الله عنه: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه».
رمضان فرصة لدخول الجنَّة
10 - وعند الشَّيخين عن سهل بن سعد السَّاعديِّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ في الجنَّة بابًا يُقال له الرَّيَّان، يدخل منه الصَّائمون يوم القيامة، لا يدخل معهم أحد غيرهم، يُقال: أين الصَّائمون؟ فيَدخلون منه، فإذا دخل آخرهم، أُغلِق فلم يدخل منه أحد».
العمل الصَّالح فيه مضاعف الأجور
11 - وعند الشَّيخين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله ﷺ قال: «قال الله عزَّ وجلَّ: كلُّ عمل ابن آدم له إلَّا الصِّيام، فإنَّه لي وأنا أجزي به، والصِّيام جنَّة، فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث يومئذ ولا يصخب، فإن سابَّه أحد أو قاتله، فليقل: إنِّي امرؤ صائم، والذي نفس محمَّد بيده، لخُلُوف فم الصَّائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك».
12 - وعند البخاريِّ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال: "لما رجع النَّبيُّ ﷺ من حجَّته، قال لأمِّ سنان الأنصاريَّة: «ما منعك من الحجِّ؟» قالت: "أبو فلان - تعني زوجها - كان له ناضحان حجَّ على أحدهما، والآخر يسقي أرضًا لنا" قال: «فإنَّ عُمرةً في رمضان تقضي حجَّة معي»
13 - وعند أصحاب السُّنن عن زيد بن خالد الجهنيِّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من فطَّر صائمًا كان له مثلُ أجرِه غيرَ أنَّه لا يُنقِص من أجر الصَّائم شيئًا».
رمضان شهر القرآن
14 - وعند الشَّيخين عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله ﷺ أجود النَّاس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كلِّ ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله أجود بالخير من الرِّيح المرسلة".
15 - وعند أحمد عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنَّ رسول الله ﷺ قال: «الصِّيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصِّيام: أي ربِّ، منعته الطَّعام والشَّهوات بالنَّهار فشفِّعني فيه، ويقول القرآن: منعته النَّوم باللَّيل فشفِّعني فيه، قال: فيُشفَّعان».
مدرسة الصِّيام تُهذِّب الأخلاق
16 - وعند الشَّيخين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «الصِّيام جُنَّة فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إنِّي صائم» (مرَّتين).
17 - وعند البخاريِّ عنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من لم يدع قول الزُّور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».
18 - وعند ابن ماجه عنه أيضًا رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «رُبَّ صائم ليس له من صيامه إلَّا الجوع، ورُبَّ قائم ليس له من قيامه إلَّا السَّهر».
بركة السَّحور وفضل تأخيره
19 - وعند الشَّيخين عن أنس رضي الله عنه قال: قال النَّبيُّ ﷺ: «تسحَّروا فإنَّ في السَّحور بركة».
20 - وعندهما عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: "تسحَّرنا مع النَّبيِّ ﷺ ثمَّ قام إلى الصَّلاة، قلت: "كم كان بين الأذان والسحور؟" قال: "قدر خمسين آية".
21 - وعند مسلم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنَّ رسول الله ﷺ قال: «فصلُ ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلةُ السَّحَر».
من مظاهر التَّيسير في الصَّيام
22 - وعند الشَّيخين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتمَّ صومه؛ فإنِّما أطعمه الله وسقاه».
23 - وعند التِّرمذيِّ عنه رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «من ذَرَعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدًا فليقضِ».
24 - وعند الشَّيخين عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله ﷺ في سفر فرأى رجلًا قد اجتمع النَّاس عليه، وقد ظُلِّل عليه، فقال: « ما له؟» قالوا: رجل صائم، فقال رسول الله ﷺ: «ليس من البرِّ أن تصوموا في السَّفر».
25 - وعندهما عن حمزة بن عمرو الأسلميِّ رضي الله عنه أنَّه قال: "يا رسول الله، أجد بي قوةً على الصِّيام في السَّفر، فهل عليَّ جناح؟" فقال رسول الله ﷺ: «هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحبَّ أن يصوم فلا جناح عليه».
26 - وعندهما أيضًا عن أنس رضي الله عنه قال: "كنَّا مع النَّبيِّ ﷺ في السَّفر، فمنَّا الصَّائم ومنَّا المفطر، قال: فنزلنا منزلًا في يوم حارٍّ، أكثرنا ظلًا صاحب الكساء، ومنَّا من يتَّقي الشَّمس بيده، قال: فسقط الصُوَّام، وقام المفطرون فضربوا الأبنيةَ وسقوا الرِّكاب، فقال رسول الله ﷺ: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر»".
27 - وعند مسلم عن أبي سعيد الخدريِّ وجابر بن عبد الله رضي الله عنهما قالا: "سافرنا مع رسول الله ﷺ فيصوم الصَّائم، ويفطر المفطر، فلا يَعيب بعضهم على بعض".
فضل العشر الآواخر وليلة القدر
28 - وعند الشَّيخين عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النَّبيُّ ﷺ إذا دخل العشر شدَّ مئزره وأحيا ليله، وأيقظ أهله".
29 - وعندهما عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ ﷺ قال في ليلة القدر: «التمسوها في العشر الأواخر من رمضان».
30 - وعند البخاريِّ عن أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النَّبيُّ ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان".
31 - وعند مسلم عنها رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره"
32 - وعند أصحاب السُّنن عنها رضي الله عنها قالت: "قلت: يا رسول الله، أرأيتَ إن علمتُ أي ليلةٍ ليلةُ القدر ما أقول فيها؟" قال ﷺ: «قولي: اللَّهمَّ إنَّك عفو تحبُّ العفو فاعف عنِّي».
والله وليُّ التَّوفيق