الشَّهادات العلميَّة بين القصد والابتزاز
سؤال:
وجَّه إليَّ بعض الفضلاء سؤالًا مضمونه: سجَّلت في إحدى الجامعات المصريَّة للحصول على درجة علميَّة فطلب منِّي الوسيط بيني وبين الأستاذ المشرف مبلغا من المال كهديَّة للمشرف الأكاديميِّ تضمن تيسير الإجراءات وسرعة إنهاء الدِّراسة، وحين استنكرت عليه أخبرني أنَّ هذا مما تعورف عليه في الأوساط البحثيَّة لضعف الرَّواتب، وكثرة الأعمال، وتفريغ الوقت. فهل هذا صحيح؟ وما هو الموقف في مثل هذا؟
وللجواب أقول:
هذه صورة - وللأسف - من صوَّر الفساد الإداريِّ والتَّعليميِّ مُنيت بها المؤسَّسات التَّعليميَّة عندنا في مصر والسُّودان وبعض الدُّول النَّامية والتي رواتب الأساتذة فيها مُتدانية؛ وتأتي كتصرُّف طبيعيٍّ معروف - من وجهة نظر الأساتذة - كتكميل لنقص الرَّواتب الذي تعجز الجامعة عن تحقيقه للأستاذ الجامعيِّ؛ للفقر أو فساد النُّظم الماليَّة في تلك الدُّول.
إنَّ طلب المشرف الأكاديميِّ مالًا من الباحث غير جائز من النَّاحية القانونيَّة والشَّرعيَّة؛ لأنَّ العمل مؤسَّسيٌّ ويتقاضى المشرف عليه مكافأة ماليَّة، ولكن من التَّدقيق في الأمر ندرك أنَّ نُظم الجامعات المصريَّة تستخفُّ بالبحث العلميِّ حين تقرِّر رصد مكافأة ماليَّة للمشرف الأكاديميِّ لا تتناسب بحال مع جهده وبذل وقته.
ولأجل ما سبق ينحرف نظام العمل الجامعيِّ الأكاديميِّ الإشرافيِّ لطلب مال من الباحث في صورة هدايا وإكراميَّات له وللأساتذة المقيِّمين من أعضاء لجنة التَّقييم والحكم، ويزيد الأمر حين يُطلب من الباحث دفع ماليَّات لسياراتهم، مع تقديم الغداء بعد المناقشة في أرقى وأفخم مطاعم المنطقة، مع اشتراط ذلك، وترتيب المنح العلميَّة بناءً على ذلك.
إنَّ طمع بعض الأساتذة المشرفين يزيد حين يعلم أنَّ الباحث ثريٌّ أو مغترب مقيم أو مواطن دولة أجنبيَّة؛ فيطلب منه - بكلِّ صفاقة وبجاحة - ما يعجز عنه أمثاله من الباحثين المحلِّيِّين؛ ومن صور ذلك:
حدَّثني الثِّقة - مصريٌّ مقيم في دولة خليجيَّة - أنَّ الأستاذ المشرف طلب منه هاتفًا يُقدَّر ثمنه ب 10 آلاف جنيه، وأوقف حصول الدَّرجة على تحقيق ذلك.
وحدَّثني آخر أنَّ المهر المطلوب منه= ساعة يد بمواصفات خاصَّة بلغ ثمنها 5 آلاف جنيه، مع الرَّبط بين تحقيقه وتسهيل الإشراف وتخفيف المناقشة، والحصول على الدَّرجة بالتَّقدير الأعلى.
ولست أعمِّم هذا الأمر، بل رأيت من بعض الأساتذة المشرفين والمناقشين ما يدلُّ على أمانتهم وحرصهم، فكانوا يمنحون طلَّابهم الفقراء بعض العطاء؛ تيسيرًا عليهم وتخفيفًا، وهؤلاء قلَّة قليلة لا تؤثِّر في الأغلبيَّة.
لقد أصبح الأمر مزعجًا للعمليَّة البحثيَّة العامَّة في مصر حتى أضحت سنَّة أكاديميًّة، وجعلها البعض على سبيل الاستحقاق والمِلك، ولست أمنعها على الإطلاق أو أقبلها على الإطلاق، ولكنَّني أمنع فرضها وإلزاميَّتها كمًّا وكيفًا ونوعًا؛ لما في ذلك من الابتزال والصَّفاقة والامتهان، ولا مانع من ذلك باختيار الباحث؛ كتقدير منه للجهد الكبير الذي قام به الأستاذ المشرف.
أمَّا ما نراه من ضعف مهامِّ الإشراف والتَّقصير في المتابعة والبذل للبحث والباحث مع طلب منح ماليَّة فهذه صورة من صور الفساد العلميِّ والإداريِّ الذي لحق بالمؤسَّسات التَّعليميَّة العُليا.
إنَّ التَّسجيل في الجامعات المصريَّة اليوم لم يعد هو الخيار الأفضل من حيث:
1- الاعتماديَّة والقوَّة في الشَّهادة.
2- يسر الحصول على الدَّرجة.
3- جودة المخرج التَّعليميِّ.
4- البعد عن التَّعسُّف الإداريِّ.
5- انعدام تسلُّط الأساتذة على الباحثين بالإلزام بالرَّأي في مجال البحث دون اعتبار رأي الباحث؛ ممَّا يُخرِّج باحثًا هشًّا ضعيفًا لا يحسن الاجتهاد، ولا يقوى على عرض رأيه.
6- سوء السُّمعة العالميَّة للخرِّيجين، وخروج مصر من التَّصنيف العالميِّ للتَّعليم العالي والجامعيِّ وما دونهما.
7- بيع الشَّهادات للأجانب بأثمان ماليَّة من خلال تيسير التَّسجيل، وبيع الرَّسائل لهم، وتسهيل المناقشة والحصول على الدَّرجة العالية، مقابل حفنة من الدُّولارات أو الرِّيالات.
8- كثرة التَّكاليف الماليَّة التي يتكبَّدها الباحث منذ لحظة التَّسجيل إلى وقت التَّخرُّج والمناقشة والتي قد تصل من 50 - 70 ألف جنيه.
9- التَّعسُّف في قبول الموضوعات البحثيَّة التي يطرحها الباحث بحجج واهية لا تمتُّ إلى الواقع البحثيِّ بصلة؛ لهوى الأساتذة أو رغبتهم في نوال أو عطاء، ممَّا يصل بالباحث إلى الإعراض بالكلِّيَّة عن الكلِّيَّة ومتاعبها وصعوبتها.
10- شيوع الوساطة والمجاملة في منح الدَّرجات العلميَّة، ففسدت وزالت هيبتها من القلوب.
ومن خلال ما سبق يُمكن القول:
إنَّ الفساد الإداريَّ المتمكِّن من أركان ومفاصل وجسد الدَّولة المصريَّة لم يترك مؤسَّسة ولا فردًا إلَّا أصابه بشظاه؛ وعلى رأس هذه المؤسَّسات المتأثِّرة بالفساد = المؤسسات التَّعليميَّة البحثيَّة، مع ضعف ما يُنفق على البحث العلميِّ وإعداد الكوادر، مع فراغ كثير من البحوث والدِّراسات من المحتويات العلميَّة النَّافعة؛ فلم يتأثَّر المجتمع - إيجابًا - بتلك الدِّراسات والبحوث على كثرتها؛ لأنَّها أقرب إلى العشوائيَّة في الاختيار والتَّحرير والمناقشة والتَّعديل منها إلى الجدِّيَّة البحثيَّة التي تحمل الباحث والمشاركين في صناعته من الجامعة والكلَّيَّة والقسم والأساتذة والمشرفين والمناقشين على تقديم شيء جديد يكون سببًا في صلاح الأمَّة والدَّولة.
وعلى الرَّغم من كلِّ ما سبق نرى شعاع نور يطلُّ برأسه الخافتة في الارتقاء بهذا المجال المهمِّ في تطوير الأمَّة الإسلاميَّة؛ من خلال إعداد الباحثين علميًّا وإيمانيًّا بزرع الهمَّة في قلوبهم، وبثِّ معاني الأمانة والبذل للعمل البحثيِّ دون فساد أو إثقال كاهل الدَّارسين بما يُقعدهم؛ فرأينا من الأساتذة النُّجباء من يرعى الطُّلَّاب الفقراء مادِّيًّا، ويبذل لهم وقته للتَّعليم والتَّوجيه والمناقشة؛ بهدف الارتقاء والنَّفع لا الابتزاز والدَّفع.
وفي الختام: أرى ما يلي:
1- أن يتمَّ تعديلات ماليَّات العاملين بالسِّلك الجامعيِّ من الأساتذة المشرفين والمناقشين لتُرصد مكافأة مناسبة للإشراف والمناقشة تُغلق باب الطَّمع والجشع.
2- إنشاء هيئة رقابيَّة في الجامعات هدفها تنظيف الجامعة من كلِّ أستاذ متنطِّع متسلِّط يُثقل كاهل الباحثين بالمطالب الماليَّة.
3- قطع امتداد الرَّأسماليَّة إلى المؤسَّسات البحثيَّة والتَّعليميَّة؛ فقد تأسَّدت وتوحَّشت المؤسَّسات في تقرير الرُّسوم الماليَّة الإلزاميَّة للحصول على الدِّراسات العُليا وما فوقها من درجات ورتب، حتى أصبحت الرُّسوم حائلًا سميكًا بين الباحثين النَّابهين من الفقراء وبين التَّسجيل والمواصلة.
وأمَّا واقع اليوم من طلب الهدايا بكلِّ جرأة وإسفاف، وربط ذلك بتيسير العمل الإشرافيِّ أو تعقيده فهذا واقع لا يُنكر، وعلى الباحث أن يستجيب لذلك إذا كان قادرًا، مع العمل الجادِّ على تغيير تلك الثَّقافة الفاسدة، لتضمحل وتتلاشى في المستقبل القريب، أمَّا أكثر أساتذة اليوم فلا يُرجى إصلاحهم، ولا يُطمع في تراجعهم؛ فقد توغَّل هذا المعنى إلى قلوبهم، وساعدهم عليه إقرار الماضي، وتهاون الجهات الرِّقابيَّة، والسُّكوت العامِّ حتى تحوَّل إلى معنى العُرف العامِّ.
وقبل المغادرة أوصي بالتَّواصل مع الأستاذ المشرف للتَّأكُّد من أنَّه على دراية بطلب الوسيط؛ فكثير من الوسطاء يبغي بعضهم على الباحثين بطلب ما لم يطلبه المشرف ويظفر به دون أن يُخبر به الأستاذ المشرف، ويُمكن سؤال الباحثين - الذين سبق لهم التَّعامل مع هذا الأستاذ المشرف - عن طريقته ومنهجه في طلب الهدايا؛ كلُّ هذا من أجل التَّأكُّد وعدم الوقوع في شراك سماسرة الدَّرجات العلميَّة.
ونسأل الله تعالى أن يُصلح الأمَّة
وأن يهدي الأئمَّة الذين يحملون راية هذا الدِّين